رغم مرور اكثر من اسبوع على حادثة الاعتداء على عضوي مجلس الوزراء الايراني الاصلاحيين عبدالله نوري نائب الرئيس لشؤون التنمية وعطاء الله مهاجراني وزير الثقافة والناطق الرسمي باسم الحكومة, فان القضية لا تزال تتصدر اخبار وتحليلات الصحف المحلية سلبا او ايجابا . ورغم ادانة القوى السياسية باختلاف توجهاتها للاعتداء, وعدم تحمل اي طرف مسؤوليته عن المجموعات التي قامت بضرب المسؤولين الكبيرين امام الملأ العام وسط مراسم دينية ــ سياسية عامة تعتبر من المراسم القدسية التي لا يختلف عليها اثنان وهي صلاة الجمعة. الا ان الرأي العام الايراني لا يزال يتساءل عن الجهة التي تقف وراء المعتدين والاخطر من ذلك كيف يحصل مثل هذا الاعتداء امام اعين رجال الامن والشرطة دون ان يحركوا ساكنا وهم المسؤولون المباشرون عن امن المواطنين عامة فكيف بأمن رجال الدولة من الطراز الأول؟! وزير الداخلية الاسبق مستشار الرئيس محمد خاتمي حاليا واحد اقطاب التجمع الديني الراديكالي المعروف باليسار الديني علي اكبر محتشمي (كسرة الجرة) أو (بق البحصة) كما يقول: الناس في بلاد الشام قبل ايام اثناء العودة لمنبر العزاء الديني ليقول كلمة اعتاد الايرانيون ان يسمعوا عبرها بعض عبر التاريخ عن وفاة السيدة فاطمة الزهراء بنت النبي صلى الله عليه وسلم وزوجة الامام علي رضي الله عنه وعلاقة ذلك الحدث بالتاريخ المعاصر عندما قال: (إذا كانت فاطمة الزهراء قد تألمت, واذا كان قد حصل لها ما حصل كما تعرفون فان ذلك كله لم يحصل الا لأنها ارادت الدفاع عن القانون) . ثم طالب محتشمي الذي كان يتحدث بحضور الرئيس محمد خاتمي مرشد الثورة الاسلامية الايرانية ان يقيل قائد الشرطة لسببين اولا لأنه تخلف عن القيام بواجباته المكلف بها وثانياً وهو الاهم (لسلوكه الذي يوحي للناس بأنه مخالف لتطبيق القانون بأمر من المرشد وهو أمر يسيء للمرشد ولولاية الفقيه) . واعتبر محتشمي ما يحصل من سلوك البعض من قوى الضغط الخفية هذه الايام ضالا بالمرشد وبولاية الفقيه الى حد امكانية تعريضهما للقلع من الجذور نظرا لأن ما يحصل يبرر له باسم (الدفاع عن المرشد وعن ولاية الفقيه) . وبالفعل فان بيانات مجهولة قد صدرت في طهران باسماء حزب الله او انصار حزب الله حملت فيها عبدالله نوري ومهاجراني المسؤولية لما لقياه على ايدي المعتدين لانهما اما من خلال الدفاع عن المنشق آية الله منتظري كما فعل نوري او الدفاع عن علاقات الصداقة بين الشباب والشابات ما قبل الزواج كما فعل مهاجراني وكلاهما باتا بالنسبة لانصار حزب الله والمؤمنين من دعاة الليبرالية وانصار الهجوم على القيم الدينية والثورية الامر الذي جعلهما يستحقان مثل هذا الاعتداء) ! المتتبعون السياسيون لما يجري من سجالات علنية واخرى وراء الكواليس في اطار معركة مجلس خبراء القيادة المقررة في الثالث والعشرين من اكتوبر المقبل يقولون ان وراء الاكمة التي ظهرت يوم الاعتداء على نوري ومهاجراني ما وراءها. ويلخصون الامر كله بين منهجين او مقولتين فكريتين باتتا متبلورتين سياسيا بتجمعي الاصلاح والتغيير الذي يختبىء وراء موقع الرئاسة والمحافظة والتقليد الذي يختبىء وراء موقع الولاية. وبينما ينادي الاول ويدعو علنا الى اعتبار كل شيء يحصل في البلاد منوط بصناديق الاقتراع والقانون والدستور. فان الثاني يدعو وينظر علنا الى نظرية الولاية الالهية التي من حقها وحدها اضفاء المشروعية والمصداقية على صناديق الاقتراع والقانون والدستور. ن هنا فان من بات يطلق عليهم بالمحافظين او بتعبير ادق بالثيوقراطيين يتخوفون كثيراً من ان تسفر معركة مجلس الخبراء القادمة اذا ما تركت لصناديق الاقتراع وحدها ان تقول كلمة الفصل عن تغيير جديد في هيكلية النظام السياسي الحاكم بما يتلاءم وطروحات الاصلاحيين او بتعبير آخر الجمهوريين الداعية الى تصحيح مفهوم الولاية التقليدي النظري وتعديله بما يتلاءم والدستور او القانون الاساسي الذي يدعو نصا وروحا الى ضرورة اعمال الرقابة الدائمة اليومية على مرشد الثورة عبر مجلس الخبراء المنتخب من الشعب. وتاليا الى ادخال عناصر جديدة على مجلس الخبراء من اهل الاختصاص والخبرة في شؤون السياسة والعسكر والامن والاقتصاد والثقافة وكذلك ادخال العنصر النسائي وعدم الاكتفاء برجال دين متفقهين كما كانت الحالة عليه حتى الآن. هذا بالاضافة الى اضفاء الحيوية الدائمة