كان الصيف قد قطع شوطا في الرحيل.. وبدا الخريف مترددا كعادته.. قدم في الحر.. وقدم في البرد.. وانعكست الفوانيس الزرقاء والصفراء والبنفسجية في عيون القاهرة الناعسة التي تصبح في الليل مرايا سوداء صافية . كنا مع يفجيني بريماكوف الذي أصبح الآن رئيس وزراء روسيا.. كنا نتقاسم معه ومع النيل القهوة والعصير والذكريات القديمة.. كان ذلك في العام الماضي.. وكان بريماكوف وزيرا للخارجية.. وكان في زيارة خاطفة للقاهرة في نهاية جولة في الشرق الأوسط بحثا عن دور بلاده المفقود في المنطقة.. أو في بطن الحوت الأمريكي الذي ابتلع كل شيء.. النص والأدوار والديكور وخشبة المسرح والجمهور.. وبحثا عن وسيلة ــ ولو يائسة ــ لانقاذ عملية السلام من مخالب وأظافر ديك شرس.. منفوش بالغطرسة اسمه بنيامين نتانياهو. في هذه الليلة قابل بريماكوف الأصدقاء القدامى الذين عرفهم قبل حوالي 35 سنة في القاهرة عندما كان مراسلا لصحيفة (البرافدا) التي كانت معبرة عن الاتحاد السوفييتي قبل سقوطه وتهشمه وتحوله من امبراطورية عظمى إلى قطع من الزجاج المدبب.. دبر هذه المفاجأة العاطفية د. أسامة الباز المستشار السياسي للرئيس.. ووجد بريماكوف نفسه وسط أصحاب الستينات.. محمد عودة وأحمد حمروش ومحمود أمين العالم وإسماعيل صبري عبدالله ورفعت السعيد وعبدالستار الطويلة وكامل زهيري وجمال الغيطاني.. وغيرهم من يسار الحرس القديم.. ومنهم أيضا عادل حسين رغم انقلابه الحاد من الشيوعية إلى الأصولية.. ولم يكن من الصعب أن يتذكر بريماكوف أيام السهر والسمر والطعام الشرقي الثقيل والمناقشات الأيديولوجية الساخنة في بيوت هؤلاء الأصدقاء.. وفي مقاهي القاهرة.. من مقهى (ريش) في قلب العاصمة إلى مقهى (الفيشاوي) في سيدنا الحسين.. فلم تكن فنادق القاهرة.. الفاخرة تعرف في ذلك الوقت إلا السياح.. وقليلا من الأثرياء. ولانني كنت على هامش هذه الأيام ــ التي لم يختلط فيها الزيت بالماء وكان العالم فيها يمشي متوازنا بساقين إحداهما في واشنطن والأخرى في موسكو ــ فقد اكتفيت بمتابعة الأحضان الدافئة والذكريات القديمة والقفشات اللاذعة التي تبادلها بريماكوف وأصحاب زمان. ثم.. إنني أخذت نصيبي من بريماكوف.. فقد تناولت معه الغداء في المأدبة التي أقامها على شرفه وزير الخارجية عمرو موسى.. وأجريت في جناحه بالفندق المطل على النيل الحوار الصحفي الوحيد معه.. وقد استمر حوالي نصف ساعة.. وكان غياب الدور الروسي في الشرق الأوسط رغم مسؤولية روسيا الرسمية والشرعية إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية حسب ما انتهى إليه مؤتمر مدريد. وأتذكر انني وصفت الدور الروسي بدور (المحلل) في قضايا الطلاق.. وكان بريماكوف الوحيد ــ في الوفد الروسي ــ الذي فهم التشبيه.. فقد عاش في مصر حوالي عشر سنوات.. ويجيد اللغة العربية على الطريقة العامية.. ويستمتع بالنكتة.. ويعرف ان الطريق إلى قلب المصريين يبدأ بخفة الظل وينتهي بالمجاملة.. وهو أيضا يقدر المشاعر ويتأثر بها.. ويعرف المجاملة ويسعد بها.. لذلك لم تفته ـ ونحن على غداء عمرو موسى ــ أن يتحدث عن مجاملة الرئيس حسني مبارك له عندما حرص أثناء اللقاء معه أن يتحدث إليه ببعض العبارات باللغة الروسية التي تعلمها في موسكو.. في بعثات