هل الغطرسة المتصاعدة من قبل إدارة الاحتلال الإسرائيلي تجاه عملية التسوية ناجمة عن الصلف الذي يميز شخصية رئيس الوزراء الليكودي فحسب, أم عن طبيعة المرحلة التي يمر بها صراع الأمة مع الاحتلال والتي أحد عناصرها بروز شخصية كرئيس الوزراء المذكور؟ ألح هذا التساؤل نتيجة بروز ظاهرة إرجاع العرقلة الممتدة لعملية التسوية للغرور الذي يميز شخصية رئيس الوزراء والتركيز على هذا البعد الشخصي الفردي وكأنه العقبة التصريحات. مظاهر التركيز الزائد على البعد الشخصي من مظاهر التركيز الزائد على شخصية رئيس الوزراء الاسرائيلية تلك النغمة المتصاعدة التي خلاصتها أن مجتمع الاحتلال قد ضاق ذرعا بسياسات زعيمه المتطرف. ويصحب هذه النغمة التوقع ــ الذي لا يكاد سنده الواقعي يكون ملحوظاً ــ أنه بمجرد سقوط هذه الشخصية المتعنتة, فسوف تبعث عملية التسوية من مرقدها. بل إن مقدم أحد البرامج السياسية في أحد البلدان العربية وجه لأحد الخبراء سؤالا عن الوقت الذي يتوقع فيه أن يعلن مجتمع الاحتلال رفضه لسياسات رئيس وزرائه, مستنداً في ذلك لاستنتاج ــ لا أدري مصدره ــ مفاده أن الرجل لا يعبر عن الرأي العام في مجتمعه! وعندما يتحدث بعض المراقبين عن نكث إدارة الاحتلال الحالية بالعهود التي أبرمتها الإدارة السابقة, فإن اللوم والتثريب يتجهان نحو شخص رئيس الوزراء وحده, دون حديث عن موقف بقية الإدارة أو عن قوى مجتمع الاحتلال الأخرى, وكأن هذا النكث عارض فردي استثنائي. باختصار, هناك نزعة متصاعدة نحو اختزال مسلك ادارة ومجتمع الاحتلال في مسلك (شخص) رئيس وزرائها وطبيعته المزاجية المتطرفة. فهل هذه النزعة سديدة؟ وإن لم تكن كذلك, فما هو التفسير الآخر لتعنت الاحتلال إزاء عملية التسوية؟ وهل ثم بواعث لتلك النزعة التي تركز على البعد الشخصي, وما هي نتائجها؟ مستويات التفسير السياسي وواقع الاحتلال الاسرائيلي المعروف أن مستويات تفسير الأحداث تتضمن المستوى الشخصي والمحلي والإقليمي والدولي, يضاف إليها ــ بعد تعاظم الاتصال ــ المستوى الكوني, والمقصود بالمستوى الشخصي أن يحاول الباحث رصد العلاقة بين طبيعة شخصية القيادات المعنية والحدث, وبالمحلي رصد تأثير العلاقة بين الواقع الداخلي في البلد المعني والحدث, وبالإقليمي رصد العلاقة بين التوازنات في الجغرافيات القريبة والحدث, وبالدولي رصد العلاقة بين المعادلة الدولية والحدث, وبالكوني رصد العلاقة بين واقع الإنسانية ككل والحدث. بالطبع, مستويات التفسير هذه عامة ويتضمن كل منها مستويات فرعية. والمعتاد أن يتنوع الوزن النسبي لكل مستوى حسب طبيعة الحدث. والمعتاد أن يحاول الباحث إيجاد تفسير للحدث على أكبر عدد من هذه المستويات ــ دون افتعال ــ لتتمتع قراءته بأكبر درجة ممكنة من الشمول. والمفترض قراءة هذه المستويات (سويا) حيث الغالب أن أحد المستويات يمهد للآخر ويتفاعل معه. وبتطبيق هذه القواعد على واقع الاحتلال الاسرائيلي, يتسنى لنا الخروج بقراءة أكثر شمولاً وواقعية من القراءة الاختزالية الشخصية المذكورة. فمن الصحيح أن الحالة الشخصية لرئيس الوزراء الحالي أحدثت