لم تثر قضية دولية الرأي العام العربي والعالمي منذ نهاية حرب الخليج الثانية مثلما آثارت قضية الحصار الغربي ثلاثة بلدان عربية هي العراق والسودان وليبيا. ورغم اختلاف مبررات الحصار وحججه من دولة الى اخرى الا ان النتيجة كانت واحدة وهي اقدام الامم المتحدة تحت تأثير القطب الامريكي الاكبر في العالم على فرض حصار شامل على ثلاثة شعوب عربية ورغم ان النظم العربية الثلاثة تتحمل بدرجات متفاوتة قدر من مسؤولية ما جرى لشعوبها, الا أن من المؤكد ايضا ان هناك موقفا غربيا امريكيا تجاه هذه البلدان فاق في تحيزه وحدته حدود الجرم المؤكد الذي ارتكبه النظام العراقي, والمحتمل الذي قد يكون قد ارتكبه النظام الليبي والسوداني. ومن هنا فان مواجهة الحصار في المستقبل المنظور ستعني في جانب منها مراجعة عربية شاملة لعدد من الاخطاء والثغرات الداخلية, كما ستعني من جانب آخر مواجهة المحاولات الامريكية (لأمركة) النظام العالمي الجديد قيد الانشاء وفرض تحيزاتها الثقافية والاقتصادية والسياسية على العالم كله. مواجهة الاخطاء العربية اذا كان من المؤكد ان فكرة حصار شعب بأكمله نتيجة اخطاء وربما خطايا حكامه هو عمل, حتى لو جاء تحت مظلة الشرعية الدولية, غير شرعي ولا ينتمي الى قيمة انسانية واحدة يدعي (العالم الجديد) التبشير بها. ومع ذلك فمن الصعب الحديث عن رفع الحصار المفروض على البلدان العربية دون الحديث عن حجم المسؤولية التي تتحملها الانظمة العربية الثلاثة فيما جرى لشعوبها. صحيح من الصعب ان نضع اخطاء الأنظمة الثلاثة في سلة واحدة الا أن من المؤكد ان هناك قدرا من المسؤولية تتحمله جميعها تراوح بين القيام بتصرفات غير مسؤولة وغير صائبة وحتى الاقدام على اختيارات كارثية. وقد عبرت الحالة العراقية عن الصورة المثلى لتلك الاختيارات الكارثية فبلاشك فقد مثلت عملية غزو الكويت منذ ثماني سنوات ومحاولة (شطبها) من على الخريطة السياسية واحدا من أسوأ الاختيارات التي شهدتها الساحة العربية طوال هذا القرن. ولعل الخطوة الاولى التي كان يفترض ان يتخذها العراق منذ هزيمته وخروجه من الكويت تكمن في الاعتراف بخطئه الفادح بغزو الكويت وتقديم اعتذار واضح وصريح للشعب العربي بأكمله, واخيرا تقديم مراجعة نقدية ونقد ذاتي لكثير من الممارسات العراقية التي أدت للغزو. ورغم أن الاخيرة تبدو صعبة على النظام العراقي الا ان النقطتين الثانيتين يمكن تنفيذهما في ظل نفس المفاهيم التي مازالت تحكم عقلية النظام العراقي الحالي. أما بالنسبة لمسألة (المراجعة النقدية) فيبدو ان النظام العراقي عاجز بحكم طبيعته الداخلية وأزمة شرعيته على اجرائها في الفترة الحالية. وقد جرت في الفترة الاخيرة بعض المحاولات العربية من اجل اتمام مصالحة عربية عربية الا ان ثبات العراق على مواقفه واعتبار ان غزوه للكويت كان عملا من اعمال الدفاع عن النفس قد افشل كل هذه الجهود. ورغم أن الوطن العربي قد عرف من قبل خلافات سياسية وأيديولوجية عميقة حملت أحيانا بعض المشاهد الدموية, الا أنه يبقى بلا أدنى شك ان حرب الخليج الثانية مثلت اول اراقة بهذا الحجم للدماء والأموال العربية في معركة كان الخاسر الوحيد فيها هو الأمة العربية, ومع ذلك لم يعترف المسؤولين عن هذا الدمار بأخطائهم. ولعل ما جرى عقب هزيمة 67 قد مثل صورة نقيضة لما شهدناه عقب حرب الكويت. فنكسة 67 شكلت منعطفا حادا في