طبيعي ان تطرح ظاهرة اجماع الاصوات في مجلس النواب الروسي (الدوما) على اختيار يفجيني بريماكوف رئيسا للحكومة الجديدة بنسبة كبيرة وغير مسبوقة منذ عصر البريسترويكا عديدا من التساؤلات الملحة : هل بامكانه النهوض ببلاده من ركام أزماتها السياسية والاقتصادية المستفحلة؟ هل يستطيع ان يستعيد لروسيا مكانة الاتحاد السوفييتي السابق.. قطبا كونيا على قدم المساواة والندية مع الولايات المتحدة بعد انفرادها بمقدرات العالم؟ هل يطمح بريماكوف الماركسي اللينيني الذي وصل الى قمة السلطة التنفيذية على أسنة رماح الحزب الشيوعي, الى قطع الطريق على اقتصاد السوق (الرأسمالي) والعودة بروسيا الى الاقتصاد الموجه (الاشتراكي) ؟ وأخيرا وربما اولا, ان ما يعنينا كعرب بالدرجة الاولى في توجهات بريماكوف المستقبليه يكمن في مدى انعكاساتها الايجابية او السلبية على قضية السلام في الشرق الاوسط. والحقيقة ان مجيء بريماكوف الى السلطة لم يكن اختيارا حرا بملء ارادة الرئيس بوريس يلتسين, بالرغم من صلاحياته الدستورية في ترشيح رئيس الحكومة, وهو قد رشح قبله فيكتور تشيرنوميردين للمنصب, وفشل مرتين في الحصول على الحد الادنى المطلوب من اغلبية اصوات الدوما, وهكذا عندما هدد يلتسين بحل المجلس, كان تهديد الحزب الشيوعي صاحب الاغلبية البرلمانية في المقابل, الشروع في اتخاذ التدابير اللازمة لعزله بما في ذلك تحريض جنرالات الجيش الذي لم يتسلم رواتبه منذ ثلاثة شهور, وبعد اتهام الحزب قرارات وخيارات الرئيس الروسي بالارتباك وفقدان التوازن سواء لمرضه او عناده, مما اضطر تشيرنوميردين اخيرا للانسحاب من الترشيح ايذانا بانسحابه من الحياة السياسية برمتها والاعلان عن ارتياحه وتأييده لاختيار بريماكوف بديلا عنه! من هنا يصدق القول بان اختيار بريماكوف كان بمثابة صمام الامان الواقي من احتمالات انفجار الاوضاع السياسية وتفكك اوصال روسيا, ورجل الانقاذ الوطني المطلوب بحكم الاجماع الشعبي والحزبي عليه, وكذا الدور الذي لعبته من وراء الستار القوات المسلحة والمخابرات اللتان تمثلان رمز الوطنية الروسية وضمانة الاستقرار والاتحاد في تزكية هذا الاختيار! وبريماكوف كذلك رجل لكل العصور, فقد عمل باخلاص وكفاءة ونزاهة في ظل النظم والقيادات التي تتابعت على الاتحاد السوفييتي, حيث تدرج في المرحلة الشيوعية من مجرد مراسل لصحيفة البرافدا واذاعة وتلفزيون موسكو في منطقة الشرق الاوسط الى نائب لرئيس التحرير, ثم عميدا لمعهد الاستشراق, ونائبا ثم رئيسا لمعهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية, ومع انهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة وبداية عصر البريسترويكا تبوأ منصب مدير المخابرات الخارجية, ثم وزيرا للخارجية, واستطاع في كل العهود واختلاف المناصب ان يسخر فكرة البرجماتي في النفاذ بجلده من الاعاصير والمتناقضات العاتية التي شهدتها الساحة السوفييتية والروسية, وان يظل دوما لاعبا حازقا على حلبتها, وان يكسب صداقة وثقة معظم الاحزاب والتيارات السياسية من اقصى اليسار الى اليمين الوطني وحتى جماعة جيرنوفسكي المتطرف وزعامة القوميات المنضويه في الاتحاد الروسي. وربما لذلك كان اختياره لوزراء حكومته من التكنوقراط ذوي