المرأة وحقوق الإنسان، بقلم : د. تيسير الناشف

حققت حقوق الإنسان مركزا قانونيا في ميثاق الأمم المتحدة. لقد أوجد الميثاق, بمنح هذا المركز, صلة وثيقة بين حقوق المرأة وحقوق الإنسان بأن أعلن في أربع مواد أن من الأغراض الرئيسية للأمم المتحدة (تحقيق التعاون الدولي..على تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعا والتشجيع على ذلك اطلاقا بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين ولا تفريق بين الرجال والنساء) (المادة 1 من الميثاق). إن الصلة بين حقوق المرأة وحقوق الإنسان عززها فيما بعد الاعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اعتمد ونشر على الملأ بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 217 ألف (الدورة الثالثة) المؤرخ في العاشر من ديسمبر ,1948 والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية اللذان اعتمدا وعرضا للتوقيع والتصديق والانضمام بقرار الجمعية العامة 2200 ألف (الدورة الحادية والعشرون) المؤرخ في 16 ديسمبر 1966. إن اعتماد اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة) فيما يلي (اتفاقية المرأة) ), بالتضافر مع الجهود التي بذلتها منظمات دولية عامة وخاصة وعلماء في مجال القانون والمنادون بالمساواة بين الجنسين في المجالين السياسي والاقتصادي, قد عزز تعزيزا كبيرا الوعي بأن حقوق المرأة من حقوق الإنسان. ويرد في هذا المقال وصف لخلفية وجوهر اتفاقية المرأة الذي يتضمن الحقوق السياسية للمرأة وحقوقها الاجتماعية والاقتصادية وحقوقها المدنية. الخلفية أعدت لجنة مركز المرأة التابعة للأمم المتحدة اتفاقية المرأة. لقد أوصت اللجنة, التي أنشأها في يونيه 1946 المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة, باتخاذ قرارات عديدة بتضمين حقوق المرأة في القانون الخاص والعام. وأعدت اللجنة أيضا بضع اتفاقيات, بما في ذلك المركز السياسي للمرأة, وجنسية النساء المتزوجات, والموافقة على الزواج وتسجيل الزواج. ووضعت اللجنة أيضا اعلان القضاء على التمييز ضد المرأة. واعتمدت أيضا منظمة العمل الدولية ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة اتفاقيات في مجالات محددة لحقوق المرأة. وعلى الرغم من هذه التدابير أقرت لجنة مركز المرأة بأن التمييز على أساس الجنس مستمر, وبالتالي قررت ابرام معاهدة دولية ملزمة قانونا لانهاء هذا التمييز. وفي سنة 1974 بدأ أعضاء اللجنة باعداد اتفاقية المرأة. وفي سنة 1976 أوصوا المجلس الاقتصادي والاجتماعي والجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة بالموافقة عليها. وأجرت اللجنة الثالثة المعنية بالمسائل الاجتماعية والإنسانية والثقافية مناقشة بشأن هذا الصك من 1977 إلى 1979 ووافقت الجمعية العامة في جلسة عامة على اتفاقية المرأة في 18 ديسمبر 1979. وتحفظ عدد من الدول العربية والإسلامية عن بعض موادها وخصوصا مواد متعلقة ببعض الحقوق المدنية. ودخلت الاتفاقية حيز النفاذ في الثالث من سبتمبر 1981 بتصديق عشرين دولة عليها, مما جعلها, من ناحية القانون الدولي, دولا أطرافا في هذا الصك. وبعد ذلك بعقد, في أكتوبر ,1991 كانت مئة وعشر دول, حوالي ثلثي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة في ذلك الوقت, دولا أطرافا. جوهر اتفاقية المرأة بنيويا تشبه اتفاقية المرأة صكوكا دولية أخرى لحقوق الإنسان, وتتألف الاتفاقية من ديباجة وثلاثين مادة. وتبين الديباجة الغرض من اتفاقية المرأة, وتؤكد تساوي الرجل والمرأة في الحقوق, وكرامة الإنسان وقيمته. وكما ورد في الديباجة فإنه (لا يزال هناك... تمييز واسع النطاق ضد المرأة) (الفقرة 7), على الرغم من الأحكام الكثيرة التي تدين ذلك التمييز في صكوك الأمم المتحدة واجراءاتها وتدابيرها. ان ذلك التمييز, كما تنص الديباجة عليه, (عقبة أمام مشاركة المرأة, على قدم المساواة مع الرجل, في حياة بلدهما السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية... ويزيد من صعوبة التنمية الكاملة لامكانات المرأة في خدمة بلدها والبشرية) . وتعرف المادة (1) من اتفاقية المرأة, لأول