لم تكن زيارة دينس روس المنسق الامريكي لعملية السلام, إلى المنطقة هذه المرة أفضل من زياراته السابقة, بل إن زيارته الاخيرة بدت أضعف من سابقاتها, حتى ان رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو كاد ان يتملص من مقابلته , بحجة اصابته بوعكة صحية, باختصار فقد جاء دينس إلى المنطقة والادارة الامريكية في اكثر احوالها ضعفا بسبب مشكلات الرئيس الامريكي الناجمة عن فضيحة مونيكا لوينسكي, وجاءت زيارته في مناخات التحالف العسكري الاسرائيلي ــ التركي, الذي يحاول ايضا احداث اختراق سياسي وامني في المنطقة بمحاولة استدراج اطراف عربية للانخراط فيه, وقبيل الزيارة سارعت اسرائيل إلى الايحاء بانها وافقت على المبادرة الامريكية بشأن الانسحاب من 13% من اراضي الضفة الغربية, ولكن هذه الموافقة كانت مناورة ملغومة, حيث انها ارتبطت بعدد من الشروط, وبإلغاء المرحلة الثالثة من اعادة الانتشار, فبعد موافقة الطرف الفلسطيني على ابقاء 3% من الاراضي, التي ستعيد اسرائيل الانتشار فيها كمحمية طبيعية, تنازلا لاسرائيل ونزولا عند رغبة الطرف الامريكي, لازالة الجمود المحيط بعملية المفاوضات, طرحت اسرائيل فهما جديدا للمحمية الطبيعية المقترحة بحيث لا تكون في منطقة واحدة وبحيث تخضع للسيادة الامنية الاسرائيلية!, وفضلا عن هذا وذاك فقد سارعت اسرائيل وفي ظل وجود دينس روس إلى الاعلان عن توسيع المستوطنات, وقامت بعد ذلك بتوتير الاجواء بقيامها باغتيال الاخوين عوض الله, بصورة غامضة ومريبة, وقامت قطعان المستوطنين المدعومة من الحكومة الاسرائيلية بفتح نيران اسلحتها على الطلاب الفلسطينيين في منطقة رام الله, مما ادى لجرح العديد منهم واستشهاد احدهم, في الوقت الذي مازالت فيه هذه الحكومة تتشدق بمطالبة السلطة الفلسطينية بمكافحة الارهاب. ولعل الحكومة الاسرائيلية في سياساتها هذه تحاول ما امكنها تمرير الوقت وفرض مزيد من الواقع على الارض, بغرض احباط الفلسطينيين, واجهاض طموحاتهم وفرض الاملاءات الاسرائيلية عليهم, واستباق نتيجة المفاوضات على الحل النهائي معهم, بما يتعلق بالقضايا المؤجلة (القدس, اللاجئين, المستوطنات, الحدود, الترتيبات الامنية, وغيرها من القضايا السيادية) , وبذلك يمكن القول ان هذه السياسات اعادت الاعتبار للعلاقات الصراعية الفلسطينية ــ الاسرائيلية التي تستند إلى المعادلة الصفرية (التي تقوم على اساس ان اي تنازل من قبل اي طرف سيعود بالخسارة على الطرف الاخر) , بعد ان تم الايحاء (قبل وصول الليكود إلى السلطة) بانه قد تم تجاوز تلك المعادلة في ظل حكومة (العمل) السابقة التي وقعت اتفاق اوسلو مع الفلسطينيين. وتفسير ذلك ان الحكومة الاسرائيلية تبني سياستها التفاوضية انطلاقا من احساسها بقوتها بازاء ضعف الفلسطينيين, ومن واقع قدرتها على نسج تحالفات اقليمية (على غرار التحالف العسكري مع تركيا) بينما العرب مازالوا لا يستطيعون الارتقاء بصيغ التضامن والتنسيق بينهم لمواجهة التحديات الاسرائيلية, وايضا من ثقتها بنفسها في فرض ارادتها على حلفائها الدوليين