تطورا ما في مسلك إدارة الاحتلال مما سمح بارتفاع أسهم بعض القيادات التي تشترك معه في هذه الصفات الشخصية مثل شارون وأمثاله. لكن هذه الحالة الشخصية ما كانت لتبرز لولا انسجامها مع الوضع المحلي والإقليمي والدولي. فمحلياً, كان مقتل رابين على يد أحد المتطرفين ونجاح الليكود إعلاناً عن تراجع التوجه الذي يرى سلامة الصهيونية وتأمين الاحتلال متوقفين على (الأمن الاختراقي) الذي يعتمد أساسا على امتصاص الخصم وتقديم تنازلات شكلية مع اختراق صفوفه من الداخل من خلال مشروع الشرق أوسطية, وبالمقابل تقدم التوجه الذي يرى سلامة الصهيونية وتأمين الاحتلال متوقفين على (الأمن الاغتصابي) الذي يعتمد أساساً على استفزاز الخصم والإصرار على إبراز التفوق والهيمنة مع زيادة عدد المستوطنات والتهويد الصريح. مما يؤكد ان هذا المناخ المحلي أسهم في تصاعد الغطرسة أن رئيس الوزراء المعني جاءت به انتخابات لم يقدح أحد في نزاهتها, ولم نسمع بنجاح معارضيه في حجب الثقة عن إدارته. ولم يتضح حقيقة أن فئة معتبرة في مجتمع الاحتلال عبرت عن ضيقها بأسلوبه محلياً أيضاً, مهد الخفوت النسبي لصوت المقاومة المسلحة داخل فلسطين لأن تشعر قيادة الاحتلال بضعف أوراق الضغط عليها مما شجعها على زيادة الغطرسة, أيضاً فإن اطار عملية التسوية نفسه يحمل في داخله عناصر انهيارها مما ييسر عملية العرقلة والتذرع بالذرائع. إقليمياً, أفسح الوضع المتأزم منذ عملية الخليج الكبرى المجال أمام تصاعد غطرسة هذه القيادة المتغطرسة, إذ يفتقد وضع الأمة القدر اللازم من التنسيق الذي يمكن ان يضع حدا لتلك الغطرسة. دولياً, دعم الوضع الدولي هذه الغطرسة خاصة في ظل المعادلة الجديدة التي وصلت اليها العلاقة بين النفوذ الصهيوني وبين الادارة الامريكية. فهذه العلاقة تشهد تصاعدا نوعيا في هذا النفوذ وإسناد أدوار لم تكن تسند من قبل لشخصيات يهودية منحازة, في مقابل الهبوط الواضح في استقلالية إرادة الإدارة الأمريكية بعد انتهاء مرحلة بوش ومجيء الإدارة الحالية. وقد انعكس حال الوضع الدولي الذي يكرس هذه الغطرسة فيما وصلت إليه المنظمة الدولية خاصة بالنسبة لموقفها من الصهيونية ومن التطور النوعي في التعامل مع انتهاكات الاحتلال الاسرائيلي. الخلاصة إذن أن ثم مرحلة متطورة لها طبيعة شاملة وسمات وخصائص متنوعة هي ــ بمجملها ــ التي مهدت لتنامي غطرسة الاحتلال إدارة ومجتمعا. وكان تجلي هذه الغطرسة على المستوى الشخصي لرئيس الوزراء (أحد) تجليات هذه الطبيعة (العامة) للمرحلة الراهنة. لكن هل يمكن رصد بعض البواعث التي أدت لبروز القراءة التي تعتمد التركيز الزائد على شخص رئيس وزراء الاحتلال وإرجاع فشل عملية التسوية أساسا لطبيعة شخصيته؟ بواعث القراءة الاختزالية الغالب ان واحدا من البواعث التي ادت للتركيز الزائد على شخص رئيس وزراء الاحتلال هو تبرير فشل عملية التسوية. ذلك أن إلقاء تبعة فشل التسوية على غطرسته الشخصية لهو تعليل مريح لبعض الجهات التي خلى وفاضها من أوراق ضغط بعبارة أخرى, من شأن هذه القراءة أن تحول دون التقويم الموضوعي العميق لسياسات الأمة إزاء عملية التسوية. أضف لذلك أن حصر اللوم كله في شخصية واحدة ــ على المستوى النفسي الإعلامي ــ يسهل تسويق هذا اللوم حيث ستسهل كراهية رجل واحد محدد الملامح أكثر من كراهية ادارة متشعبة بأكملها. ربما يكون ثاني بواعث هذا التركيز الزائد على شخص رئيس وزراء الاحتلال هو إسقاط حال قيادات بلدان الأمة على واقع الاحتلال. مفاد ذلك أن عددا من مصادر الخطاب السياسي والإعلامي تركز على البعد الشخصي والفردي نتيجة تأثرها بحال القيادات العربية الذي يغلب عليه الفردية والشخصية. ولا يقتصر الإسقاط على القيادة الحالية, فقد حصل نفس الأمر في ظل قيادة حزب العمل عندما كان التصنيف الإعلامي المصاحب لكل من رابين وبيريس في بعض أجهزة الإعلام انهما يمثلان الجناح (المعتدل) ! بعبارة أخرى, فإنه نتيجة سيادة الفردية والشخصية في كثير من بلدان الأمة, فقد قرأ البعض واقع مجتمع الاحتلال في ضوء واقعه هو. ليس معنى هذا أن مجتمع الاحتلال يتمتع بمشاركة شعبية تفتقدها الأمة, فمعروف أن المؤسسة العسكرية هي التي (تشكل) المشاركة داخل مجتمع الاحتلال. كل ما يعنيه أنه يغيب عن أصحاب هذه القراءة الاختزالية أن ثم قدرا من التوافق على السياسات المبدئية التي لا تختلف عليها تيارات مجتمع الاحتلال رغم اختلافها على بعض الفرعيات. من ثم فليس مرجع الأمر إلى الحالة الشخصية لمن هو (رمز) السلطة التنفيذية وحده. ربما يكون ثالث هذه البواعث عدم الرغبة في مواجهة حقيقة خريطة القوى المشكلة لمجتمع الاحتلال. ذلك انه يبدو ــ على المستوى النفسي السياسي ــ أن أصحاب القراءة الاختزالية لا يريدون الاعتراف بأن مجتمع الاحتلال ــ في محصلته ــ يقر سياسات رئيس وزرائه المتغطرس. فهذا الاعتراف ينطوي على إقرار ضمني بكون الوصول إلى حالة من السلم ــ ولو مؤقتة ــ أمر غير ذي موضوع. أضف لذلك أن الاعتراف بأن مجتمع الاحتلال يقر سياسات زعيمه ــ في مجمله ــ يكشف زيف الصورة الذهنية السائدة عن بعض قوى ذلك المجتمع خاصة تلك التي تدعى انها تيارات سلام, ويظهر أنه رغم التناقضات الثانوية والاختلافات الفرعية, فليس ثم تناقض جذري بين مواقف هذه القوى وبين مواقف رئيس الوزراء تجاه القضايا الرئيسية كقضية القدس واللاجئين والاستيطان وحق العودة ومصير الأراضي المحتلة عام 1948. من ثم يؤكد ذلك أن التحالفات المبرمة بين بعض التيارات العربية وهذه القوى لهي مؤسسة على شفا جرف هار. لكن ما هي نتائج هذه القراءة؟ نتائج القراءة الاختزالية من نتائج التركيز الزائد على شخص رئيس وزراء الاحتلال تعزيز وضع الرجل داخلياً. فالتركيز على أن تصرفات رئيس الوزراء الفردية وعناده الشخصي هما وراء تعثر عملية التسوية, لهو أفضل تزكية له أمام مجتمعه الذي يقدس الغطرسة, تماما كما أن صورة الفتى اللعوب تزكي رئيس الولايات المتحدة أمام مجتمعه الذي يقدس انتهاك حرمة الجسد. بعبارة أخرى, ليست تلك المحاولات لاختزال عنت الاحتلال في عناد قائده سوى سهما يرتد لقلعة المروجين لتلك الفكرة الخاطئة ــ من حيث لا يحتسبون ــ إذ يقومون هم بدور الشاهد على كفاءة الرجل المزعومة. وهذا يؤدي