إيران وافغانستان, ليسا جارين وحسب, بل بلدان اسلاميان ما يربط بينهما من علاقات ووشائج وصلات ومصالح مفترضة يفوق بكثير ما يمكن ان يفرقهما ويجعلهما على خلاف, ومع ذلك فالبلدان الجاران المسلمان ينزلقان بسرعة نحو حرب يهدد كل طرف بها الطرف الآخر . فهناك حشود ايرانية معلنة تزيد على 200 الف جندي على الحدود ومعها فرق عسكرية ودبابات وطائرات ومروحيات مع مزيد من الاستعدادات العسكرية كالجسر الجوي بين طهران ومشهد والتأهب في صفوف الحرس الثوري, مع لهجة اعلامية وسياسية متصاعدة بالتهديد والوعيد والعقاب والازدراء معا, مقابل أنباء عن حشد مماثل من قبل حركة طالبان لميليشيا تزيد على عشرين الف عنصر مع تهديدات مماثلة بضرب مدن ايرانية بالصواريخ, دون أن يكون وسط هذه المعمعة اي اثر لمحاولات سلمية للحل. والتصعيد بعد ذلك مستمر في ايران ربما بأكثر مما هو في افغانستان, فهناك تصريحات لعسكريين وسياسيين وقادة من مستوى الزعيم الروحي نفسه آية الله علي خامنئي, مع تحريض الشارع والرأي العام الذي خرج في مظاهرات مطالبة بالحرب وتأديب طالبان, وهو تصعيد مفهوم في اطار اتهامات ايران بمقتل دبلوماسييها في مزار الشريف على يد ميليشيا طالبان لدى دخولهم المدينة اثر سقوطها مؤخرا. طبعا اعتراف ايران بمقتل دبلوماسييها هو اعتراف ضمني بالاتهامات التي تشنها طالبان من جهتها ضد ايران, من ان هؤلاء كانوا عسكريين يقدمون الدعم للميليشيا الحليفة لايران, لا دبلوماسيين, فماذا عسى ان يفعل الدبلوماسيون في مدينة غير العاصمة كابول ان لم يكن لاغراض غير دبلوماسية؟ مع ذلك فلم يكن القتل, ان كانت طالبان قد تورطت فيه حقا, هو الطريقة لمعالجة وجود هؤلاء الايرانيين حتى مع صحة تقديمهم الدعم للمعارضة الحليفة لطهران, فيكون ارتكابها مذبحة هو خطأ فادح بلا شك, مقابل تفويت فرصة أثمن, هي الاكتفاء باعتقالهم وفضح التدخل الايراني المباشر في الشؤون الداخلية للجار أفغانستان. وهكذا فإنه حتى مع التسليم بوقوع خطأ من قبل طالبان, فان ذلك لن يبرر قطعا ارتكاب خطأ آخر أفدح من قبل ايران اذا ما نفذت تهديدها وشنت حربا فعلية على طالبان, هي عمليا حرب على افغانستان, لن تدمر جارتها فحسب, بل ستمتد بآثارها السلبية على ايران نفسها ومجموعة من جاراتها في المنطقة, خاصة ان ايران نفسها لم تتعاف بعد تماما من آثار وذكريات حرب الثماني سنوات مع العراق. وبما أنه من الواضح والمعروف ان التهديدات المتبادلة, خاصة الايرانية منها, ليست اكثر من التعبير الحي للخلاف السياسي والعقائدي مع حركة طالبان, التي انتجهت سياسة العنف والتشدد, فألبت عليها الاصدقاء قبل الاعداء, فان حربا جديدة تخوضها أي من الحركة او ايران لن تكون سوى ضرب من الجنون, اكثر المتضررين منه هي الدول الاسلامية كلها, واكثر المستفيدين منه هي الدول التي تعتقد ايران وطالبان انها من الاعداء كاسرائيل وامريكا, فان ضبط النفس ليس الا التعبير الارق لما ينبغي ان تعتمده ايران وطالبان كسياسة لهما, فالحرب تكفيها كلمة لكي تندلع, ولكن لن تكفيها دماء لكي تتوقف.