وبخاصة على الولايات المتحدة الامريكية بشأن السياسات (الشرق أوسطية) , في مقابل الانصياع العربي لارادة الدول الكبرى. اما بالنسبة للطرف الفلسطيني وبرغم المرونة في مواقفه فهو يبدي, في هذه المرة, ومنذ تشكيل بنيامين نتانياهو لحكومته (يونيو 1996) , قدرا كبيرا من الحذر وقدرا كبيرا من الاستعداد لاعتراض التصورات والاملاءات الاسرائيلية وصولا حتى لمقاومتها, بالوسائل المتاحة والمشروعة بالنسبة له, وذلك بالقياس لمدى التسرع والتساهل والاستعداد للمساومة الذي طبع سلوكه في المفاوضات على اتفاق اوسلو, ويمكن تفسير ذلك بأن القيادة الفلسطينية بعد ان استطاعت الخروج من طوق الحصار الذي احاط بها بعد حرب الخليج الثانية, وبعد ان وجدت موطىء قدم لها, بنتيجة انخراطها في المعادلة الدولية ــ الاقليمية المتعلقة بالتسوية بدخولها المباشر على خط المفاوضات بتوقيع اتفاق اوسلو, وقيام سلطة الحكم الذاتي, بما لها من شرعية ومؤسسات, اصبحت في وضع يمكنها من المناورة لتحسين شروطها, ومحاولة فرض قراءتها لكل ما حصل, كذلك فان السلطة الفلسطينية تراهن على عزلة حكومة نتانياهو, وعلى استثمار الموقف الدولي والاقليمي المناهض لسياسات اسرائيل الحالية, وحتى على امكانيات المعارضة الاسرائيلية لهذه السياسات, بما يخدم طموحاتها الحالية, والمستقبلية, في هذا السياق ايضا تأتي المبادرة المتعلقة باعلان قيام الدولة الفلسطينية من طرف واحد في مايو من العام المقبل حيث تنتهي المرحلة الانتقالية, وما يجعل الطرف الفلسطيني اكثر قدرة على التصارع التفاوضي والمساومة, واقع ان التجاذب الحاصل الان يختزل في معانيه العديد من قضايا الصراع التي تمس الطرفين, فهي معركة تتعلق بالاستيطان, وبالارض, وبعناصر السيادة, وهي إلى حد ما رمز للصراع المستقبلي على القدس, وفضلا عن كل ذلك فان هذه المعركة ستحدد بشكل ما المستقبل السياسي للطرفين المتصارعين, وهذا يختلف في مضامينه عن المفاوضات السابقة التي كانت معنية بالحكم الذاتي الانتقالي, بمعنى انه لا يمكن قياس الازمة التفاوضية الحالية, مع الازمات التفاوضية التي كانت تحصل ابان وجود حزب العمل في سدة السلطة في اسرائيل, وذلك لان طبيعة الازمة كانت تختلف من حيث الجوهر, حيث كان الخلاف آنذاك يدور حول صوغ المبادىء, اما الان فالخلاف يدور على كيفية ترجمة هذه المبادىء على الارض, بعد ان حانت ساعة الحقيقة, ومن ناحية اخرى فان قيادة حزب العمل, التي ادارت مفاوضات الحكم الذاتي, بسبب برغماتيتها ولغتها الدبلوماسية, كانت اكثر قدرة على ادارة العملية التفاوضية مع الفلسطينيين وتهدئة مخاوفهم وامتصاص شذرات غضبهم, اما هذه الحكومة فهي تعمل على كل ما من شأنه إثارة مشاعر الفلسطينيين, وتأليب الرأي العام العربي والدولي ضد سياساتها. برغم كل ذلك, فان اطلاق الاحكام حول انهيار عملية المفاوضات يجانب الصواب, لان هذه العملية لم تفترض من الاساس ايجاد حلول عادلة ودائمة للقضايا المطروحة, وانما هي تفترض ايجاد مبادىء وديناميات عامة تبتعد كثيراً عن تفاصيل القضايا الحادة