لقاء المفلس مع المفضوح. لعل هذه الكلمات البسيطة تعبر وبشكل دقيق عن المشهد الدرامي وربما المأساوي للقاء الذي جرى في موسكو بين الرئيس الروسي بوريس يلتسين والرئيس الأمريكي بيل كلينتون أو ما يطلق عليه بالقمة الروسية الأمريكية الثامنة وفي قول آخر القمة الثانية عشرة . وحتى هذا الخلط الاحصائي والذي وقعت فيه كثير من الصحف وأجهزة الاعلام العربية والعالمية يعود الى أن مفهوم القمة نفسه قد أصبح غير ذا موضوع لانعدام وجود طرفين مؤثرين وأصبح البعض يحصيها في اطار اللقاءات التي تمت بين الرئيسين, سواء كانت لقاءات منفردة أو على هامش لقاءات أوسع مثل لقاءات السبعة الكبار الذين أصبحوا ثمانية بعد انضمام روسيا. فمنذ قمة فانكوفر في كندا التي عقدت بين يلتسين وكلينتون سنة 1993 وفي قمة هلسنكي التي عقدت بينهما في الخامس من مارس سنة 1997 التقى الرئيسان أكثر من عشر مرات كانت كلها وبدون استثناء تعبر عن طرف قوي فرض نفسه على الساحة الدولية منفردا بالقمة والسيطرة, وطرف ضعيف يعيش أزمات اقتصادية وسياسية متصلة. وحتى بيان فانكوفر والذي أطلق عليه قمة الشراكة الأمريكية الروسية والاتفاق على استراتيجية للتعاون بين البلدين لم يكن في واقعه سوى التسليم الروسي بالقيادة الأمريكية المنفردة مع وعود أمريكية بدعم برنامج الاصلاح الاقتصادي في روسيا. هذه اللقاءات كان يطلق عليها لقاءات البطة العرجاء والتي تحاول أن تخطو بساق واحدة وأخرى مكسورة, ولكن لقاء موسكو الأخير استحق وبجدارة لقب البطة الكسيحة. فمع تكرار النغمة التقليدية والتي أصبحت بمثابة الاسطوانة المشروخة عن دعم أمريكا لبرامج الاصلاح الاقتصادي في روسيا, ومع استمرار الحديث المتكرر الى تعاون البلدين من أجل تحقيق الديمقراطية والأمن والسلام والاستقرار. الا ان هذا اللقاء قد كشف بوضوح أنه وعلى مدى الخمس سنوات الماضية فقدت هذه التغييرات مغزاها ومضمونها .. فبرامج الاصلاح الاقتصادي الروسي أودت بالبلاد الى حافة الكارثة أو الهاوية, كما ان الامور تمضي في مسيرة بعيدة كل البعد عن الأمن والسلام والاستقرار. فبوريس يلتسين البطل الشعبي ــ وفق الرواية الأمريكية والغربية ــ والذي وقف على دبابة أمام البرلمان الروسي في انقلاب سنة 1991 واستطاع أن يسقط الامبراطورية السوفييتية ويفككها وسار بروسيا على طريق الديمقراطية والليبرالية الأمريكية, يكشف بعد سبع سنوات من الحكم المتصل والسلطات التي فاقت سلطات القياصرة والبلاشفة, عن صورته القبيحة هذه الأيام أمام العالم كله, وهو يقف مترنحا على تل الخرابة التي صنعها بعد أن أصبح الاقتصاد الروسي كله في مهب الريح. أما رفيق الطريق بيل كلينتون والذي لعب طوال السنوات الماضية دور المنقذ والراعي والمحسن لدعم بوريس الطيب لمواجهة الأشرار والمشاكل ومواصلة الاصلاحات الاقتصادية العظيمة على طريق الديمقراطية واليبرالية فإنه يأتي هذه المرة كسيفا ومجروحا بل ومهزوما. ليس فقط لهذه الفضيحة غير المسبوقة والخاصة بعلاقاته الجنسية وخاصة مع مونيكا لوينسكي بل والأهم من ذلك لأنه فضح وجه أمريكا القبيح وبشكل لم يسبق له مثيل منذ انتفاء الثنائية القطبية وتربع الولايات المتحدة على العرش القطبي الأوحد والمنفرد. فالضربات الأخيرة التي وجهها الى كل من السودان وأفغانستان في أعقاب تفجير السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام كشفت الكثير من المفهوم الأمريكي للشرعية الدولية التي تاجر بها واستثمرها في الأعوام الماضية. فهي التي صنعت الارهاب ودربته وسلحته وساندته في الماضي تحت دعوى محاربة امبراطورية الكفر والشر (الاتحاد