لم تجد وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت من وصف أنسب تطلقه على زعيمي الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني الكردستانيين مسعود بارزاني وجلال طالباني سوى أنهما (يمثلان الأصوات الحقيقية للشعب العراقي) . ولكن أولبرايت نسيت ان تحدد بالضبط من هو الشعب العراقي الذي تقصده ويمثله السيدان برازاني وطالباني. ولولا وجود الزعيمين الكرديين في واشنطن ولقائهما أولبرايت, ومن ثم تقتضي أصول اللباقة والضيافة اطلاق بعض عبارات المجاملة والمداعبة, لكان من حق أي عراقي أن يشك بأن وزيرة الخارجية الأمريكية تفقه ما تقول. على أية حال ذلك الوصف لم يطلق جزافا فهو مقصود ومدروس بعناية لأن الولايات المتحدة بصدد التحضير لشيء ما تجاه العراق, أو هكذا تقول المؤشرات على الأقل. ولا يمكن لهذا الشيء ان يتم بدون ضمان مشاركة الأكراد وموافقتهم. وضمان مشاركتهم لا يمكن ان يتم بدوره دون المصالحة بين الزعيمين والحزبين الكرديين. وهما اللذان ظلا حتى الآن في حالة قتال وتنافس أوقع الآلاف من الأكراد قتلى, فضلا عن الجرحى والخسائر المادية الجسيمة التي لحقت بالقرى والمدن الكردية. أما موافقتهم فهي تشترط أولا وقبل كل شيء تطمينهم بأن الولايات المتحدة لن تتخلى عنهم تحت أي ظرف من الظروف, بما في ذلك الحماية المباشرة إذا اقتضى الأمر. غير ان الكرم الأمريكي لم يكتف بذلك, وإنما ذهب إلى حد تسميتهم بالأصوات الحقيقية الممثلة لشعب العراق. وهو أمر لابد أن مقابله كثير وكبير. بيد انه إذا كانت دعوة الادارة الأمريكية لبرزاني وطالباني لزيارة واشنطن واجتماعهما مع أولبرايت ومستشار الأمن القومي صمويل برجر, وترتيب اجتماع مصالحة بينهما هي أبرز مؤشر على الاهتمام الأمريكي بالوضع في شمال العراق. فالواقع ان واشنطن لم تكف في الفترة الماضية عن ارسال الاشارات إلى مختلف الأطراف بما ينبي عن عزمها العودة مجددا لهذه المنطقة واعتبارها الجزء الحيوي في الاستراتيجية الأمريكية القادمة تجاه العراق. ومنذ حرب الخليج لم يفتر الاهتمام الأمريكي بشمال العراق, فهذه المنطقة هي الوحيدة المرشحة لاتخاذها نقطة انطلاق في حالة تقرر القيام بعمل عسكري مباشر ضد بغداد. وحتى عام 1996 كانت قاعدة لنشاطات المخابرات الأمريكية وجماعات المعارضة الموالية لها, قبل ان يدخل الجيش العراقي مدينة أربيل وما استتبعه من هروب كبير لهؤلاء غير ان واشنطن استفادت من الفراغ العراقي والفوضى الأمنية وعادت من جديد لشمال العراق وهي تشرع في بناء قواعد أمنية جديدة لها. وتزايدت أهمية المنطقة في ضوء التهديدات المتكررة التي أطلقها الكونجرس الأمريكي وعزمه تخصيص مبالغ جديدة لدعم الأنشطة الاستخبارية ضد العراق, بما في ذلك توجيه اذاعة خاصة موجهة من براغ أعلن عن افتتاحها مؤخرا. من هناك فإن الحاجة إلى خلق توافق بين التنظيمين الكرديين المتصارعين تبدو مسألة حاسمة. على الأقل لجهة تعقيد الأمور أمام الحكومة العراقية في حالة قررت القيام بأية خطوة في الشمال. وفي حين لم يعرف بعد ما هي النتائج العملية التي ستتمخض عنها لقاءات الزعيمين الكرديين في واشنطن, والتي وضع لها عنوان رئيسي وهو المصالحة بين الرجلين وبحث الوضع في المنطقة الشمالية من العراق. بيد ان أحد الاحتمالات الممكنة هي فعلا تحقيق مصالحة بينهما تكريسا للهدنة القائمة فعليا منذ نوفمبر 1997. وربما وجد الضغط الأمريكي طريقه إلى دفع الجماعتين الكرديتين للتعاون حول عدد من القضايا المحلية مثل تنظيم الأمور الادارية وتوزيع الضرائب وما إلى ذلك. لكن لا يبدو ان ثمة ما هو أبعد من هذا الهدف, على الأقل في المرحلة الحالية. فلكلا الحزبين برنامجه وأولوياته الخاصة, فضلا عن ارتباطاته بالقوى الأقليمية. وفي حين يعتبر الحزب الديمقراطي حليفا لتركيا, فإن الاتحاد الوطني الكردستاني قريب من ايران وسوريا وله ارتباطاته المعروفة مع واشنطن ودوائر غربية أخرى. غير ان الورقة الأقوى في يد الولايات المتحدة حاليا تظل هي ورقة الحصار المفروض على العراق. فاستمرار هذا الحصار هو الذي يؤمن للحزبين عوائده المالية, سواء من خلال اتفاق النفط مقابل الغذاء أو من خلال الضرائب على التهريب ورسوم مرور النفط العراقي عبر تركيا. وفي حالة رفع الحصار وعودة سلطة بغداد المركزية للشمال فإن هذه العوائد سوف تتبخر وتتبخر معها الامتيازات السياسية والقانونية والعسكرية. وهذا ما يدفعهما حاليا رغم عدم قناعتهما بجدية الدور الأمريكي في شمال العراق إلى الذهاب لواشنطن والجلوس للاستماع إلى التوجيهات الأمريكية. وهو السبب نفسه الذي يجعلهما أيضا لا يقطعان شعرة معاوية مع بغداد تحسبا لتغير الوضع رغم كل ما فعلاه معها في السابق. ولكن إلى متى سوف يستمر هذا الوضع غير الطبيعي والشاذ في شمال العراق, وهل باستطاعة الولايات المتحدة ادامة هذه الحالة إلى ما لا نهاية! هذا هو السؤال الطبيعي الذي ينبغي على الأكراد ان يجيبوا عليه قبل فوات الأوان, وأن يقرروا في أية خانة يضعوا رؤوسهم وليس فقط أقدامهم. كاتب وصحافي بحريني*