يواجه الاقتصاد الاوروبي في الوقت الحالي ازمة ثقة كبيرة, وخروج العديد من التقارير والتحاليل الاقتصادية التي تبرهن على ان النمو الذي تزعم اوروبا انها تحققه وبصورة ناجحة انما في الواقع نموا زائفا, وقد زادت الشكوك والاتهامات للاقتصاد الاوروبي بعد ان انتقلت عدوى المرض الاقتصادي الى روسيا , النرويج, كندا, امريكا اللاتينية وهي الازمات التي تلت الازمة الاقتصادية والمالية في آسيا بانخفاض أسعار المواد الأساسية, وهروب رؤوس الاموال, وكانت اولى المؤشرات هي ردود فعل البورصات, وقد بدأت الان اجراس الانذار تدق نواقيسها لأمريكا وغرب اوروبا, واصبحت العديد من الاسئلة الملحة تفرض نفسها, والسؤال الاول هو مدى تأثر امريكا وأوروبا بهذه الازمة؟ والثاني هو هل من الممكن ان يحدث فيها أزمة اقتصادية مثلما حدث في آسيا وروسيا؟ وهل ستحتفظ الصين بعملتها قوية, هل سترتفع اسعار البترول الخام ام سينخفض سعر البرميل لأقل من عشرة دولارات, وهل سيستمر الاقتصاد الامريكي في النمو, ام سيتأثر بأزمة متوقعة في امريكا اللاتينية؟ ماهو حجم الثقافة في الاقتصاد الاوروبي؟ واخيرا هل الاموال والاستثمارات العربية في أوروبا آمنة؟ قد يكون من الصعب الاجابة على هذه الأسئلة بشكل قاطع, وربما الأصعب هو التكهن بما يخفيه المستقبل الاقتصادي لأوروبا مع مطلع القرن الجديد, لكن لابد من القراءة الاستشرافية للأحوال الاقتصادية في أوروبا من وجهة نظرنا, ومن ناحية اخرى متابعة ماذا يقول الغرب الاوروبي عن نفسه, كذلك عمل قراءة متأنية لرؤية اصحاب المصالح الحقيقيين في الاقتصاد الاوروبي, وعلى درجة كبيرة من الأهمية ايضا. بالرغم ان النمو الاقتصادي في أوروبا يشهد تطورا ملحوظا, وان الارقام تبشر بالخير, الا انه في الوقت الحالي يحيط هذا النمو غلاف من مظاهر القلق والتوتر يسود الاوساط الاقتصادية في اوروبا, وتشير معظم تكهنات بيوت المال والاستثمارات الى انه سيحدث شيء ما للاقتصاد الاوروبي! ويؤكد (ديرك فان دير ميير) واحد من أكبر خبراء بيوت المال والتحليلات الاقتصادية بأن الاخطر في هذا المجال هو الاسباب السيكولوجية التي تقتحم السوق الاقتصادي فجأة, وتقلب موازين الاستقرار, على غرار ما حدث في النرويج التي لم يكن أحد يتوقع بداية هذا العام انها ستعاني من مشاكل مالية, لكن فجأة اهتزت عملة هذا البلد النفطية, ومما يؤكد على ان هناك عوامل غير التوقعات والتحليلات تؤثر في اسواق المال العالمية والاحوال الاقتصادية ما حدث في منتصف العام الماضي, حيث كانت كل المؤشرات تشير الى ان النمو الاقتصادي في العالم يسير بصورة جيدة, وكانت اسعار المواد الاساسية منخفضة والفائدة منخفضة, والاستقرار السياسي كان مقبولا بصفة عامة, والتضخم كان منخفضا نسبيا, واهم البورصات العالمية كانت في حالة استقرار بما في ذلك اليابان, ولكن فجأة انقلبت كل هذه الموازين, غير انه بصفة اجمالية تخرج هذه القضية بالفعل من اطار التشاؤم والتفاؤل لعدة أسباب أهمها: ــ ان النمو الاقتصادي في أوروبا لا يواكبه زيادة فعلية دائمة في فرص العمل, حيث ان البطالة في اوروبا تتفاقم تدريجيا, ويعني هذا ان نوع النمو يتمثل في سرعة دوران المال, وزيادة مبيعات المنتجات في الاسواق الداخلية للمستهلك الاوروبي, وخارجيا للتصدير. ــ محاولة المؤسسات الانتاجية المحافظة على قدرتها في تلبية احتياجات الاسواق لمنتجاتها عن طريق ابرام عقود العمل المؤقتة بأجور عالية, لكن مدد هذه العقود تتراوح ما بين 3 اشهر و6 اشهر, وفي حالات قليلة 11 شهرا بحد اقصى, حتى لا يعمل العمال سنة كاملة متصلة يصبح وقتها صاحب العمل ملزما بعدم اقالته, وتلجأ الشركات لهذه الاساليب هروبا من تكاليف الضرائب والضمانات الاجتماعية العالية, فهي بهذا تحقق ارباحا مرتفعة دون مصاريف كبيرة وبدون التزامات قانونية. اذا النمو الاقتصادي لا يحظى بثقة خاصة ولا توجد ضمانات لاستمراره في النمو على هذا النحو لأن الرواج المالي محدود فهو ينحصر في خزانات شركات محدودة, والأخطر من ذلك هو انه حالة تراجع الطلبات الخارجية على المنتجات الاوروبية سيتأثر سوق التصدير, والنتيجة هي تسريح العمالة المؤقتة التي ستعود للحصول على مرتبات من الدولة في شكل ضمانات اجتماعية تمثل الحد الادنى للاجور, وهذه الفئات سيتراجع حجم الانفاق والقدرة الشرائية لديها, وفي هذه الحالة ستتراجع ايضا سرعة دوران الاموال ويتأثر الازدهار الاقتصادي ايضا لينتقل بسرعة ليصيب الاحوال الاجتماعية للمواطنين, والنمو الاقتصادي الاوروبي بشكله الحالي نموا زائفا فمختلف الحكومات الاوروبية تدافع عن سياساتها بشدة وعن احوال الاقتصاد وتتصدى للمراقبين والمحللين, وتتهم بيوت الخبرة المالية بالتشكيك, ووصل الامر خلال الايام الاخيرة الى عقد قمة بين كل من المستشار الالماني هيلموت كول ورئيس البنك الاوروبي الهولندي فيم داوسنبرج و(يان كالف) رئيس اكبر البنوك الهولندية ــ ايه بي ان امرو ــ و(انجلين كيما) رئيسة المجموعة الاستثمارية (روبيكو) وخرجت هذه القمة الهامة المصغرة ببيان, افاد عن عدم وجود اسباب لفقدان الثقة في الاقتصاد الاوروبي, ويعد هذا اللقاء ترمومترا تم به قياس حالة الاقتصاد الاوروبي (من وجهة نظرهم) , لكن في ذات الوقت اعلنت الجمعية التي تمثل اكثر من 2 مليون مشتر ومستثمر في مجال السندات والاسهم ببورصة امستردام بهولندا ان ثقتها اهتزت في مسار الاقتصاد الاوروبي بل انها ذهبت الى توقعات اكثر خطورة في ان احتمالات عدوى الازمة الآسيوية الروسية قادمة لأوروبا.