التدريب عندما كان طيارا في القوات الجوية. وقد خرج بريماكوف من القاهرة بكتابين عن مصر كتبها هو ومراسل البرافدا أيضا أويجوا بيلاليف.. احدهما عن (مصر في عهد عبدالناصر) والآخر عن حرب يونيو بعنوان (اطلاق الحمامة) والحمامة هو الاسم الكودي.. السري لعملية 1967 وقد دعمت واشنطن في ظل حكم الرئيس الأمريكي ليندون جونسون هذه العملية بعملية سرية أخرى للتخلص من جمال عبدالناصر كان اسمها الحركي (قتل الديك الرومي) . وواضح من كتابات بريماكوف عن مصر انه فهم سرها.. فقد تصارعت عليها منذ فجر التاريخ كل القوى العظمى.. وتزاحم على قلبها جنرالات وقادة مشهورون من يوليوس قيصر إلى عمرو بن العاص.. ومن نابليون بونابرت إلى موشى ديان.. لكن رغم ذلك ظلت مصر.. مصرية.. ولم يستطع أحد أن يغير شخصيتها أو يغير سمار بشرتها وسواد عينيها.. بل على العكس كانت مصر هي التي تذيب الغزاة والعشاق.. وتروضهم.. وتجعلهم على صورتها.. إن مصر ــ المجبولة بالشمس والهواء وطمي النيل ــ تعرف كيف تدافع عن نفسها في الوقت المناسب.. وتقدر على امتصاص كل العناصر الوافدة وتحولها إلى شجرة مانجو أو سنبلة قمح أو زهرة قطن. وقد غادر بريماكوف القاهرة إلى موسكو ليترك الصحافة التي عمل بها حوالي 15 سنة منذ تخرجه في عام 1955.. وليتفرغ لأبحاثه بعد أن تولى منصب نائب مدير المعهد الدولي للاقتصاد والعلاقات الخارجية الذي أصبح مديره فيما بعد لمدة 15 سنة حتى عام 1985.. لقد جمع بين خبرة الصحفي الذي يلمس الواقع, ورؤية الباحث الذي يحلق في المستقبل.. فتبلورت شخصيته البرجماتية. وتولى بريماكوف أيضا عمادة معهد الاستشراق.. وهو المعهد الذي تخرج منه.. وهو معهد استراتيجي ــ مثل معاهد افريقيا وآسيا وأمريكا ــ يساعد السلطة العليا في الكرملين على اتخاذ أفضل القرارات في السياسة الخارجية.. وقد تمنى بريماكوف أن يفهم ابنه السياسة الأمريكية, فألحقه بمعهد أمريكا في موسكو.. لكن الابن مات في حادث سيارة قبل أن يحقق حلم أبيه.. ولحقت به زوجة بريماكوف.. ولم تبق سوى ابنته التي أنجبت حفيدين.. وحتى لا يعيش بمفرده تزوج مرة أخرى.. وتفرغ لعمله دون أن يفقد الشجن والحزن.. إن الموت علمه عدم التكالب على الحياة.. وهو ما قاله لي بريماكوف.. وعلمه الموت أيضا ان كنوز الدنيا لا تعوض فقدان الأحباب.. وهو ما جعل بريماكوف أكثر الشخصيات السياسية شفافية في وقت كانت فيه روسيا مثل بقرة أغمي عليها ينهشها اللصوص والسماسرة ورجال المخابرات وأعضاء الحكومة وقيادات الأحزاب.. وتحول المبدأ الشيوعي الشهير من (كل حسب حاجته) إلى (كل حسب ذمته) .. وكانت ذمة البعض أوسع من ساحة العاصمة.. موسكو. إن الفساد الذي كان مثل سرطان انفجر في كل خلايا روسيا كان مثل صندوق الشرور الذي انفتح ولم يغلق.. وحتى تتكون طبقة رأسمالية جديدة ــ في دولة كانت شيوعية لا تعترف بالملكية ــ كان لابد أن يدفع الناس الثمن.. فكل مليونير يولد من العدم كان يعيش أمامه وبسببه مليون إنسان في الفقر والعهر والقهر.. لقد عرف الروس الدموع. ومن ثم كانت شفافية بريماكوف وزهده وتواضعه من عوامل اتفاق القوى السياسية المتصارعة والمتنافرة عليه.. إنك عندما تراه تجد ثيابه بسيطة.. ورباطة عنقه معوجة.. وجسده يميل إلى البدانة مثل ملايين الفلاحين