السياسة الأمريكية تجاه العراق هل تغيرت؟ بقلم - د. شفيق الغبرا

في قمة قوتها في الشرق الأوسط سعت الولايات المتحدة لتأمين الكثير من التغيرات في منطقتنا: نظام عربي وشرق أوسطي جديد, تعايش سلمي بين العرب واسرائيلي , انفتاح اقتصادي جديد بفضل السلام الذي بدأ في نهاية 1991, كانت الوعود كثيرة في عالم ما بعد حرب 1991, ومن أهم تلك الوعود المتضمنة في الخطاب السياسي الأمريكي, ذلك الوعد المرتبط ببناء وتركيب عراق جديد يؤمن العدالة لشعبه, ويتعايش بروح سلمية مع جيرانه. وخلال السنوات السبع التي عقبت حرب تحرير الكويت انقلب التفاؤل الكبير إلى حالة من التقبل الصعب لواقع لا سيطرة مطلقة لاحد عليه, فقد تغيرت الأحوال في دول عدة بدءا من تغير الادارة الأمريكية التي قادها الرئيس بوش إلى ادارة جديدة, وإذا بنتانياهو اليميني يأتي إلى سدة الحكم في اسرائيل وإذا بصدام يبقى في سيطرته وسطوته على العراق وعلى الشعب العراقي. في كل هذا تبددت الكثير من الآمال, وارتفعت نسب الاحتجاج العربية والشرقية على السياسة الأمريكية وارتفعت الأصوات المطالبة بسياسة أمريكية أوضح أو بسياسة أمريكية أكثر حزما. وابان السنوات السبع الماضية تميزت السياسة الأمريكية في منطقة الخليج بسعيها لاحتواء كل من العراق وإيران, اضافة لدعمها لحلفائها من دول الخليج, وقد سعت بأكثر من مناسبة وبأكثر من محاولة لاشعار النظام العراقي بالتحديد بأنه مهدد بالسقوط والتغير, ولتطبيق هذه السياسة رفعت الادارة الأمريكية من صوتها في مواجهة الدولتين. ولكن هذه السياسة بدأت في التراجع ووفق تعبير الكثيرين بدأت في السقوط والانتهاء, وبينما شكل بروز خاتمي في ايران بداية لتغير في العلاقة الأمريكية الايرانية نحو صيغة ايجابية ووسطية , إلا أن ما يعنينا أساسا هو السياسة الأمريكية الجديدة تجاه العراق. في هذا الاطار لابد من الاشارة إلى المقال المتميز الذي كتبه في الثاني من سبتمبر الحالي Gray Sick جاري سيك السياسي الأمريكي السابق ومدير مشروع الخليج عام 2000 في جامعة كولومبيا وعنوانه ( سياسة بلا اسم) , في هذا المقال يؤكد سيك بأن التغير قد وقع, وان السياسة الأمريكية الرسمية لم تصل بعد لمسمى السياسة الجديدة التي تتبناها. ما هي السياسة الجديدة تجاه العراق وفق سيك؟ انها سياسة تقوم على لغة اهدأ واثاره أقل وهي سياسة تقوم على تخفيض القوات الأمريكية الأرضية في الخليج وتركيز المزيد منها في المياه, إنها سياسة فك ارتباط أرضي قدر المستطاع مع تجنب الدخول في ردود فعل على كل اعلان عراقي أو على كل سياسة عراقية جديدة, فقد تبين ان ردود الفعل السريعة تقوي الرئيس العراقي وتقوي قبضته على الشعب العراقي, كما وتصب لصالح اضعاف المصداقية الأمريكية عربيا ودوليا. ان السياسة الجديدة وفق سيك تضع مسؤولية أكبر على الأمم المتحدة والدول الأخرى في تأكيد السياسة الدولية, اضافة لدعم محدود للمعارضة العراقية مع اعادة التركيز على دور الدول الاقليمية والمحيطة بالعراق (السعودية, الكويت, القاهرة, وغيرها), باختصار لقد انسحبت أمريكا من لعب دور الشرطي المتصدي لكل شيء يخص العراق. ويؤكد سيك في مقاله الذي أثار جدلا واسعا وتعاطفا على صفحات الانترنت الخاصة بمشروع الخليج 2000 ان الولايات المتحدة قد حددت مجموعة من الأمور التي تعتبرها حدودا دنيا تهدد مصالحها ومصالح جيرانها وتفرض عليها التحرك العسكري.. هذا يعني ان الولايات المتحدة ستترك صدام يقرر ما يريد, فإن حاول بناء ترسانته العسكرية سوف تتصدى له بحزم مركزة على قوتها الصاروخية المتمركزة في البحر, أما ان حاول ان يتمدد خارج حدوده باتجاه الكويت أو السعودية فسوف تواجهه بتصعيد أكبر وعواقب كبيرة, هذه هي الخطوط الحمراء الأمريكية الجديدة, انها خطوات جديدة خارج خط النار المباشر. ولكن ماذا بشأن العقوبات؟ هذا السؤال مهم, فالولايات المتحدة سوف تستمر بسياسة العقوبات على النظام, وهي لن تسمح برفعها طالما بقي صدام يتبع سياسة لا تقوم على تسليم كل أسلحة الدمار الشامل والاذعان الكامل لشروط وقف اطلاق النار ومنها قضية أسرى الكويت والنوايا وحقوق الانسان, ويشكل قرار مجلس الأمن بتعطيل المراجعة الدورية للعقوبات اسهاما في هذا التوجه, ولكن من جهة أخرى سوف تكون الولايات المتحدة في طليعة المنادين بتوسيع الغذاء مقابل النفط. في هذا سيكون العراق تحت سيطرة الأمم المتحدة وأمينها العام لسنوات قادمة. اذن نحن في الطريق إلى سياسة أمريكية تحاول ان تتميز بالهدوء, وتسعى لاحتواء الأزمات عوضا عن السماح بانفجارها.. السياسة الجديدة التي يتحدث عنها غازي سيك والتي أكد عناصر هامة منها أمام الكونجرس مارتن مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأوسط الأسبوع الماضي تعترف بآفاق التطور السياسي والاجتماعي في العراق وتعتقد بأن الوقت كفيل بأن يؤثر في القضية العراقية ويحدث تغيرا لصالح العراق وشعبه, في هذه السياسة قد تنجح الولايات المتحدة, وقد لا تنجح, ولكن على الأقل يجب ان نعي ان هذه السياسة قد بدأت تأخذ مجراها منذ اتفاق عنان في فبراير 1998. مدير المركز الاعلامي الكويتي في واشنطن استاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت*

طباعة Email
تعليقات

تعليقات