مرة في أى صك قانوني دولي, التمييز على أساس الجنس. فوفقا لما ورد في المادة (1) فإن هذه الممارسة تشكلها: أي تفرقة أو استبعاد أو تقييم يتم على أساس الجنس ويكون من آثاره أو أغراضه توهين أو احباط الاعتراف للمرأة بحقوق الإنسان والحريات الأساسية في الميادين السياسية والاقتصادية والثقافية والمدنية أو في أي ميدان آخر, أو توهين أو احباط تمتعها بهذه الحقوق أو ممارستها لها, بصرف النظر عن حالتها الزوجية وعلى أساس المساواة بينها وبين الرجل. وبالتصديق على اتفاقية المرأة تتفق الدول في المادة (2) على أن تشجب هذا التحيز و(على أن تنتهج, بكل الوسائل المناسبة ودون أبطاء, سياسة تستهدف القضاء على التمييز ضد المرأة) . وتتفق الدول أيضا في المادة (2) على (ادماج مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في دساتيرها الوطنية أو تشريعاتها المناسبة الأخرى) وعلى (اتخاذ المناسب من التدابير, تشريعية وغير تشريعية, بما في ذلك ما يناسب من جزاءات, لحظر كل تمييز ضد المرأة) وعلى (فرض حماية قانونية لحقوق المرأة على قدم المساواة مع الرجل, وضمان الحماية الفعالة للمرأة, عن طريق المحاكم ذات الاختصاص والمؤسسات الأخرى في البلد, من أي فعل تمييزي) , وعلى (الامتناع عن مباشرة أي عمل تمييزي أو ممارسة تمييزية ضد المرأة, وكفالة تصرف السلطات والمؤسسات العامة بما يتفق وهذا الالتزام) , وعلى (اتخاذ جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة من جانب أي شخص أو منظمة أو مؤسسة) , وعلى (اتخاذ جميع التدابير المناسبة, بما في ذلك التشريعي... لتغيير أو ابطال النظام القائم من القوانين والأنظمة والأعراف والممارسات التي تشكل تمييزا ضد المرأة) . ويقصد بهذه التدابير كفالة (تطور المرأة وتقدمها الكاملين وذلك لتضمن لها ممارسة حقوق الإنسان والحريات الأساسية والتمتع بها على أساس المساواة مع الرجل) (المادة 3), ويقصد بهذه التدابير أيضا (تغيير الأنماط الاجتماعية والثقافية لسلوك الرجل والمرأة, بهدف تحقيق القضاء على التحيزات والعادات العرفية وكل الممارسات الأخرى القائمة على الاعتقاد بكون أي من الجنسين أدنى أو أعلى من الآخر, أو على أدوار نمطية للرجل والمرأة) وأيضا (كفالة تضمين التربية العائلية فهما سليما للأمومة بوصفها وظيفة اجتماعية, والاعتراف بكون تنشئة الأطفال وتربيتهم مسؤولية مشتركة بين الأبوين...) . وتقصد هذه التدابير كذلك (... مكافحة جميع أشكال الاتجار بالمرأة واستعمال بغاء المرأة) (المادة 6). إن التأكيد الوارد في اتفاقية المرأة على (جميع التدابير المناسبة) شامل ومرن, مما يسمح للدول بأن تتخذ التدابير التي هي ضمن قدرتها على اتخاذها. غير ان المادة (4) تدعو إلى اتخاذ تدابير مؤقتة, مثل سياسات العمل الايجابي, للتعجيل بالمساواة الفعلية بين الرجل والمرأة. ووفقا للاتفاقية لا يعتبر اتخاذ الدول لهذه التدابير تمييزا بالمعنى الذي تأخذ به هذه الاتفاقية, ولكن يجب ألا يستتبع الابقاء على معايير غير متكافئة أو منفصلة, كما يجب ايقاف العمل بهذه التدابير متى تحققت أهداف التكافؤ في الفرص والمعاملة. وفضلا عن ذلك, تلزم المادة 24 (الدول الأطراف باتخاذ جميع ما يلزم من تدابير على الصعيد الوطني تستهدف تحقيق الاعمال الكامل للحقوق المعترف بها في هذه الاتفاقية) . الحقوق السياسية للمرأة إن أحكام اتفاقية 1952 بشأن الحقوق السياسية للمرأة, وهي الأحكام التي تكفل للمرأة الحق في التصويت في جميع الانتخابات والأهلية للانتخابات لجميع الهيئات وفي شغل الوظائف العامة, يعاد التأكيد عليها في المادة (7) من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة. وتؤكد هذه المادة أيضا حق المرأة في الاشتراك في صياغة سياسة الحكومة وفي تنفيذ هذه السياسة وفي المشاركة في أية منظمات وجمعيات تهتم بالحياة العامة والسياسية للبلد. ان حق المرأة في تمثيل حكومتها على الصعيد الدولي مؤكد في المادة (8) , بينما تضمن المادة (9) , إذ تدمج أحكام اتفاقية 1957 بشأن جنسية المرأة المتزوجة, (الا يترتب على الزواج من أجنبي, أو على تغيير الزوج لجنسيته أثناء الزواج, أن تتغير