البسطاء في أوكرانيا الذين ولد بينهم في عاصمتهم ف بتليس في عام 1929. والمعروف ان الفلاح الروسي لا يميل إلى الانقلابات الحادة.. والمنعطفات الحادة.. ويعترف بفضيلة الصبر.. ويؤمن بكلمة الشرف.. لذلك يصر بريماكوف على التغيير التدريجي.. التغيير بالتقسيط أو بالتنقيط.. وهو ما جعله رجل الانقاذ والاطفاء المناسب في الوقت المناسب.. وهو ما جعله كذلك يستعمل كلمة الوطنية الروسية بدلا من الشيوعية السوفييتية.. وبدلا من الرأسمالية الطفيلية, الرأسمالية الأمريكية. إن الأيدلوجية ليست حذاء تخلعه كل سنة أو كل شهر وتستبدله بحذاء جديد.. والوطن أبقى من أى فكرة وأي سلطة.. والثقافة لا تتناقص مع البساطة.. والبساطة لا تعني السذاجة أو السطحية أو الأمية.. وبريماكوف مثقف ذكي وبسيط ولا يحلم بدور الأمير أو القيصر.. ويقف دائما بين أسنان التنين.. وعنوانه السياسي الدائم الآن هو الخط الفاصل بين الحياة والموت.. بين النجاح ومزيد من النجاح.. بين الشيوعية وفوضى التحول إلى الرأسمالية.. وهو يفسر الأزمة الروسية الحادة بأنه حين تريد أن تؤسس عالما جديدا على أنقاض عالم قديم فإن كل حجر يصرخ في وجهك وكل الأشجار المقتلعة تقف في طريقك وكل الخاسرين والمتزمتين والأصوليين يسيرون في مظاهرة ضدك لانك قطعت رزقهم وأحرقت وجودهم. وقد عين بريماكوف ــ قبل سقوط الامبراطورية السوفييتية ــ عضوا في المكتب السياسي للحزب الشيوعي.. أعلى سلطة في البلاد.. ومع خبرته السياسية أصبح مؤهلا للصعود إلى القمة.. وقد بدأ صعوده في الشؤون الخارجية مستشارا لجورباتشوف الذي أرسله إلى صدام حسين خلال أزمة الخليج لاقناعه بالانسحاب من الكويت.. وحاول بريماكوف اقناع صدام حسين بأن الدنيا تغيرت.. والحرب الباردة انتهت.. وان العالم جاد في اضعافه وتجويع شعبه.. لكن الرئيس العراقي كان لا يزال يعيش في عصر الديناصورات المنقرضة.. فكان ما كان. في ذلك الوقت كان يسيطر على الخارجية السوفييتية وزير لا يرى في الدنيا سوى عيون واشنطن هو كوزرييف الذي وصف ــ لشدة انحيازه للسياسة الأمريكية ــ بأنه مساعد وزير الخارجية الأمريكية في الكرملين.. وهو ما أدى إلى انهيار السياسة الخارجية السوفييتية وانهيار كوزرييف.. وزيادة الأعباء على بريماكوف الذي وجد في نفسه مسؤولا عن المخابرات الخارجية بعد انفصالها عن جهاز المخابرات.. المعروف بـ K.G.B.. وفي عام 1996 أصبح بريماكوف وزيرا للخارجية. إن بريماكوف خليط من الصحفي والباحث والسياسي والشاعر والمعلم ورجل المخابرات.. ورجل المهام الخاصة والسرية.. ولعل ذلك ما جعله شخصية عملية من طراز فريد.. تضع قدميها على أرض الواقع.. وتجيد لعبة حلول الوسط.. وارضاء جميع الأطراف.. أو على الأقل اقناعهم بذلك. هكذا... جاء إلى الشرق الأوسط ــ المنطقة التي شهدت خبراته الأولى ــ في محاولة لكسر الجمود.. وقد فشلت المحاولة بسبب تطرف نتانياهو من جهة.. ومتاعب روسيا الداخلية التي شدت بريماكوف للقضايا الداخلية من جهة أخرى.. وفي حواري معه أتذكر انني قلت له: ــ إن نتانياهو يصر على أن يتصرف مثل أسماك القرش ويأكل كل تعهدات اسرائيل وكل المعاهدات التي وقعتها ويحول الشرق الأوسط إلى بركة من الدماء: فقال : نحن نصر على أن تنفذ اسرائيل ما وقعت عليه.. خاصة