(عملية التسوية الراهنة) تمر في حالة استعصاء كبيرة جدا (وبالواقع حالة اختناق) . خاصة على مسار اوسلو الفلسطيني ــ الاسرائىلي. فضلا عن التعقيدات المتراكمة على المسارات الاخرى. وهنا فالعملية برمتها ليست جامدة فقط, بل هي في حال من التراجع والانتكاس تلو الانتكاس . وكما جاء في رسالة كيسنجر الى مادلين اولبرايت قبل فترة (ان اوسلو استنفدت وظيفتها ولم تعد صالحة للاستمرار) وهذا ما أعلنه كيسنجر ايضا في جريدة الواشنطن بوست (24/8) . ويمكن القول بان سياسات حكومة نتانياهو وبرنامج التوسع والتهويد والاستيطان قد سرعا في الوصول الى الحالة الراهنة لعملية التسوية ولكن يجب ان يقال ايضا بان (البنية الهشة للعملية التفاوضية التي تمخضت وفور مؤتمر مدريد ولاحقا في الاتفاقيات الجزئية المنفردة, هذه البنية لعملية التسوية تحمل في طياتها كل عوامل الهشاشة وعدم التوازن, ومن هنا فليس من الغريب ان نشهد الواقع الحالي من دخول التسوية في انفاق مظلمة. نحن نعتقد ان المشكلة تكمن في بنية وصيغة العملية السياسية التي تمت وتتم فهي صيغة بعيدة جدا عن روحية ومرجعية القرارات الدولية وتحديدا في جانبها الفلسطيني. قلنا هذا عشية مدريد وبقرارات المجلس الوطني والمركزي لمنظمة التحرير قبل (12) يوما فقط من افتتاح اعمال مؤتمر مدريد (اكتوبر 1991) . على كل حال فالاصعب آت, لان العملية التفاوضية اساسها يكمن في مفاوضات الحل الدائم. ونحن نعلم ان السياسات الاسرائيلية تقوم وتقدم حلولاً وتصورات للحل الدائم تبقي بيد الدولة العبرية أكثر من نصف الاراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة والقطاع فضلا عن التهويد والضم الكامل للقدس والقفز فوق مواضيع اللاجئين والنازحين والمياه, اضافة الى وضع غيتوات ــ جزر الحكم الذاتي بين فكي كماشة الاستيطان على امتداد الخط الاخضر بعمق 10 ــ 15 كم وغور الاردن بعمق 20 ــ 25 كم حدود الامر الواقع لاسرائىل بعد ان تجاهل اوسلو الاستيطان فترك الابواب مشرعة لنهب الارض والذي بلغ 350 الف دونم على يد رابين وبيريز, نتانياهو منذ 13 سبتمبر 1993 حتى الان. الان نعيد من جديد ونقدم امام شعبنا سياسة وطنية وحدوية تحشيدية للجميع, عملية وواقعية تفتح الطريق امام اعادة بناء عملية سياسية جديدة تقوم على اساس الشرعية الدولية وحق شعبنا في العودة وتقرير المصير والاستقلال وهنا يقع على الجانب القيادي من فريق اوسلو الفلسطيني المبادرة لوقف كل اشكال التفاوض والتنسيق الامني مع دولة الاحتلال, والنزول عند نداء العقل والواقع الذي قدمته مبادرة الجبهة الديمقراطية (مايو 1998) لاعادة بناء البيت الفلسطيني من جديد وحتى يمكن الوصول لتجميع كل عناصر القوة الفلسطينية وخلق ظروف جديدة امام الشعب والحركة الوطنية الفلسطينية لبناء البديل الجديد على اساس المرجعية الدولية. وهذا البديل الجديد الذي ندعو له يحظى بالموافقة والالتفاف الدولي الواسع كما أقر في قمة بروكسل وامستردام ودنفر (ومتحدون من أجل السلام) في الجلسة الخاصة الاخيرة للامم المتحدة والتي اجمعت على وقف الاستيطان في جبل ابو غنيم والارض المحتلة بينما لم يقف مع واشنطن وتل ابيب سوى ميكرونيزيا التي لا يتجاوز سكانها مائة الف. يجب ان نؤّمن الدوافع بكل هذه القمم الدولية