بعد مضي خمس سنوات على توقيع اتفاقيات أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل وبعد تطبيق بعض بنود هذه الاتفاقيات وتعثر تطبيق بعضها الآخر يثور التساؤل حول مستقبل اتفاقيات أوسلو في ظل الواقع الاسرائيلي والعربي والدولي . في البداية لابد من الاشارة إلى ان اتفاقيات أوسلو حققت مكسبا أساسيا لاسرائيل وهو القبول النهائي بوجود الكيان الاسرائيلي والإقرار بشرعية احتلاله لفلسطين, كما ان الاتفاقيات لم تعط الطرف الفلسطيني إلا أقل القليل وتجاهلت كافة القضايا الأساسية , وفي مقدمتها مصير لاجئي عام 1948 ووضع مدينة القدس والمستوطنات الاسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة وذلك نتيجة لطبيعة توازن القوى المختل بشدة لصالح اسرائيل ازاء الفلسطينيين. وفي الوقت نفسه حققت اتفاقيات أوسلو بعض المكاسب للفلسطينيين أولها اعتراف اسرائيل والولايات المتحدة بمنظمة التحرير الفلسطينية بعد ان كانتا تصران على رفض الاعتراف بها ووصفها بأنها منظمة ارهابية تسعى لتدمير اسرائيل, ولكن بعد اتفاقيات أوسلو أصبحت اسرائيل والولايات المتحدة تعترفان بالمنظمة باعتبارها ممثلاً للشعب الفلسطيني وطرفا أساسيا في عملية السلام بالشرق الأوسط. ثاني المكاسب الفلسطينية هو عودة منظمة التحرير الفلسطينية إلى قطاع غزة والضفة الغربية حيث أصبحت القيادة الفلسطينية تعايش الشعب الفلسطيني بعد ان كانت بعيدة عنه, وأصبحت للمنظمة مؤسسات مدنية متعددة تكتسب كل يوم مزيدا من الخبرة في ادارة شؤون الفلسطينيين في اطار الحكم الذاتي تمهيدا لقيام الدولة الفلسطينية. المكسب الثالث هو تحقيق قدر من الاستقرار والأمن للشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية. فبالرغم من استمرار سياسة القمع التي تمارسها قوات الاحتلال الاسرائيلي إزاء الفلسطينيين خاصة بالضفة الغربية فإن وجود مؤسسات الحكم الذاتي الفلسطيني خاصة الشرطة الفلسطينية قد ساعدت على تهدئة الأوضاع إلى حد كبير, مما أسهم في استقرار الأوضاع الحياتية للشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية. في ضوء هذه المكاسب المتبادلة بين اسرائيل والفلسطينيين يمكن بحث مستقبل هذه الاتفاقيات بعد حالة الجمود التي أصابت عملية السلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين. ويمكن القول انه في المستقبل القريب ليس هناك مؤشر للخروج من حالة الجمود هذه وذلك في ظل استمرار المراوغة من قبل رئيس الوزراء الاسرائيلي نتانياهو والذي يرفض الانسحاب من نسبة 13.1% فقط من مساحة الضفة الغربية ويواصل تذرعه بأن موقفه هذا هو ما يجمع عليه تحالف اليمين الاسرائيلي المتشدد وانه لا يستطيع ان يقدم على خطوة قد تؤدي إلى انسلاخ أحد أطراف التحالف وسقوط الحكومة, وفي ظل هذا الوضع من المتوقع استمرار عمليات الاستيطان الاسرائيلي وتكريس أمر واقع سواء في الضفة الغربية أو في القدس, ومن ثم يتم تدمير أسس التفاوض حسب مرجعية مؤتمر مدريد, ولا تتم عملية اعادة الانتشار على المراحل التي تم الاتفاق عليها في اتفاقيات أوسلو والخليل سواء تلك التي كانت مع رئيس الوزراء الاسرائيلي الأسبق رابين أو مع نتانياهو نفسه, وفي هذه الصورة أيضا تستمر جهود دولية محدودة لا تلبث ان تتحطم على صخرة التعنت الاسرائيلي , وهذه الجهود أو المبادرات سوف تنطلق حسب الحاجة والظروف, فعندما تخشى الأطراف الدولية (الطرف الأمريكي خاصة) ان الهوة بين مواقف الأطراف تهدد بتدهور الأوضاع, فإنه يتم إطلاق مبادرة لامتصاص حدة الغضب على الجانب العربي والفلسطيني ولاختيار موقف حكومة اسرائيل, هذا ما كان تحديدا مع مبادرة الـ 13.1% الأمريكية, فعندما كانت العملية السلمية أمام حائط هدد بتفجير الأوضاع في الأراضي الفلسطينية, وأطلقت واشنطن مبادرتها وهي مبادرة لا تحقق الحد الأدنى من مطالب الطرف الفلسطيني, ولكن بالرغم من ذلك فهي مفيدة لكل أطرافها لأنها تشعر الكل بأن عملية السلام لا زالت حية, وان جهود واشنطن لا زالت مستمرة, وان المياه ليست راكدة تماما, كما انها توجه سلسلة من الجدل والنقاش تنتهي إلى ان يصبح الأساس الأصلي للتباحث ليس ذا مرجعية واحدة, وتتوارى تدريجيا مرجعيتا مدريد وأوسلو. كما ان هذه المبادرات