يحق لكل الأمهات في العالم أن يكتبن لافتات الاحتجاج الغاضبة, ويخرجن في مسيرات حاشدة كما يفعل الجميع في العالم من أصحاب وصاحبات القضايا والمطالب المهمة. ما سيدفع الأمهات للاحتشاد والتظاهر أمر في غاية الخطورة . أعتبر نفسي ــ إذا حدثت هذه المظاهرة ــ أول من سيسير فيها إيمانا مني بضرورتها وعدالتها, الاعتصام سيكون أمام مباني ومقار الصحف والتلفزيون ومقاهي الانترنت والمطبوعات الصحفية الأخرى. مجمل اللافتات ستحمل عبارات على شاكلة: (نطالب بحماية أبنائنا من طوفان الفضائح الرئاسية الأمريكية) , و(الصحف مسؤولة عن اطلاع المراهقين على تقارير فاضحة) و(اعلامنا متهافت وساقط في التبعية حتى أذنيه) ... إلخ. للأسف تحولت أغلب الصحف الرياضية إلى صحف (تابلويد) صفراء كتلك التي توزع الفضائح لتبيع أكثر, وتحولنا بفضل كينيث ستار ــ بطل الديمقراطية الأمريكية الجديد ــ إلى قراء نمضغ الفضائح والكلام البذيء كل صباح مع فنجان القهوة. ويتسلى مراهقونا بتفاصيل العلاقة المقززة داخل غرف نومهم. ولا أدري مدى الخسائر التي تسببت فيها الصحف بنشر هذا التقرير على المستوى الأخلاقي العام؟! بعض الصحف الأمريكية اعتبرت تقرير ستار (أكثر من 400 صفحة للتقرير و1200 صفحة للملحقات و20 شريط كاسيت و...) عبارة عن غابة من الألفاظ الجنسية المقززة التي لا يجوز اطلاع المراهقين عليها, في حين طالبت صحف أخرى بتوزيع مطهر للفم للقراء بعد قراءتهم للتقرير, وتبرعت مواقع على شبكة الانترنت بوضع اشارات وتنبيهات للأهالي تحذر من دخول الصغار والمراهقين لمواقع تقرير ستار... إلخ. في اعتقادي الخاص ورغم الاستقلالية القانونية التي يتحرك بها كينيث ستار باعتباره محققا مستقلا, ورغم قدرته على النيل من مؤسسة الحكم والرئاسة في الولايات المتحدة, الا انه ليس سوى محقق لا أخلاقي أراد أن يدخل موسوعة جينيس للأرقام القياسية فأعد تقريره وعبأه في 36 صندوقا كأضخم تقرير عرفته الولايات المتحدة ضد أحد رؤسائها. الصحف العربية وصحفنا المحلية غاصت عميقا في تقرير ستار, والدخول إلى عش الدبابير مغامرة حمقاء, والمزايدة على تفوق الأداء الديمقراطي الأمريكي صفقة خاسرة جدا, والرهان ليس في صالحنا أبدا, فعلام يراهن الاعلام العربي حينما يهتم بتفاصيل يحاول أن يتحاشاها المواطن الأمريكي نفسه؟ تقرير ستار. اشترته بعض الصحف مترجما, وترجمته صحف أخرى باذلة في ترجمته ساعات وساعات, وأعدته أقسام السياسة الخارجية وسهر عليه صحفيون. وحلله آخرون, واستنبط منه البعض أحكاما واستخرج منه البعض قوانين ونظريات, وهو ليس سوى فيلم كاوبوي أمريكي أعده واخرجه كينيث ستار ومجموعات ضغط ومصالح في أمريكا ولعب بطولته كلينتون ومونيكا وكان هناك أخريات وآخرون. ثم ماذا يعني أن تهتم صحف تدعي الرصانة بنشر تقارير أشد فحشا من فيلم اباحي تمنع عرضه أكثر الدول تحررا؟ وما معنى أن تخصص صفحات يومية لغراميات رئيس وعشيقته, ومحقق لا يتوانى عن تجنيد طاقم سكرتارية, وينفق ما قيمته أربعة ملايين دولار لاعداد رواية جنسية هابطة يملأ بها 36 صندوقا ويرسل بها في تظاهرة سياسية أمام العالم إلى الكونجرس. مطلوب من الكونجرس أن يبت في مصير كلينتون, لكن ما العمل ورئيس اللجنة القضائية المكلفة بهذا الأمر اعترف بفضائح مماثلة كتلك التي يتخبط فيها كلينتون؟