السوفييتي) وهي التي رعته وترعاه من خلال مساندة حركة طالبان للسيطرة على أفغانستان واستخدامها كورقة لاثارة الصراعات الدينية والطائفية في المنطقة. ثم هي وفي الوقت نفسه تتخذ من الارهاب وسيلة ومبررا لضرب السودان وأفغانستان في محاولة لتأكيد حقها المطلق في ضرب أي بلد وفي أي مكان وزمان ولايهم بعد ذلك المبررات, فأحيانا تحت دعوى مقاومة الإرهاب الذي صنعته وأحيانا تحت دعوى مكافحة الجريمة والمخدرات مثلما فعلت في بنما سنة ,1993 وأحيانا أخرى تحت دعوى الدفاع عن حقوق الانسان مثلما فعلت في جرينادا. وهي نفسها التي وقفت وحدها ومعها اسرائيل وخمس دول اخرى ضد القرار الذي اتخذه المؤتمر الدولي في روما في الشهر الماضي لانشاء محكمة دولية لمحاكمة مجرمي الحرب الذين ارتكبوا ويرتكبون جرائم ضد الانسانية. أي ان كلينتون جاء الى موسكو هذه المرة بعد أن مزقت أمريكا بنفسها أسس النظام الدولي الجديد التي كانت تطمح في تأسيسه وبعد أن خرقت مفاهيم الشرعية الدولية التي تقوم على قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن. فبالرغم من الطنطنة الامريكية فيما بعد انفراط عقد الثنائية القطبية حول الشرعية الدولية, وبالرغم من النفوذ الأمريكي الواضح في تلك الفترة في أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن بشكل خاص والذي جعلت من قراراته قريبة من قرارات مجلس الأمن القومي الأمريكي, الا انها لم تعد حتى تتحمل بذل جهود أو تضييع الوقت في اعطاء صيغة دولية شرعية على اجراءاتها. وأحسب انه في ظل كل هذه الظروف والمعطيات العالمية الجديدة والمريرة فإن لقاء بيل وبوريس, سواء اعتبره البعض القمة الثامنة واعتبره آخرون اللقاء الثاني عشر, قد أصبح لقاء فارغا من أي مضمون أو مغزى حقيقي, بعد ان تحولت البطة العرجاء الى بطة كسيحة. ولعل الانسان لايملك هنا الا ان يجري مقارنة اعتقد أنها تحمل بعض المغزى, بين قمة موسكو الباهتة والمثيرة للسخرية حتى في الأوساط الشعبية في روسيا وأمريكا وبين قمة أخرى عقدت في الفترة نفسها في جنوب أفريقيا وضمت أكثر من مائة دولة من دول عدم الانحياز. ولست بالطبع بصدد تقديم تحليل نقدي أو كشف حساب لحركة عدم الانحياز منذ مؤتمرها الأول في بلجراد سنة 1961 وحتى الآن, فهناك الكثير من السلبيات وايضا الايجابيات التي واكبت هذه المسيرة. ولكن دعنا نعترف ان انعقاد قمة عدم الانحياز الأخيرة في جنوب افريقيا والتي كانت ومنذ أربع سنوات فقط تأتي على قائمة أعداء هذه الحركة في ظل النظام العنصري البغيض الذي كان يتحكم فيها, هو انجاز تاريخي. وحينما يستقبل نيلسون مانديلا الزعيم الافريقي العالمي والذي قضى قرابة الثلاثين عاما في سجون النظام العنصري رؤساء وفود أكثر من مائة دولة من دول عدم الانحياز على أراض كانت وإلى عهد قريب تمثل قلعة عدوانية وأساسية من القلاع الاستعمارية والعنصرية. وحينما يتواصل البحث في قمة جنوب افريقيا لاعطاء دفعات جديدة للردود المهمة الملقاة على دول عدم الانحياز والتي تمثل أكثر من نصف شعوب العالم, رغم كل الموبقات والمثالب والأخطاء. فلابد وأن يعطينا ذلك نحن شعوب العالم الثالث قدرا من الثقة والتفاؤل في امكانية تحقيق حلم الزعيم الهندي جواهر لال نهرو في كلمته أمام مؤتمر عدم الانحياز الثاني في القاهرة سنة 1964. اننا لانزعم أننا قادرون وحدنا على تغيير العالم, ولكننا نزعم أن أحدا لن يستطيع التغيير بدوننا. والمقارنة بين قمة موسكو المريضة والشاحبة وبين قمة جنوب افريقيا الحاشدة تفتح طريقا حقيقيا للأمل أمام شعوب عدم الانحياز أو العالم الثالث أو دول الجنوب أو أيا كانت التسمية.