في الوقت الذي تتعاظم وتتزايد فيه خطورة الأزمة الاقتصادية الروسية, تلوح في الأفق بوادر أزمة سياسية, مما يجعلنا ازاء حالة استثنائية في معالجة الأزمات الاقتصادية الناشئة في مختلف بلدان العالم, حيث في العادة يتطلب مثل هذا الوضع ارادة سياسية واحدة ومنسجمة تكون قادرة على احتوائه وتفادي آثاره لكن ما هو حاصل الآن في روسيا هو تحول الأزمة الاقتصادية والمالية وتداعياتها الى أزمة سياسية تغيّب الارادة السياسية الواحدة المنسجمة. واذا كان هذا الوضع الاستثنائي يميز الأزمة الروسية الحالية اليوم من حيث التلازم بين تعقد الوضع الاقتصادي والسياسي في آن واحد, فإن خطورته تكمن في دلالة طرفي المعادلة السياسية, إذ ان كل طرف له من القوة والمناعة والمسوغات التي يعتد بها تجاه الطرف الآخر. الرئيس يلتسين وأنصاره يستندون في موقفهم على النظام الدستوري الذي يخول الرئيس صلاحيات واسعة في اتخاذ التدابير الملائمة, منها اعادة اقتراح رئيس الحكومة لثلاث مرات متتالية وربط رفض ذلك بحل البرلمان من جهة, ومن جهة ثانية, فهم يذكرون بخطورة عدم المضي بالاصلاحات الاقتصادية وما لذلك من تبعات على الاقتصاد الروسي يساعدهم في ذلك تذرعهم بضغوط المؤسسات المالية الدولية وربطها بين استمرار المساعدات والمضي في الاصلاحات الاقتصادية. مقابل ذلك تستند المعارضة على قوتها داخل المؤسسة التشريعية من جهة وعلى انعكاسات الأزمة الاقتصادية التي هيأت الأرضية لتذمر شعبي واسع النطاق عبر عنه بوضوح الكسندر كوشيكوف ممثل الرئيس الروسي أمام مجلس الدوما حينما ذهب الى القول: (الشيوعيون وحلفاؤهم مستعدون لاثارة حل مجلس الدوما من أجل الحصول على مقاعد أكثر في الانتخابات التشريعية منتهزين فرصة الاستياء الشعبي... انه اذا استمرت الفوضى لعدة أسابيع فلن يكون هناك شيوعيون ولا غيرهم, لأن التمرد الشعبي سيسحقنا جميعا) . وعلى الرغم من هذا الادراك المشترك لعمق الأزمة وخطورتها, سيما بعد وقوف مختلف الكتل البرلمانية ضد ترشيح تشيرنوميردين باستثناء نواب حزبه (روسيا بيتا) الا انه يبدو ان لكل طرف حساباته ورهاناته, وهو ما يقود الى التساؤل حول المدى الذي ستمضي اليه هذه الحسابات والرهانات في ظل تزايد وتسارع خطى الأزمة الاقتصادية وانعكاساتها السياسية والاجتماعية. ان الوضع الذي آلت اليه الأزمة الاقتصادية الروسية لا يمكن فهمها دون الرجوع للسياق الذي ظهرت فيه روسيا ما بعد الحرب الباردة, وهو سياق أفرز اتجاهين مختلفين في المنطلقات والأهداف هيمنا على مسار التطورات التي تعرفها روسيا.. الاتجاه الأول تمثل في الاندفاع المحموم نحو اقتصاد السوق معليا بذلك من قيمة رأس المال وسلطته في بلد كانت فيه الدولة اللاعب الأساسي في الميادين الاقتصادية والاجتماعية حتى بدا وكأن هذا الاندفاع المحموم هو محاولة لمعاقبة الذات من ثقل الماضي, وهو ما ظهر من خلال السعي الدؤوب الى التنصل من ذلك الماضي والفكاك من أسره, فنتج عن ذلك