يستخدم الفرنسيون مصطلح(الهدية المسمومة)اشارة ذكية منهم إلى نوعية معينة من الهدايا يقدمها أصحابها بسوء نية ولا تحمل أية اشارة من اشارات الاخلاص والمودة, مبهجة ومدهشة في ظاهرها ولكن ما خفي فيها أعظم وأدهى . وحينما يتعاظم إحساس المودة والحب في دواخلنا نذهب معه حتى النهاية وعندها يستنفر الحب طاقاته ويضعك أمام خيار التعبير عنه وإلا فإنه سيقضي عليك! ساعتها تفكر في الهدية ولا شيء آخر. الهدية في نهاية الأمر ليست هي المغزى والمطمح, انها الوسيلة لا أكثر, لتحقيق هدف أكثر سموا, الهدية رمز تعارفت عليه انسانية الانسان في كل صورها, الحب, الاخاء, التآلف بين الناس, المجاملة الرقيقة... الخ (الهدية المسمومة) حسب التعبير الفرنسي لا علاقة لها بهذا الرمز, انها رمز آخر لعوالم الشر والاحقاد ودناءة الانسانية في نفس صاحبها. الهدية قد تعبر عن حبك وأخوتك وذوقك, وفي نفس الوقت فهي سلاح الاعداء الأول للانتقام وتصفية الحسابات. الهدايا المسمومة التي تلقاها كلينتون من مونيكا, ستجعله يفكر مليون مرة قبل ان يتورط في مجرد التفكير بشراء هدية, هدايا مونيكا وكلينتون, قيل فيها الكثير لكنها من النوع الذي يبدو ان ظاهره الحب العابث والعاطفة المشبوبة, لكن كينيث ستار حولها إلى هدايا هلاك وأدلة تجريم ضد الرئيس. بين الأصدقاء تعتبر الهدية طقسا حميميا خاصا, وبين العشاق والمحبين هي لغة التعبير الأولى, اللغة الأحلى والأرق, وبين كبار الشخصيات هي المدخل لترسيخ العلاقات الطيبة وتعميق وتفعيل دور الدبلوماسية. دبلوماسية الهدية هي الأنجح من كل السياسات الدبلوماسية الأخرى, ولذلك تداولها الملوك منذ القدم وتداولها الناس منذ مرحلة ما بعد اختراع الأبجدية. أجمل ما في بعض الدول ــ كأمريكا مثلا ــ ان الهدية التي يتلقاها الرئيس تقع تحت عين القانون ورقابته حتى لا تفلت الأمور ــ أكثر من فلتانها الحالي في البيت الأبيض ــ ولذلك فالقانون هناك يعرف تحديدا كل ما يتلقاه الرئيس ويحدد له على وجه الدقة بماذا يحتفظ وما الذي يجب ان يدخل في أملاك الدولة! لولا هذه الضبطية القانونية لما عرف الناس شيئا عن ربطات العنق ومضارب الجولف... الخ التي أهدتها مونيكا للرئيس فأحكمت عليه الحصار... وكانت فضيحته وكان مقتله!! رد الهدية على صاحبها عيب كبير وقلة ذوق لا يقره العرف الاجتماعي, بين الرؤساء والدول يعتبر رد الهدية إهانة وإنذارا بالحرب, وبين الناس العاديين يعتبر نوعا من الانتقام وإعلانا للقطيعة. أشهر الهدايا المسمومة هدية ملك الروم لامرىء القيس وكانت عباءة, وقيل درعا نقعت في السم لبسها الشاعر فكان فيها هلاكه. حديث (تهادوا تحابوا) صحيح مائة في المائة, لكن احذروا بعض الهدايا وأكثروا من بعضها الآخر, وفي النهاية فإن من يهدي بصدق يقدم شيئا من قلبه مع هديته, ولذلك فالهدية الصادقة تدخل فرح الدنيا على الهادي والمهدى إليه, والهدية المجردة من مشاعر الصدق لا تغادر علبتها ولا تجملها كل أوراق التغليف المزركشة وكل الأشرطة الملونة.