تلقائيا جنسية الزوجة) . الحقوق الاجتماعية والاقتصادية تنص اتفاقية المرأة على أن تتخد الدول الأطراف مختلف التدابير للقضاء على التمييز ضد المرأة لكي تكفل لها حقوقا مساوية لحقوق الرجل في ميدان التربية, وبوجه خاص لكي تكفل, على أساس المساواة بين الرجل والمرأة, شروطا متساوية في التوجيه الوظيفي والمهني, والقيام بالدراسات والحصول على الدرجات العلمية في المؤسسات التعليمية, والمساواة في التعليم العام التقني والمهني والتعليم التقني العالي, والتساوي في المناهج الدراسية, والقضاء على أي مفهوم نمطي عن دور الرجل ودور المرأة في جميع مراحل التعليم بجميع أشكاله, والتساوي في فرص الحصول على المنح الدراسية وفي فرص الافادة من برنامج مواصلة التعليم وفي فرص المشاركة النشطة في الألعاب الرياضية والتربية البدنية (المادة 10). وتنص المادة 11 على أن تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في ميدان العمل لكي تكفل لها, على أساس المساواة بين الرجل والمرأة, نفس الحقوق في العمل وفي التمتع بنفس فرص العمالة وفي حرية اختيار المهنة ونوع العمل والحق في الترقية والأمن على العمل, والحق في الضمان الاجتماعي والحق في الوقاية الصحية. والحصول على خدمات الرعاية الصحية تتناوله المادة 13 التي تنص على أن تكفل الدول الأعضاء للمرأة خدمات مناسبة فيما يتعلق بالحمل والولادة وفترة ما بعد الولادة. ويقصد بالمادة 13 أن تكفل للمرأة, على أساس المساواة بينها وبين الرجل, نفس الحقوق في المجالات الأخرى للحياة الاقتصادية والاجتماعية, ومنها الحق في الاستحقاقات العائلية وفي الحصول على القروض المصرفية والرهون العقارية والحق في الاشتراك في الأنشطة الترويجية. والمادة 14 هي الحكم الأول في صك دولي يعالج المشاكل الخاصة التي تواجهها النساء الريفيات اللواتي تؤدي أغلبيتهن معظم الأعمال الزراعية في البلدان النامية. وتنص هذه المادة على أن تكفل الدول الأعضاء للمرأة, على أساس المساواة بينها وبين الرجل, المشاركة في التنمية الريفية وفي وضع وتنفيذ التخطيط الانمائي, وفي الوصول إلى تسهيلات العناية الصحية الملائمة والاستفادة من برامج الضمان الاجتماعي. الحقوق المدنية تنص المادة 15 من اتفاقية المرأة على ان الدول الأطراف تكفل للمرأة حقوقا مساوية لحقوق الرجل في ابرام العقود وتعاملهما على قدم المساواة في جميع مراحل الاجراءات القضائية, وتتفق الدول الأعضاء على اعتبار جميع العقود التي يكون لها أثر قانوني يستهدف الحد من الأهلية القانونية للمرأة باطلة ولاغية. إن حقوق المرأة في بضعة مجالات تواجه فيها تمييزا خاصا تؤكد أيضا عن طريق اعتراف الدول الأطراف للمرأة الحق في المساواة مع الرجل أمام القانون, وفي تساوي الفرص لابرام العقود وفي إدارة الممتلكات. وتعتمد المادة 16 على اتفاقية 1962 للرضا بالزواج, والحد الأدنى لسن الزواج, وتسجيل عقود الزواج, وتكلف الدول بأن تقضي على (التمييز ضد المرأة في كافة الأمور المتعلقة بالزواج والعلاقات العائلية) . المواد النهائية تحدد كل معاهدة دولية الاجراء الذي تتحمل به الحكومات المصدقة المسؤولية القانونية عن الوفاء بالالتزامات التي تلتزم بها وتصف هذه الأحكام كيفية تحقيق التصديق, وفي أية ظروف, وموعد بدء نفاذ المعاهدة, وجواز التحفظات, ومكان ايداع صكوك التصديق للدول (كالمعتاد لدى مكتب الأمين العام للأمم المتحدة). وبمقتضى اتفاقية المرأة يبدأ نفاذ أحكام هذه الوثيقة في اليوم الثلاثين الذي يلي تاريخ ايداع صك التصديق أو الانضمام العشرين لدى الأمين العام للأمم المتحدة (المادتان 25 و27). ولأية دولة طرف, في أي وقت, أن تطلب اعادة النظر في الاتفاقية (المادة 26). ويمكن للأمين العام للأمم المتحدة أن يتلقى نص التحفظات التي تبديها الدول إذا كانت مسايرة لغرض اتفاقية المرأة (المادة 28). غير ان الاتفاقية لا توفر معيارا لتحديد المسايرة. وأخيرا فإن الخلافات حول تفسير هذه الاتفاقية يجب أن تسوى عن طريق المفاوضات أو التحكيم أو احالة النزاع على محكمة العدل الدولية (المادة 29). * باحث عربي مقيم في الولايات المتحدة

طباعة Email
تعليقات

تعليقات