الجنوح المندفع مغالاة في التوجه الرأسمالي وتبني اقتصاد السوق الذي تلازم مع التقليص المتسارع لدور الدولة دونما اعتبار لحجم هذا التدخل وكلفته وميادينه, وهو ما كان يقضي باللجوء التدريجي الى تقليص هذا الدور بشكل يمكن التقليل من الآثار الاجتماعية والاقتصادية التي تعرفها روسيا اليوم, ويكفي في هذا الاطار التذكير بالتجربة الصينية, لكن يبدو ان الحضور القوي لهاجس الفكاك من الماضي والتنصل منه كان هو الحاسم في وصول الأمر الى ما وصل اليه, وهو هاجس لقي استحسانا ودفعا غريبا منقطع النظير دونما التأمل في عواقبه. مقابل هذا التوجه المسكون بالرغبة في التخلص من عقدة الماضي وجدت القوى المعارضة له نفسها بعيدة عن أية مشاركة فاعلة في ترشيده وعقلنته, مما جعلها مشدودة الى الماضي غير مواكبة للتحولات العالمية وما صاحبها من تحولات على الصعيد الداخلي لروسيا, فكان ذلك سببا كافيا للانكفاء, وبالتالي الوقوع تحت طائلة الحنين الى الماضي, فنتج عن ذلك موقفان متعارضان سمحا بوصول الأزمة الى ما وصلت اليه حاليا. في هذا الاطار يمكن القول انه ما لم يتخل طرفا المعادلة السياسية عن ثقل الماضي سواء عبر التنصل منه أو الحنين اليه فإنه من الصعب التكهن فيما سيؤول اليه الحال, أما كيف يمكن تحقيق ذلك؟.. الخروج من المأزق الحالي لا يمكن له ان يكون بالاصرار على المضي في الاصلاحات الاقتصادية بالوتيرة السابقة نفسها لأن ذلك رهان يتطلب سندا شرعيا وشعبيا, وهو ما لم يتوفر لدعاة (الاصلاح) وكذلك لا يمكن للحل ان يتأتى بالعدول عن الاصلاحات الاقتصادية والارتداد الى الاقتصاد الموجه لأنه نزوع يتجاهل التحولات التي عرفتها روسيا زيادة على انه توجه يقضي باقصاء واستبعاد قوى سياسية لها حضورها وتأثيرها. لذلك يصعب تصور الحل بتخلي أي طرف عن مكاسبه لا دعاة (الاصلاح) يمكنهم ان يتخلوا عن المنافع التي جلبتها لهم التحولات الرأسمالية وجعلت منهم قوة نافذة ومسيرة لدواليب السلطة ولا المعارضة الشيوعية مستعدة للتضحية بالمكاسب الشعبية التي أفرزتها الأزمة وفي هذه الحالة تبقى الصيغة التوفيقية التي بدأت تلوح بوادرها في الاتفاق الذي كان قد توصل اليه تشيرنوميردين وزعماء الكتل البرلمانية, ورفضت من قبل مجلس الدوما هي البداية الفعلية نحو حلحلة الأزمة والخروج منها, وتحتاج فقط الى تطوير يأخذ في الحسبان مصالح الاطراف الفاعلة انطلاقا من ان المعارضة لن تقبل لعب أي دور يكرس الوضع القائم ويبقيه ولا دعاة (الاصلاح) قادرون على المضي في سياساتهم الانفتاحية في ظل تزايد التذمر الشعبي ومعارضة هذه السياسة, وهو ما يحتم التخلي عن الانشداد الى الماضي سواء أخذ هذا الانشداد شكل التنصل منه أو الحنين اليه ما لم يبق الباب مفتوحا على كل الاحتمالات التي قد تطال العالم بأسره وذلك ما يعزز من فرص اللجوء الى الصيغة التوفيقية حتى يتسنى خلق ارادة سياسية منسجمة لمعالجة الأزمة الاقتصادية وتداعياتها. كاتب وصحفي وسياسي