عاشت امريكا اللاتينية دائما ضحية لتقلبات السياسة العالمية بكل توجهاتها, ولم تحصل في يوم من الأيام على ثمار طيبة من اي من تلك التقلبات, كانت في فترة الحرب الباردة ضحية الصراع الشرقي والغربي, وكانت اراضيها حقول التجارب التي كان يحاول كل جانب قياس مدى قوته شاركها في هذا بالطبع العديد من دول العالم الثالث وبشكل خاص الدول الافريقية والمنطقة العربية, لكن دور الضحية الذي تلعبه أمريكا اللاتينية يكاد يتفوق على الضحايا الآخرين الذين لعبوا هذا الدور ولا يزالون. مع انتهاء صراع الحرب الباردة بسقوط الاتحاد السوفييتي ودخول المنطقة تحت الهيمنة الكاملة للولايات المتحدة, اعتقد البعض ان تلك المنطقة سوف تدخل مرحلة جديدة من النمو الاقتصادي بسبب توجيه طاقاتها الانتاجية لتنمية مواردها, واستخدام تلك التنمية في السير باتجاه المزيد من الرفاهية. لكن هذا الاعتقاد الذي بدأ يترسخ خلال السنوات الاولى من التسعينيات, بعد أن كثر الحديث عن النتائج الايجابية لانتهاء نظام الثورة الساندينية في نيكاراجوا, والمصالحة الوطنية في السلفادور, وبداية تخلي الجنرال بينوتشيه عن الدكتاتورية العسكرية في التشيلي, وتسليم السلطة للمدنيين رغم احتفاظه بقيادة الجيش, وتحقيق الارجنتين والمكسيك لنسب نمو كبيرة لم تعرفها منطقة أمريكا اللاتينية من قبل, رغم كل هذا فان شيئا سلبيا كان يقبع تحت كل هذه التوقعات الايجابية. بل أن الانفراج الذي بدأ يحلق في الافق اثر اعتناق تلك الدول لسياسة السوق, وتطبيق النظرية الليبرالية في مجالات الاقتصاد, هذا الانفراج بدأت نتائجه السلبية تأكل ما تبقى من اقتصاد تلك البلاد, ويدفع بها نحو هاوية أعمق من الهاوية التي كانت تقف عليها زمن الحرب الباردة. وتحولت دول أمريكا اللاتينية الغنية بثرواتها الطبيعية الى ضحية لتلك الثروات, فقد عاشت المكسيك أزمتها المفاجئة عام ,1994 التي فقدت فيها عملتها اكثر من نصف قيمتها في مواجهة الدولار, وفقدت سيطرتها على بترولها, الذي أصبح رهينة لدى البنوك الامريكية التي تقدمت بقروضها لانقاذ البلاد من الانهيار التام, اضافة الى النتائج السلبية على حياة الشعب المكسيكي التي نتجت عن تطبيق عمليات بيع القطاع الحكومي لتلك المؤسسات الدائنة, وتطبيق شروط صندوق النقد الدولي وغيره من المؤسسات التي تسيطر على حركة الاقتصاد العالمي حتى لا يتم اعلان افلاس المكسيك الكامل. ما أن اعتقدت المكسيك انها خرجت من تلك الأزمة, وانها استطاعت ان تؤدي واجبها نحو الدائنين, حتى دخلت في أزمة جديدة نتجت عن انخفاض اسعار البترول الذي يمثل حوالي 40% من دخل البلاد من العملة الصعبة. الأمر كذلك بالنسبة لفنزويلا التي وجدت نفسها فجأة تفقد الدخل الرئيسي من العملات الاجنبية, بسبب انخفاض اسعار البترول, حيث يمثل البترول نسبة 70% من مجموع صادراتها الخارجية, و50% من دخلها من العملات الاجنبية, التي تعتمد عليها اعتمادا كاملا في سداد ديونها الخارجية واستيراد السلع الاساسية. اما التشيلي فتواجه الازمة نفسها رغم انها لا تعتمد على البترول, بل تعتمد على ثروة مماثلة: النحاس الذي يمثل 40% من مجموع صادراتها الخارجية, حيث انخفض الطلب العالمي على هذا المعدن بنسبة 35%, مما جعلها تفقد ثمن هذه النسبة, وانعكس هذا على اقتصادها الداخلي. أما البرازيل فانها تعيش أزمة جاءتها من الخارج, حيث انعكست سلبيات الأزمة الآسيوية على اقتصادها بشكل كبير, ونظرا لهذه الأزمة الحادة التي تعيشها البرازيل, فقد وجدت الارجنتين نفسها تفقد جزءا كبيرا من دخلها الخارجي بسبب تلك الازمة, لان الاسواق البرازيلية تمثل نسبة 30% من الصادرات الارجنتينية, واحتمالية خفض العملة البرازيلية سوف يؤدي بالتالي الى