الخبره والمهارات بصرف النظر عن انتمائهم الحزبي, بشرط التزامهم بخطط وسياسات وتعليمات الحكومة التي تمثل كل الشعوب الروسية, مع الابقاء على معظم وزراء الحكومة السابقة حتى يواصلوا ما بدأوه من مهام وسياسات الى حين يشرع بريماكوف الى وضع برنامج الحكومة الجديدة, وفي مقدمتها معالجة تدهور قيمة الروبل بنسبة 24 الى الدولار الواحد بعد أن كانت تعادل سبعة روبلات حتى منتصف اغسطس الماضي, وما أدت اليه من وقف سداد الدولة مديونياتها الخارجية التي تربو على 200 مليار دولار, وصعوبة صرف البنوك لمدخرات المواطنين, والعجز عن الوفاء بمرتبات موظفي الدولة, وهروب رؤوس الاموال الى الخارج, وخسارة المستثمرين الاجانب اكثر من 30 مليار دولار, فضلا عن تصاعد نفوذ المافيا وعصابات غسيل الاموال. اما على المدى القصير والبعيد, فمن المتعين ان يضع بريماكوف الخطط الكفيلة بتنفيذ الوعود التي قطعها على نفسه امام البرلمان بالحيلولة دون سقوط وتفكك روسيا بسبب تدهورها الاقتصادي, عبر اعادة النظر في اقتصاد السوق والاندماج في الاقتصاد العالمي قبل التجسيد الفاعل للمؤسسات والآليات القادرة على الاستيعاب والتواؤم مع التحولات الاقتصادية الرأسمالية الطارئة على النظام الاشتراكي القديم, والتمهل في عملية الخصخصة, وحماية الصناعات الوطنية من غائلة منافسة المنتجات الاجنبية, ومعالجة تداعيات انخفاض اسعار البترول وما أدت اليه من انكماش الاقتصاد الروسي بنسبة 40%. فاذا كانت هذه بعض ملامح الكارثة الاقتصادية والتركه السياسية المثقلة التي ورثها بريماكوف والى حد رتق الجنود أحذيتهم الرسمية على حسابهم الخاص, وممارستهم التسول العلني في الشوارع ومحطات (الاندرجراوند) المترو, فمن باب اولى ان يعطي جل اهتمامه اولا لمعالجة الاوضاع الداخلية المهترئة وبدرجة اكبر من اهتمامه بمعالجة قضايا السياسة الخارجية الروسية, وتلك فرضية غير صحيحة, اذ بقدر الحضور والنجاح على الساحة الدولية والاقليمية بقدر انعكاساتها الايجابية على صعيد ازدهار التجارة والحصول على القروض الميسرة والمساعدات الامريكية والاوروبية الموعودة, ومن ذلك اعلان الاتحاد الاوروبي عن تأجيل دعمه للاقتصاد الروسي الى حين اعلان بريماكوف عن برنامج حكومته وخطتها للاصلاح الاقتصادي, خاصة بعد ادراك العالم ان مقاليد السلطة واتخاذ القرار اصبحت شراكة بين الحكومة ومجلس النواب اثر تحجيم نفوذ الرئيس يلتسين واحتمال اجراء انتخابات رئاسية قريبة سوف تؤدي الى الاطاحة به قطعا! وتملك روسيا رغم ازماتها الداخلية الكثير من اوراق اللعب على المسرح الدولي, فهذه الازمات تحديدا مثار رعب لامريكا ودول الاتحاد الاوروبي ان تفاقمت الى حد اندلاع الحروب الاهلية والمجاعات والنزوح الجماعي, مما يفرض اتخاذ التدابير لانقاذ الاقتصاد الروسي من وهدته, وهناك بعبع الحزب الشيوعي الذي عاد الى الظهور بقوة وفاعلية واصبح يسيطر على البرلمان, لكن تبقى للاسلحة النووية خطورتها ودورها في توازنات القوى الدولية, وتملك روسيا على سبيل المثال لا الحصر زهاء عشرة آلاف صاروخ بعيدة المدى محملة برؤوس نووية جاهزة للاطلاق غير كم هائل من مخزون الاسلحة النووية والتقليدية التكتيكية, ولن يتمكن الغرب من التحوط من اخطارها المحتملة