نريد ان نتحدث عن الاهداف الحقيقية للعولمة ــ صارفين النظر عن الاهداف المضللة التي يرددها انصار العولمة وخبراء صندوق النقد الدولي الذين يعدون الشعوب بجنة العولمة التي سيتربع فيها الفرد على عرش العالم لينعم بمباهج التكنولوجيا وزيادة الدخل ورخاء العيش, فضلا عن توسيع أرضية المشاركة على قاعدة المجتمع المدني وحقوق الانسان والديمقراطية وغير ذلك من الاكاذيب التي يروج لها اناس ماتت ضمائرهم ولم يعد يعنيهم غير مصالحهم الذاتية التي يحاولون تحقيقها على اشلاء الفقراء والمديونين من ابناء العالم الثالث, ويشارك في هذا التضليل حفنة من المثقفين العرب الذين يعملون لحساب امريكا وشركائها فيكتبون المقالات وينظمون المؤتمرات ويستخدمون اسلوب الترغيب تارة واسلوب الترهيب تارة اخرى فمع ترويجهم للاهداف المضللة التي سبق الحديث عنها فلا مانع من الحديث عن خطورة الوقوف امام العولمة التي ستسحق كل من يقف امامها متناسين ان الطريق امام انتشارها ليس مفروشا بالورود وخصوصا بين العرب والمسلمين الذين لن يقبلوا ازالة الحواجز الدينية والقومية والثقافية بينهم وبين الغرب الذي يهدف اول ما يهدف الى القضاء على خصوصيتنا وقوميتنا وانتماءتنا العقدية والثقافية على اي حال دعونا من هذه الاهداف والوعود الكاذبة, وتعالوا بنا الى الاهداف الحقيقية للعولمة, والتي تتمثل فيما يأتي: 1 ـ التحكم في الاقتصاد العالمي واخضاعه لمصالح الدول الكبرى وذلك ما يؤدي الى القضاء على اقتصاد دول العالم الثالث ونهبه ولكن بطريقة مشروعه تسمى بحرية السوق الاخفبرني بالله عليك كيف يمكن الجمع على صعيد الاقتصاد بين دولة قوية مثل امريكا ودولة من دول افريقيا الوسطى مثلا, ان قوى السوق تستطيع ان تقضي على اقتصاد دولة بين يوم وليلة, ان حرية انتقال الرأسمال دخولا او خروجا من دولة ما ليس امرا هينا لان التلاعب في اسواق الاسهم واسعار الصرف اما رفعا او خفضا قد يؤدي الى انهيار اقتصادي وما حدث في ماليزيا من خسارة اقتصادية وصلت الى 200 مليار دولار بين لحظة واخرى كان مثالا واضحا على ما نقول حيث دخل الى سوق المضاربة في ماليزيا احد المضاربين اليهود الجشعين الذين تستروا وراء لافتة العولمة وتلاعب في اسعار الاسهم لكي يربح مليارات الدولارات ويهرب الاموال الى خارج البلاد تحت مظلة حرية انتقال رؤوس الاموال مخلفا وراءه الدمار الاقتصادي لدولة بأكملها بل ان الدمار الاقتصادي قد طال كل دول جنوب شرق آسيا بعد ان دخلت من باب العولمة وسايرت تعليمات صندوق النقد الدولي في الغاء القيود على كافة المعاملات وبعد ان فتحت الباب على مصراعيه لاستقبال رؤوس الاموال الاجنبية. 2 ـ الهيمنة السياسية على دول العالم الثالث واعادتها الى الاستعمار القديم ولكن بصورة حديثة تتفق مع عصر العولمة, صورة لا تستشعر فيها الدول ما كانت تستشعره في فترة الاستعمار العسكري فهو استعمار بلا جنود ولا اسلحة وان كانت القوة العسكرية سوف تستمر في يد الدول الكبرى وحدها وتحرم منها جميع الدول الاخرى وذلك ضمانا لتسييس الدول الصغرى. 