والمستعصية, بمعنى آخر لا يمكن الحكم على فشل الاتفاق الفلسطيني ـ الاسرائيلي من عدم تنفيذ اسرائىل لتعهداتها, أو من عدم تمكن الطرف الفلسطيني من قطف (ثمار) الاتفاق, ولا من التجاذب الحاد الحاصل بينهما, فكل هذه الامور على اهميتها لا تكفي لاطلاق رصاصة الرحمة على عملية التسوية لانها اصبحت حقيقة ملموسة على الارض, وفي اطار المجتمع الفلسطيني في الضفة والقطاع, ولانه اصبح يمتلك بنى ومؤسسات, ولانه يستمد شرعيته وقوة وجوده من الاطارين الدولي والعربي, والاهم من هذا وذاك فان عملية التسوية ليست مجرد عملية ثنائية بين الطرفين المعنيين (الاسرائيلي والفلسطيني) وانما هي عملية اقليمية ودولية, اي ان الطرفين المذكورين لا يملكان القدرة على ايقاف هذه العملية التي تأتي في سياق اعادة ترتيب اوضاع المنطقة الجغرافية الاقتصادية الامنية, ثم انهما لا يملكان البديل عن هذه العملية, كما انه ليس من مصلحتهما المباشرة العمل على ايقافها من وجهة نظر وعيهما لمصالحهما ولدورهما. الذي ينبغي قوله, هنا, هو ان عملية التسوية الجارية, هي عملية طويلة ومعقدة وتحكمها موازين القوى, وارادات الاطراف المشاركين وهي بهذا المعنى ليست محصلة تمرينات ومناقشات حول طاولة المفاوضات فحسب, وانما هي عملية صراعية يستخدم فيها كل طرف كلما في جعبته من ذخيرة, وكل ما في ترسانته من قوى, وبقدر ما سيتم فيها التوصل إلى حلول ما, ستتخللها احباطات وتوترات وتوقفات, ولكن بعد ذلك سيعود الطرفان المعنيان للجلوس لحصد نتائج صراعهما على طاولة المفاوضات. هذه هي حالة المفاوضات الصراعية الاسرائيلية ــ الفلسطينية, التي تبدو مفاوضات جد طويلة ومعقدة وصعبة وايضا مجحفة بالنسبة للفلسطينيين بالنظر للموضوعات الحيوية والمصيرية التي تمس وجود الطرفين ومستقبلهما بكل الاحوال, فان الادارة الامريكية التي تملك القدرة على تحريك عجلة المفاوضات والتي تملك الامكانيات المادية المعنوية للضغط على اسرائيل لا يبدو أنها متحمسة لهذا الخيار وهي بالاساس لم تكن متحمسة له في عز قوة الادارة الامريكية الحالية, فكيف سيكون الامر في ظل ادارة ضعيفة؟! على ضوء المعطيات والحقائق المذكورة والمحيطة بالعملية التفاوضية من الطبيعي الاستنتاج بان مواقف حكومة نتانياهو ستزداد تعنتا, ومن الطبيعي ان يخرج روس صفر اليدين من زيارته للمنطقة التي تركزت على الضغط على الفلسطينيين, وعليه فان هذا الوضع التفاوضي المعقد سيستمر بشكل أو باخر إلى ان يتم ايجاد معطيات جديدة لدى الطرفين المعنيين مباشرة وعلى الصعيدين الاقليمي والدولي, تمكن من اعادة النظر بقواعد المفاوضات ومنطلقاتها, سلبا أو ايجابا, ويتوقف الكثير من ذلك على ما يفعله أو ما لا يفعله العرب, وإلى ذلك الحين فان المشهد التفاوضي الحالي سيتكرر وان بصور مختلفة, المهم هنا وطالما ان العرب ليس بامكانهم تغيير قواعد العملية الجارية تقديم كل عناصر الصمود للفلسطينيين في اراضيهم ووطنهم لمواجهة استحقاقات ما بعد المرحلة الانتقالية واحتضان الدولة الفلسطينية الوليدة ولمواجهة مختلف التحديات الاسرائيلية.