انخفاض كمية الاستيراد من الارجنتين, اضافة الى انخفاض عائدات تلك الصادرات. والأزمة البرازيلية لها تأثيراتها السلبية ليس على الارجنتين فقط, بل لها تأثيراتها السلبية على باقي مجموع دول أمريكا اللاتينية, حيث تعتبر البرازيل اكبر واضخم دولة في القارة من حيث المساحة وعدد السكان, ويعتبر المحللون الاقتصاديون ان تعويم العملة البرازيلية يمكن أن يجر من وراءه عملات باقي دول القارة. هذه الأزمة سوف تنعكس بالتالي على الاقتصاد العالمي لان البرازيل والمكسيك والارجنتين تمثل ديونهم الخارجية معا حوالي 500 مليار دولار, وتوقف الدول الثلاث عن دفع ديونها قد يشكل أزمة حادة بالنسبة للمؤسسات والدول صاحبة القروض. اضافة الى هذا فان استمرار الازمة الحالية في أمريكا اللاتينية سوف تكون له نتائج اكثر من سلبية على اكثر من نصف الاقتصاد العالمي, حيث يؤكد تقرير لبنك امريكا اللاتينية للتنمية, ان استمرار تلك الازمة المتعددة الاطراف سوف يؤدي الى انخفاض حاد في أسعار المواد الخام التي تنتجها تلك الدول, بسبب منافستها لمنتجات دول المنطقة الآسيوية التي شهدت انخفاضا كبيرا في أسعارها بعد الأزمة التي أطاحت بعملاتها المختلفة, اضافة الى انخفاض الطلب الآسيوي على المواد الخام التي تنتجها دول أمريكا اللاتينية بسبب توقف العديد من الصناعات الآسيوية التي كانت تعتمد على تلك المواد الخام. لذلك يحذر تقرير بنك أمريكا اللاتينية للتنمية من ان هذا الوضع السلبي سوف ينتج عنه وضع نفسي قد يؤدي الى هروب ما تبقى من رؤوس المال الاجنبية التي تستثمر في منطقة امريكا اللاتينية, وأشار التقرير الى أن النتائج السلبية الاولى بدأت بالفعل تنعكس على اسعار اسهم الشركات الكبرى التي تستثمر في تلك المنطقة في البورصات العالمية, وضرب مثالا على ذلك, انخفاض اسعار الشركات الاسبانية الاكثر نشاطا في تلك المنطقة مثل البنوك الاسبانية الكبرى, ومؤسسة التليفونات الاسبانية التي اشترت معظم شركات التليفونات المحلية خلال عمليات التخصيص التي انتشرت خلال العقد الأخير. وحذر تقرير بنك أمريكا اللاتينية للتنمية من الضغوط المتزايدة على تلك الدول, وطالب بأن يبذل المجتمع الدولي جهودا كبيرة للتخفيف من تلك الضغوط التي لا تفرق بين دول تبذل جهدا حقيقيا للتنمية, وأخرى تعيش فريسة لفساد أنظمتها السياسية الحاكمة, خاصة ان معظم دول امريكا اللاتينية ــ في رأي التقرير ــ تنتمي الى تلك الدول التي تحاول ان تخرج من النفق المظلم الذي عاشت فيه خلال فترة طويلة. طالب التقرير صندوق النقد الدولي بالمساعدة على إعادة ضخ المزيد من رؤوس الاموال في اقتصاد منطقة امريكا اللاتينية, وحمل الصندوق مسؤوليته عن جانب كبير من الضغوط التي تعيش دول أمريكا اللاتينية تحت رهبتها وتهدد بانهيار اقتصادها, لأن هذه الضغوط سوف ينتج عنها في النهاية هروب ما تبقى من رؤوس الاموال خوفا من الانهيار الاقتصادي المحتمل. لكن هذه المطالب التي ضمها تقرير بنك أمريكا اللاتينية للتنمية لا يختلف كثيرا عن النتائج الأولية التي توصل إليها المحللون السياسيون والاقتصاديون منذ ان بدأت موجة الهجوم الرأسمالي المتوحش على قطاعات الانتاج في معظم دول العالم النامي, وهذا التقرير لا يضم جديدا لم تشر اليه معظم التحاليل الاقتصادية والسياسية في أوروبا والولايات المتحدة, التي تري ان خطر السياسة الاقتصادية الليبرالية الحالية أكبر من خطر فترة الحرب الباردة, لكن هذه التحذيرات لم توقف الهجوم الرأسمالي الوحشي على اقتصاد الدول الفقيرة, بل تسببت في عودة شعوب أوروبا الشرقية إلى التطلع إلى عودة الأنظمة الشمولية القديمة التي اعتقد البعض انها سقطت مع سقوط حائط برلين. كاتب مصري مقيم في اسبانيا