3 ـ التذويب الحضاري لسائر الحضارات التي تحمل قيما مضادة لقيم الحضارة الغربية وخصوصا الحضارات الشرقية مثل الحضارة الاسلامية والحضارة الصينية وهذا ما دعى اليه الكاتب الامريكي (صموئيل هانتنجتون) حين قال: (انه لا مجال ولا امكانية للتعايش مع الحضارة الاسلامية لانها تختلف عن الحضارة الغربية وان المواجهة التي انتهت ضد الحزب الشيوعي تركت الفضاء مفتوحا امام مواجهة جديدة لا تكون الا مع الغرب وقيمه, والاسلام الذي هو غير قيم الغرب, بل هو مغاير للحضارة الغربية ولحقوق الانسان ولسيادة الحق والنظم الديمقراطية يجب مقاومته). وهكذا يكشف لنا هذا الامريكي عن النية المبيتة ضد الحضارة الاسلامية ومن هنا تريد العولمة ازاحة قيم الحضارة الاسلامية تحت عنوان ازالة الحواجز بين الشعوب بحيث يكون انتماؤهم للعالمية وليس للمحلية. 4 ـ ولا شك ان هذا الهدف الاخير ينطوي على هدف اكثر خطورة وهو القضاء على الاسلام باعتباره المحرك الاول لهذه الحضارة, وهذا ما صرح به نيكسون في كتابة الفرصة الاخيرة حين قال: انه بعد سقوط الشيوعية لم يعد هناك عدو سوى الاسلام. 5 ـ القضاء على العروبة باعتبارها رابطة قومية مضادة لحركة العولمة التي تستلزم القضاء على اي رابطة غير الانتماء لفكرة الانسانية فالوحدة العربية والقومية العربية مصطلحا ينبغي ان يختفيا في عصر العولمة, لانهما يشكلان خطرا عليها باعتبارها عنصرا من عناصر القوة التي يمكن ان توحد العرب سياسيا واقتصاديا وتمكنهم من الوقوف امام هذا السيل الجارف الذي ينتظرهم من هذه العولمة, ومن هنا بدأ بعض الكتاب ذوي اللون الامريكي يكتبون في انتهاء العروبة ويصورونها على انها تفكير محلي ونظرة قبلية بائدة ونعرة اقليمية لا تتفق مع عصر العولمة. وربما يتضح لنا هذا الهدف من خلال المخططات الامريكية في منطقتنا العربية والتي تحاول تدمير اي تحرك عربي تجاه الوحدة العربية والسوق العربية المشتركة او حتى توحيد المواقف العربية تجاه قضايانا المصيرية. ـ محاولة خلق الصراعات الطائفية والعرقية في العالم العربي ومحاولة تمزيق بعض الدول العربية الى كيانات عرقية ضيقة. ـ زرع حالة من الشك والتوجس بين الحكام العرب ومحاولة تصوير كل دولة عربية كبرى على انها طامعة في شقيقتها الصغرى. 5 ـ القضاء على المشاعر الوطنية داخل الدولة ومحاولة ربط الانسان بالعالم لا بالدولة في محاولة لاسقاط هيبة الدولة القطرية. وهكذا نلاحظ ان اهداف العولمة وفوائدها تصب في مصلحة الدول الكبرى وخصوصا امريكا التي تقود المعسكر الغربي اليوم, وهذا يستلزم منا ان نوحد مواقفنا, وان نتوحد اقتصاديا بحيث نحقق التكامل الاقتصادي فكل دولة من دولنا لها ميزتها الخاصة وبتكامل هذه الميزات, نستطيع ان نجابه العولمة كدولة واحدة لا كدويلات منفصلة تذوب في تيار العولمة الجارف والشركات العملاقة والمتعددة الجنسيات التي تدعمها بنوك ضخمة رأسمال البنك الواحد يساوي رأسمال البنوك العربية مجتمعة. جامعة الامارات ـ كلية العلوم الانسانية*