على هذا المجلس لتصبح جلساته ومناقشاته علنية او كحد ادنى تقديم تقارير دورية للجمهور بما يحصل في تلك الجلسات وليس كما كانت عليه الحال حتى الآن في الدورتين السابقتين (كل دورة سبع سنوات) اذ لم يسمع ولا كلمة مفيدة واحدة عما دار من مناقشات داخل هذا المجلس طوال الاربعة عشر عاما الماضية. وهنا يسجل الاصلاحيون ملاحظة فورية وعاجلة بقولهم بأن مشكلتهم ليست مع المرشد الحالي بقدر ما هي مع تكتل المحافظين المختبىء وراء المرشد لحماية مصالح التكتل الفئوية والذاتية باسم ولاية الفقيه وعبر تنظيره لمقولة الولاية بما يتلاءم وممارساته السياسية البالية. وعندما يأتي محتشمي اليوم و(يبقي البحصة) اذا جاز لنا هذا التعبير فانه يطالب المرشد الحالي عمليا بكشف هذا التلاعب او بتصحيح الصورة وعرضها كما هي دون رتوش المحافظين وتاليا تحديد موقفه النهائى في المجال الدائر بين التكتلين بما يرفع الشبهات المحيطة بالموقع الذي يمثله في قمة هرم السلطة. بالمقابل فان المحافظين او الثيوقراطيين يقولون بان من بين الاصلاحيين الذين يختبئون وراء موقع الرئاسة اليوم ممن لا يؤمنون اصلا بنظرية ولاية الفقيه او لم يعودوا يؤمنون بها او في احسن الاحوال ممن ينادون بتحويل المرشد الى صورة اشبه ما تكون بالملكة اليزابيث في بريطانيا التي تملك ولا تحكم مما يرون فيه خطورة تحول الدولة بمرور الايام الى دولة علمانية لا يبقى فيها للدين الا اسمه وللقرآن الا رسمه! المحللون السياسيون من دعاة المجتمع المدني الاسلامي بدورهم يقولون بالمقابل بان افضل ضمانة لعدم ضياع الدين وافضل حماية لنظرية ولاية الفقيه هو في ابعاد هذه النظرية عن كل شبهات الاستبداد والديكتاتورية وعرض الدين على حقيقته حسب مستجدات العصر وفي اطار دستور البلاد المدون بما يعني الدعوة الى الديمقراطية والتعددية الحزبية والسياسية كسلاح عصري حديث للدفاع عن منجزات الثورة الدينية. ويضربون مثلا على نجاح مثل هذه التجربة في انتخابات الرئاسة الاخيرة التي أفرزت الظاهرة الخاتمية الرئيس محمد خاتمي والذي بات بنظرهم يشكل صمام الامان الاهم امام اخطار تكلس الثورة او انفجارها من الداخل. ويعتبر الخاتميون ان المرجع الاساسي في كل هذه المجالات هو دائماً الامام الخميني باعتباره المؤسس للجمهورية الاسلامية والنظام السياسي المنبثق عنها. يقول الامام الخميني في اجتماع له مع جمع من علماء طهران: (ان الفقيه لا يريد ان يحكم الناس بالقوة والعنف. والفقيه الذي يعمل خلاف ذلك اي يمارس ولاية الفقيه بالقوة والعنف فان ولايته تسقط على الفور. ففي الاسلام القانوني هو الذي يحكم, حتى النبي الاكرم صلى الله عليه وسلم كان تابعا للقانون. القانون الالهي.. ان ولاية الفقيه تعني النظارة على المجلس والرئيس وسائر الاجهزة حتى لا ترتكب المخالفات القانونية.. اي الوقوف بوجه صعود الديكتاتورية) . وعن الحالات الاستثنائية لتدخل ولي الفقيه او المرشد يقول الامام الخميني في اجتماع آخر: (في نظام الجمهورية الاسلامية لا يحق لاحد ايا كان ان يفرض رأيه على الآخرين. واتمنى ألا نشهد مثل هذا اليوم ابدا ــ نعم قد يحصل شيء من هذا القبيل عندما يتعرض الاسلام كله او كرامة النظام وسمعته للخطر, ومع ذلك فان الاقدام على خطوة فردية من هذا النوع لا يجوز ان تحصل الا بالعودة الى الخبراء والمتخصصين في كل حالة) . يمكن القول اذن بان المعركة التي تصاعدت مؤخراً بين الاصلاحيين والمحافظين لتصل الى حد الاعتداء على وزيرين في الحكومة وامام اعين الملأ وعيون الشرطة والدرك لاتزال هي المعركة الاساسية التي فتحت عشية انتخابات الرئاسة الاخيرة بين دعاة اشاعة الحريات وتقنينها وممارسة الديمقراطية عبر المساءلة الشعبية المستمرة والخضوع للدستور نصا وروحا باعتباره الوثيقة التاريخية الوحيدة التي تضمن الوفاق الوطني. وبين دعاة تكبيل الحريات او تحديدها حسب المنافع الفئوية والمصالح الطبقية وبما يتلاءم مع كل مرحلة من مراحل الحكم بحجة الحفاظ على الدين والنظام. وكما تبين فان ولاية الفقيه الدستورية المدونة براء من مثل هذه الطروحات خاصة وان النص الدستوري يدعو صراحة إلى (ممارسة الناس حقهم في تقرير مصيرهم بانفسهم) الذي منحهم الله اياه. وليس قيامهم بواجبهم وتكلفهم تجاه من يختاره اهل الحل والعقد بعيدا عن صناديق الاقتراع كما يزعم الثيوقراطيون. كاتب ومحلل سياسي ايراني*