من جانب آخر لها قيمة ازاء الرأي العام الداخلي سواء في الدول العربية أو في واشنطن وإسرائيل فهي على المستوى العربي تهدف إلى تهدئة الفلسطينيين الخاضعين لسلطة الاحتلال الاسرائيلي أو لتلطف الوضع بعد حادث مأساوي يموت فيه بعض الفلسطينيين أو بعد انتهاك لحرمة الأماكن المقدسة المسجد الأقصى مثلاً. فضلا عن تأثيرات ذلك على الرأي العام في الدول العربية الأخرى , وهي في داخل الولايات المتحدة تعطي الانطباع باستمرار الدور الأمريكي الراعي لعملية التسوية, ثم انها ذات أهمية كبيرة للرأي العام الاسرائيلي حيث تظهر الحكومة الاسرائيلية بمظهر الحريص على أمن شعبها وسلامته وان مواقفها لا تقرر في واشنطن وان نتانياهو حريص على استقلالية القرار السياسي الاسرائيلي في الوقت الذي يمطئن فيه إلى عدم قيام الادارة الأمريكية بممارسة ضغوط جادة على اسرائيل لتغير مواقفها, وقد يكون الوضع الراهن بالفعل وضعا مفضلا من وجهة نظر حكومة الليكود على أساس انه يحقق تعبئة داخلية وتأييدا واسعا لنتانياهو تمكنه من الفوز في الانتخابات القادمة في عام 2000 كما انه على المدى البعيد قد يحدث خلافات داخل الساحة الفلسطينية والعربية وهذا هو مجال آخر للرهان. فباستمرار هذا الوضع وامتناع اسرائيل عن تنفيذ بنود اتفاقيات أوسلو سوف يؤثر على التوازنات السياسة داخل المحيط الفلسطيني وسوف يعطي للأطراف الداعية إلى التشدد تلك التي شككت منذ البداية بسلامة الخط السياسي الذي انتهجته قيادة منظمة التحرير فرصة لترويج وجهة نظرها وسوف يكون المناخ النفسي والسياسي محبذا لها, وقد استطاعت القيادة الفلسطينية حتى الآن ان تجمع الجزء الأكبر من الشعب الفلسطيني حولها وان تضبط سلوك حماس ولكن إلى متى تستطيع ان تفعل ذلك بنجاح في ضوء المطالب الاسرائيلية بمطاردة النشطاء من المعارضين وتدمير (البنية التحتية للارهاب) بحيث تصبح هذه السلطة أداة معاونة لضمان أمن اسرائيل, ثم ان استمرار هذا الوضع وإذا أخذنا في الاعتبار ما يحدث في جنوب لبنان والتفاعلات بين حماس وحزب الله وأيضا أعمال العنف التي قد تصدر من المتطرفين اليهود فإنه من المتصور ان تحدث عمليات انتحارية في قلب اسرائيل على غرار ما حدث في بداية عام 1996 في القدس وتل أبيب وسوف يؤدي ذلك إلى ردود فعل اسرائيلية تقود بدورها إلى مزيد من تدهور الأوضاع السياسية والعسكرية. إن الوضع الراهن لعملية السلام خاصة بين الاسرائيليين والفلسطينيين يعبر عن مأزق حقيقي, فالحكومة الاسرائيلية لا يمكنها الاستمرار في سياسة كسب الوقت إلى مالا نهاية كذلك فإن القيادة الفلسطينية وبالمثل الدول العربية لا تستطيع الاستمرار في تبرير الشعور بأن عملية التسوية لازالت مجدية خوفا من مواجهة البديل. لكن بأي حال فإن استمرار الوضع الراهن يعني مزيدا من اليأس والإحباط العربي والفلسطيني من ثم احتمال انبعاث أعمال العنف من جديد بأشكاله المختلفة ومما يزيد من هذا الاحتمال الأخير هو ما أعلنته القيادة الفلسطينية من انها ستعلن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة في مايو القادم وهو قرار من حق القيادة الفلسطينية ان تتخذه أيا كانت نتائجه ومن هذه النتائج ما هو إيجابي مثل المساندة العربية والإسلامية الواسعة لهذا القرار باعتباره حقا مشروعا للشعب الفلسطيني. أما النتيجة الأخرى المحتملة فهي احتمال قيام القوات الاسرائيلية باعادة احتلال أراضي الحكم الذاتي الفلسطيني واندلاع مواجهات مسلحة مع الفلسطينيين, ومن هنا فإن المستقبل القريب مليء باحتمالات العنف وعدم الاستقرار في العلاقات العربية الإسرائيلية بصفة عامة والعلاقات الفلسطينية الاسرائيلية بصفة خاصة, الأمر الذي يتطلب من الدول العربية ضرورة تنسيق مواقفها على أعلى مستوى وهو ما يعني ضرورة عقد القمة العربية الشاملة التي طال انتظارها من قبل الشعوب العربية. ان هذه القمة تمثل ضرورة قومية عاجلة لوضع استراتيجية عربية لمواجهة التعنت الاسرائيلي والموافقة الأمريكية الضمنية على هذا التعنت. إن هذه القمة العربية سوف تمثل نقلة نوعية في ميزان القوى العربي الاسرائيلي إذا نجحت في رأب الصدع العربي واستجماع القوى العربية الكامنة لمواجهة التحدي الاسرائيلي. باحث مصري* بناء المستوطنات لم يتوقف