للمبالغة في كفاءته. فنحن لو استرجعنا شريط أداء قيادة الاحتلال في ظل زعامة الرجل, لألفيناه مزدانا بسلسلة من الإخفاقات تدل على رؤية سطحية وسوء تصرف. من هذه الإخفاقات الحيرة الممتدة إزاء وضع جيش الاحتلال في جنوب لبنان المقاوم, والتي تعاظمت عقب مقتل ما يزيد على عشرة جنود بينهم قائد عسكري كبير عندما حاولت قيادة الاحتلال الانتقام السريع للضربة الموجعة في سوق تل أبيب. ومنها القبض على عملاء استخبارات الاحتلال الذين فشلوا في قتل مدير المكتب السياسي لحماس بعمان, وعلى عملاء آخرين في مصر واستمرار حبسهم رغم استجداء رئيس وزراء الاحتلال للقيادة المصرية بالإفراج عنهم. ومن إخفاقات إدارته عدم توظيف مكاسب قيادة العمل في اختراق صفوف الأمة خلال تدشين مشروع الشرق أوسطية, الأمر الذي تبدى في فشل قمة الدوحة. الخلاصة ان التركيز على صلف الرجل من شأنه أن يغض الطرف عن هذه الاخفاقات التي ستتوارى خلف (النجاح) في إجهاض عملية التسوية الناجم عن غطرسته. ومن نتاج التركيز الزائد على شخص رئيس وزراء الاحتلال تبرئة بقية القوى السياسية داخل مجتمع الاحتلال. هذا ما حصل ويحصل بالنسبة للنظرة لحزب العمل. فكما أشرنا, فإن عددا من وسائل الإعلام تصنف قادة الحزب على أنهم يمثلون (التيار المعتدل) , بل إن بعض المحللين ــ كما حصل في ندوة قريبة ــ يلحقه بما يطلقون عليه قوى السلام! هذا رغم أن تحليلا أعمق لخريطة القوى السياسية لمجتمع الاحتلال ينبىء ــ كما يبين منير شفيق ــ أن برنامج العمل أخطر من برنامج الليكود, إذ يستهدف اختراق الأمة قاطبة من خلال تصور ما يسمى بنظام الشرق الأوسط, بينما يقتصر برنامج الليكود على التركيز على البعد الأمني مع إيثار الانعزالية الإقليمية. كما يتوارى خلف تبرئة العمل السجل الأسود لقادته بدءاً من قيادتهم لمذابح مرحلة التقسيم, مرورا بضربة جولدا مائير في حرب الأيام الستة, وصولاً للقبضة الحديدية وتكسير العظام من جانب رابين في مواجهة الانتفاضة, وانتهاء بمذبحة قانا التي أراد بيريس منها مجرد رفع أسهمه الانتخابية قبيل سنوات. من نتائج هذه القراءة ايضاً اعتبار سلطة الاحتلال الاسرائيلي هي الفاعل الوحيد في العملية السياسية التي ستصبح من ثم أحادية. ذلك أن أحد أهم معالم هذا الخطاب هو استجداء مجتمع الاحتلال لتغيير قيادته الأمر الذي تغلفه مقولة أن مجتمع الاحتلال قد ضاق ذرعاً بسياسات رئيس وزرائه, وأن موعد سقوطه قد اقترب. من ثم فالجميع في انتظار حصول التغيير في جانب الاحتلال. بالتالي لحقت حلة من الجمود بكثير من قوى الأمة التي ابتعدت عن ناظريها أوراق الضغط التي يمكن توظيفها في مواجهة غطرسة الاحتلال. ضرورة القراءة الشاملة إن قراءة واقع الاحتلال الإسرائيلي إدارة ومجتمعنا لا يجب ان تقلل من شأن البعد الشخصي خاصة في ضوء شهادة التاريخ التي تؤكد أهميته, لكنها تحتاج إلى تسكين هذا البعد ضمن الأبعاد الأخرى التي تنسجم معه وتتفاعل. وذلك بغية الوصول لقراءة شاملة تسهم حقاً في المواجهة وتبتعد عن الاعتذارية والإسقاط وخداع النفس والتضليل التلقائي أو المقصود ... والله أعلم.