التاريخ العربي المعاصر, ومثلت هزيمة لمشروع وحدوي عربي طموح كتب عليه منذ محمد علي وحتى جمال عبد الناصر الا يرى النور. وقد دفعت هزيمة 67 جمال عبد الناصر الى تحمل مسؤوليته كاملة عن الهزيمة وتقديم استقالته التاريخية في يونيو 1967. وقد رفضت الجماهير العربية من المحيط الى الخليج هذه الاستقالة وأعلنت تمسكها بعبد الناصر كقائد للمسيرة واعادة البناء. وقد قام جمال عبد الناصر بمراجعة نقدية شاملة لكثير من الاوضاع الداخلية والسياسات الخارجية فبدأ بتحجيم دور المؤسسة العسكرية ووضعه داخل اطار المهام الحربية فقط, كما أطاح بالقادة الذين تسببوا في الهزيمة ووضعت بذور التعددية الحزبية والسياسية من خلال تجربة النقد الذاتي والمراجعة النقدية داخل الاتحاد الاشتراكي بل وباقي مؤسسات الدولة المصرية, كما فتح الباب على مصراعيه للتجديد الجيلي حيث ظهر جيل جديد تحمل مسؤولية ازالة آثار العدوان ونجح في ذلك, بانتصاره في حرب اكتوبر 1973. وقد وعي عبد الناصر أيضا أهمية اتفاق العرب على حد أدنى سياسي وعسكري بصرف النظر عن اي خلافات أيديولوجية او عقائدية قديمة, وذلك من اجل مواجهة الاحتلال الصهيوني للارض العربية. فكانت سياسة ترميم الجسور مع السعودية بقيادة الملك فيصل, وكان مؤتمر الخرطوم الذي عقد عام 1968 وضم كل الاطراف العربية التي اختلفت فيما بينها من قبل. وكان ايضا هذا الاستقبال التاريخي لجمال عبد الناصر من قبل الشعب السوداني الذي هتف في صوت واحد (نحن نناصر عبد الناصر) . ومن هنا سنجد ان الرغبة في تجاوز تداعيات الهزيمة كانت صادقة في الستينيات وكتب لها النجاح عبر بوابة النقد الذاتي والاعتراف بالاخطاء التي ارتكبت فكان انتصار 1973. ولعل الصورة الآن تبدو بعيدة تماما عن هذا (المشهد الستيناتي) فالاخطاء السياسية والاستراتيجية والاخلاقية القاتلة التي ارتكبها النظام العراقي باشعاله حربا مع ايران, ثم غزوه للكويت لم تدفعه او تجبره على المراجعة النقدية ومحاولة تجاوز مثالب البناء السياسي الذي انتج أخطاء قاتلة من هذا النوع. ومن هنا فاذا كان الوضع الحالي لا ينبىء بامكانية اقدام العراق على تلك المراجعة فستصبح بالتالي صيغة المصالحة حتى ولو على نفس الأسس القديمة مطلبا مقبولا ومؤقتا من اجل العمل على رفع الحصار عن الشعب العراقي واطفال العراق, اما بالنسبة لنظرة كثير من المثقفين والكتاب العرب في ضرورة اقدام العراق على مراجعة نقدية فهذا مطلب طويل الاجل اصبح لابديل عنه اذا أردنا ألا نكتفي فقط بموقف المتفرج او الناقد على تحولات العالم الجديدة. أما بالنسبة للمسؤولية الليبية السودانية للحصار المفروض على بلديهما فهناك من الاصل شك في أن كلا النظامين قد قاما بارتكاب اي من الجرائم التي تضمنتها لوائح الاتهام الامريكية صحيح ان حادث تفجير الطائرة الامريكية لوكيربي كان عليه علامات استفهام كثيرة تحتاج معها الى محاكمة المتهمين محاكمة عادلة. ولعل الانتصار الذي حققته ليبيا مؤخرا وتمثل في قبولها تقديم المتهمين للمحاكمة في هولندا اي خارج الولايات المتحدة, وعدم معارضة الاخيرة لهذا القرار مثل منعطفا جديدا في مسار الصراع بين الجانبين واكد في نفس الوقت على امكانية رفع الحصار قريبا عن الشعب الليبي. نفس الأمر يحتاج الى مواقف مشابهة ورشيدة من قبل النظام السوداني تعمل من جهة على فك اي اواصر بين النظام القائم وبعض قوى العنف