مبدأ الأرض مقابل السلام.. ووجود معاهدات وقعت عليها جميع الأطراف توصلوا إلى هذا الحل الذي نقضه نتانياهو بدعوى الأمن.. ولكننا لا نستطيع أن ننظر في الأمن بدون السلام.. وقد قلت لهم ذلك في اسرائيل.. وقلت لهم أيضا: إن السلام فقط وحده الذي يفرض أمناً حقيقيا. ولا جدال ان هذا الموقف الواضح لبريماكوف كان السبب في فتح نيران المدفعية اليهودية الثقيلة عليه.. فقد هاجمه الصحفي اليهودي المعروف روزنيتال في صحيفة (نيويورك تايمز) متسائلا عن سر اخفاء بريماكوف ليهوديته.. والمعروف ان أم بريماكوف يهودية.. لكن بريماكوف يرى ان الدين لله.. والايديولوجيا للجميع. وهاجم روزينتال علاقته الحميمة بأصدقائه المصريين وسخر من سهراته معهم على شاطئ النيل.. وقال له: انهم لن ينفعوك.. موحيا بأن الذين سينفعونه هم اليهود فقط.. وهو ما يفرض علينا مد المزيد من الجسور بيننا وبين بريماكوف.. وتقوية الصلات القديمة.. وعدم الاكتفاء بالذكريات.. ولا بالمبدأ الشهير.. اهمال الأصدقاء.. فهم أصدقاء.. والتركيز مع الخصوم لعلنا نكسبهم.. فهذا المبدأ الشرقي في السياسة ينتهي غالبا إلى فقدان الأصدقاء والخصوم معا. إن لنا صديق قديم وفاهم وقوي في موسكو.. العاصمة الثانية للعالم مهما بدت الآن ضعيفة وهشة ومفككة.. في الوقت الذي فيه العاصمة الأولى واشنطن في قبضة اليهود.. وحولت واحد من أقوى وأفضل رؤسائها هو بيل كلينتون إلى بطة ثقيلة عرجاء عاجزة عن الحركة واتخاذ القرارات.. إن الفضيحة لن تسقط كلينتون.. لانهم لا يريدون أن يسقط.. لكنها ستصيبه بالشلل وهم يريدون ذلك.. وقد انضم محتكرو صناعة الدخان ــ الذين أصابهم كلينتون بخسارة تزيد عن عشرة مليارات دولار بالاضافة إلى اجبارهم على دفع 400 مليار دولار تعويضات للمدخنين ــ إلى اليهود واغتالوا كلينتون معنويا كما اغتال محتكرو الصلب جون كيندي جسديا. أكثر من ذلك فإن بريماكوف سيكون مشغولا بملفات لها أولوية ليس من بينها حاليا الشرق الأوسط.. مثل مشاكل روسيا الاقتصادية.. ومزيد من الحياد والتفاهم لا الانحياز والتبعية للإدارة الأمريكية.. وملف العلاقات مع بكين الذي زارها كاسرا الثأر القديم بسبب الخلافات العقائدية بادئا شهر العسل بينها وبين موسكو في خطوة جريئة تحسب له.. وهذه الملفات لا يمكن أن يضاف إلىها ملف الشرق الأوسط الآن إلا بمزيد من مد الجسور بيننا وبين بريماكوف ليس في السياسة فقط ولكن في مجالات (البيزنس) أيضا.. وقبل ذلك علينا أن نغسل عقولنا من الخرافات التي تملأها عن روسيا والتي صاغتها وزرعتها وصنعتها أجهزة الدعاية الغربية في زمن الحرب الباردة.. والتي ضاعفت من تأثيرها أميتنا السياسية وسذاجتنا الفكرية.. وهو ما جعلنا نقدم تنازلات قومية وعاطفية للطرف الآخر الذي تصورنا انه يمكن أن يطلق اسرائيل.. ويتزوجنا. إن بريماكوف يعيش الآن فيما يسمى باللحظات المصيرية التي يشتعل فيها التاريخ بكل تفاصيله وأجزائه.. وتنفجر المتاعب, والمسافات وتتكسر الأزمنة.. وتدوس الأيام على بعضها.. وأمام هذه الظروف الاستثنائية يصبح المنطق عاطلا عن العمل وتصبح الحسابات التقليدية كلها خطأ وتختل المعادلات ويصبح النجاح الاحتمال الصعب ويصبح الأصدقاء القدامى سندا وساعدا.. ونحن بالنسبة لبريماكوف هؤلاء الأصدقاء القدامى.