وقرارات الشرعية الدولية حتى لا تتآكل وتموت بالتقادم الزمني, وفي مقدمة هذه الدوافع, الوحدة الوطنية الفلسطينية, فالوحدة الوطنية ضد اتفاق اوسلو الظالم ومن أجل تجاوزه ضرورة وطنية وقومية واخلاقية لانها تشكل المفتاح لاعادة ترميم وتفعيل الوضع العربي, وحتى يصبح ممكنا بناء حدود دنيا عربية مشتركة. كما اسلفنا من الواضح جدا ان التسوية الراهنة تتخبط, بل وتتراجع على جميع المسارات والانظمة العربية وسلطة اوسلو الفلسطينية تدرك ان هناك اسبابا وراء ذلك, ونعلن بصراحة: ان برنامج حكومة نتانياهو ليس هو السبب فقط بل جوهر المشكلة يعود الى الصفة الهشة, غير المتوازنة التي قامت عليها عملية التسوية الراهنة. الذين وقعوا اتفاقيات الانفراد عليهم ان يدركوا بأن هذه الاتفاقيات لم تجلب السمن ولا العسل لشعوبنا بل جلبت المزيد من التعنت التوسعي الصهيوني الاسرائىلي ومزيداً من تفتح شهية العدوان ونهب الارض. والدولة العبرية فرضت نفسها على الاتفاقات (وريثا لفلسطين الانتدابية) واوسلو تركت الارض الفلسطينية المحتلة عام 1967 (ارضا متنازعا عليها) وليست ارضا محتلة كما تقرر الشرعية الدولية. لذا فالمأزق صارخ على جميع المسارات, وفريق اوسلو الفلسطيني يصرخ ليلا ونهارا من الوضع الصعب الذي آلت اليه كل العملية التفاوضية. لذا نقول على الجميع مراجعة الذات بدلا من الايغال بسياسات عقيمة ثبت انها لا تؤدي سوى الى اضعاف وتفكيك المواقف العربية والمواجهة المنفردة مع العدو وميزان قوى مختل اختلالا فادحا لصالح المحتلين والمستوطنين. على فريق اوسلو والانظمة التي بنيت على رمال الصفقات الثنائية ان يعتذروا من شعبنا والأمة العربية ويمارسوا النقد الذاتي حتى ننتقل معا الى اعادة بناء الوحدة الوطنية ومؤسساتها الائتلافية ببرنامج يستند الى قرارات الشرعية الدولية وصولا للسلام الآخر المتوازن, ونتعاون لترميم وتفعيل التضامن العربي حتى يصبح ممكنا تثمير الضغوط الدولية على توسعية نتانياهو التي لا تشبع. بدون هذه الخطوات, التدهور والانحطاط العربي سيتفاقم نحو مأساة كبرى جديدة بسقف العام 2000 (اسرائىل توسعية) بعد مأساة النكبة الكبرى عام 1948. من المؤسف ان الأخ ابو عمار وفريق اوسلو الفلسطيني لم يعر اي اهتمام جدي او حقيقي حتى الان بضرورة الالتفاف على تقوية البيت الفلسطيني واعادة اللحمة الى صفوف الائتلاف الوطني في منظمة التحرير والعودة للبرنامج المشترك الناتج عن حوار وطني شامل في الداخل والخارج, جاد وحقيقي ينعقد في عمان ــ القاهرة ــ الرياض ــ الجزائرــ دمشق أو اية عاصمة تستضيف الحوار. ونحن قلنا ومازالنا نكرر بأن المدخل الراهن يتم بالوقف الفوري والكامل لكل اشكال التفاوض مع العدو بما في ذلك التنسيق الامني حتى يتم وقف كل اشكال التهويد والاستيطان فلا مفاوضات ولا سلام مع التهويد والاستيطان. بينما الجاري الان ترجمة لشروط نتانياهو (التنسيق الامني والمفاوضات مع استمرار الاستيطان وتهويد القدس ومعظم الضفة + 40% من قطاع غزة) . وهنا كما كررت القول, العالم كله يقف الى جانبنا, والعالم كله يصرح بضرورة وقف الاستيطان, لذا علينا ان نسير مع العالم المؤيد لحقوقنا لا ان نقف مترددين إزاء الضغوط والاملاءات الاسرائىلية ــ الامريكية. بقلم ــ نايف حواتمة