الديني في العالمين العربي والاسلامي, كما يجب ان يقدم النظام السوداني من جهة اخرى على تسليم اي متهم مطلوب للعدالة ومحاكمته داخل السودان او خارجها. ومن هنا فنحن امام خطوة عربية مرحلية لابديل عنها تتمثل في مواجهة الاخطاء الداخلية, من أجل مواجهة الحصار الجائر المفروض على الشعوب ويتحمل تبعاتة البسطاء من الناس وليس الحكام. كما أننا يجب ان نحرص على تقديم رؤية عربية استراتيجية تعمل على ادماج قيمة (النقد الذاتي) و(المراجعة النقدية) في داخل خطاب وممارسات الأمة العربية وهي على أعتاب ألفية جديدة. مواجهة تحيزات النظام العالمي (الجديد) سيمثل اعادة ترتيب البيت العربي من الداخل خطوة لا بديل عنها من أجل مواجهة تحيزات هذا النظام العالمي (قيد الانشاء) , في نفس الوقت فان توحيد الجهود العربية من اجل خوض حملة سياسية واعلامية هائلة ضد فكرة حصار الشعوب كوسيلة من وسائل العقاب الدولي سيمثل ايضا خطوة هامة في اتجاه رفع الحصار الجائر عن الشعوب العربية الثلاثة. ولعل أحد أبرز مثالب الأداء العربي في الفترة السابقة تكمن في انه اعتبر ان قضية رفع الحصار على الشعوب العربية الثلاثة باعتباره هو فقط مطلب وقضية عربية, وليس أيضا باعتباره مبدأ ومطلب دولي وانساني. فالموقف الامريكي من كوبا وايران اضافة الى الموقف من الشعوب العربية الثلاثة بات في حد ذاته يمثل اعتداء صارخا على حقوق الانسان وعلى كل القيم التي يبشر بها النظام العالمي الجديد من احترام للحريات, وللديمقراطية ولحقوق الافراد والشعوب. ومن هنا سيصبح من الواجب على الجانب العربي ان يسعى لتعميق معالجته لقضية الحصار المفروض على الشعوب العربية الثلاثة وذلك برفض المبدأ من الاساس والعمل على ازالته كعقوبة تطبقها الأمم المتحدة ومجلس الأمن. ولعل مشكلة الأداء العربي منذ بداية التسعينيات تتمثل في عجزه الكامل وربما خوفه, عن المساهمة في اي صيغة او مشروع دولي. فقد اكتفينا بنقد كثير من الممارسات والمشاريع الدولية المطروحة حولنا ولم نحاول تعديلها ولو جزئيا على أرض الواقع, رغم إننا قمنا (بنسفها) على الورق ومن خلال وسائل الاعلام. ومن هنا سنجد أن معركتنا ضد حصار الشعب العراقي وتجويعه, اضافة الى حصار الشعبين الليبي والسوداني ظلت أسيرة تلك الثنائية العقيمة التي ترفض الحصار من خلال الصراخ الاعلامي ولا تعمل بشكل علمي وعملي على ازالته. ولعل تغيير طريقة تعاطينا مع قضية الحصار ربما ستدفعنا اولا الى الاهتمام بالانتصارات الجزئية وبرحلة التراكمات التفصيلية التي تحقق الاهداف الغائية, وفي نفس الوقت فاننا يمكن عبر بوابة مواجهة مبدأ فرض الحصار أن ندخل الى بوابة المساهمة فيما يجري حولنا, بل والنجاح في اجراء تعديل ولو جزئي لكثير من التحيزات الدولية والامريكية الصارخة. هذه البداية ستعني في الحقيقة بداية تبلور لغة عربية جديدة قادرة على التأثير في العالم, ولا نقول على مواجهته او تغييره جذريا, وايضا وربما الأهم امتلاك مبادرة ورسالة عربية موجهة للعالم كله بشماله المسيطر, وبجنوبه الساعي للعدالة والمساواة. وهكذا سيصبح النجاح العربي في اسقاط هذا الحصار هو بداية لنجاح عربي آخر اكثر اهمية, ويكمن في المساهمة والمشاركة ــ ولو بدور بسيط ــ في احداث تغيرات في حجم تلك التحيزات الصارخة لهذا النظام العالمي قيد الانشاء, في اتجاه بناء عالم اكثر عدلا ومساواة. باحث مصري