عبر اتفاقية (ستارت) وغيرها من اتفاقيات حظر انتشار الاسلحة النووية فحسب, وانما عبر رد الاعتبار الى روسيا حتى تأخذ مكانها في عالم متعدد الاقطاب وتكفير امريكا عن دورها التآمري في تفكيك الاتحاد السوفييتي من خلال مساعدة روسيا في التغلب على ازمتها الاقتصادية, والا لكان بمقدور ضابط او جندى متهور ويائس المغامرة باطلاق واحد او اكثر من اسلحة الدمار النووي احتجاجا على تدني مكانة بلاده الدولية, او تدني وضعها الاقتصادي في المجتمع الرأسمالي الديمقراطي الجديد, بعد أن كان على قمة السلم الاجتماعي ابان النظام الشيوعي. وعلينا في هذا الصدد اعادة قراءة كتاب بريماكوف (العالم الجديد المتعدد الاقطاب) والتمعن في الخطاب الذي القاه في مؤتمر الاتحاد البرلماني الدولي الذي عقد مؤخرا في موسكو, ودعا فيه الى التوجه صوب تفعيل معادلة تعدد الاقطاب الدولية, وقد سبق له ان عبر في مناسبات عديدة عن استنكاره لهيمنة امريكا وانفرادها بعملية السلام في الشرق الاوسط رغم رعاية روسيا ومشاركتها في اتفاقية مدريد على قدم المساواة! ومن هنا يأتي الرهان العربي على نقلة نوعية لعملية السلام مع وصول بريماكوف الى السلطة, بحكم معايشته الميدانية للصراع العربي الاسرائيلي عن قرب في اعقاب العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 وغادرها في اعقاب عدوان يونيو ,1967 وخلال هذه الفترة ارتبط بصداقة وطيدة مع الرئيس جمال عبد الناصر ومعظم الزعامات والقيادات العربية وبالكتاب والصحفيين والادباء والمفكرين وصدر له كتابان, الاول بعنوان (مصر في عهد عبد الناصر وهو موضوع رسالته لنيل الدكتوراه التي اعاد كتابتها مع زميله بلاييف الذي سبقه في العمل مراسلا للبرافدا بالقاهرة, وكان لهذا الكتاب دوره في اقناع القيادة السوفييتية بالانفتاح على عبد الناصر ودعمه باعتباره قائدا للثورة الوطنية التقدمية كمقدمة لانجاز مهام التحول الاشتراكي, والكتاب الثاني بعنوان (تشريح أزمة الشرق الاوسط) الذي توج به ادراكه الواعي لاسباب ودوافع النزاع وتأكيده لضرورات التوازن وترسيخ دعائم السلام العادل, فما ان اندلعت أزمة الخليج عام 1990 حتى وضع كتابه الثالث بعنوان (مهمة في بغداد) وفيه ابان عن الفرص التي كانت متاحة آنذاك لسحب العراق قواته من الكويت قبل ان يعاجلها التحالف الدولي بالحرب. وقد عرفت بريماكوف لاول مرة في مؤتمر من المؤتمرات بعد تفويض جمال عبد الناصر والملك فيصل لاهل الحل والعقد من اليمنيين في التوصل الى اتفاق لوقف الحرب والبحث عن صيغة سياسية لحكم اليمن, وبعدها تنامت اواصر الزمالة والصداقة بيننا في القاهرة, عبر تبادل الزيارات الودية وحوارات المقاهي والمنتديات, وأشهد أنه وعدد من الصحفيين والمستشرقين الروس كانوا يمثلون القوة الاعلامية والفكرية والثقافية المناصرة للقضايا العربية العادلة وبيغم بلاييف واجراكرنشيف وفاسيلايف وتيماييف, ولعله السبب في مخاوف اسرائيل ازاء تعيين بريماكوف رئيسا لحكومة روسيا, لا على صعيد ادراكه الواعي بالغبن والجور الامريكي الذي حاق بالعرب لحساب اسرائيل فحسب, وانما الخوف كذلك من تعقبه للنفوذ السياسي والاقتصادي والاعلامي اليهودي ودوره المشهود في اندلاع الازمة الطاحنة التي تواجه روسيا اليوم!