EMTC

بين مد السبعينات واستضعاف التسعينات: بقلم- محمد الخولي

في مثل هذه الايام منذ 48عاما, بالتحديد في 17سبتمبر عام 1960سمع العالم, لأول مرة, خطابا باللغة العربية من فوق منبر الامم المتحدة . كانت المنظمة الدولية قد عقدت في تلك المناسبة دورتها التاريخية المشهودة والمشهورة باسم (دورة الرؤساء) وقد حضرها عشرات من رؤساء الدول والحكومات في قمة عالمية قصدت الى دعم وتكريس المنظمة الدولية بمناسبة انقضاء 15 عاما وقتها على تأسيسها. ومن هنا جاء نهرو من الهند وجاء تيتو من يوغسلافيا (الموحدة والمعززة في ذلك الزمان) وجاء ايزنهاور من واشنطن وجاء كاسترو من امريكا اللاتينية وجاء ماكميلان من انجلترا ونيكيتا خروشوف من الاتحاد السوفييتي ومن الوطني العربي جاء الزعيم جمال عبدالناصر وهو الذي أرسى تقليد مخاطبة العالم من فوق منبر الامم المتحدة في نيويورك باللغة العربية آية على تشريف لغة العرب وتأكيدا على كونها الوشيجة الاولى والآصرة الجوهرية التي يرتكز عليها الانتماء العروبي والكيان القومي لأمة العرب في الواقع وفي التاريخ. خطاب النحاس باشا بداية سبق للغة العربية ان انتقلت على امواج الاثير قبل ذلك التاريخ بنحو ربع قرن حين نقلت شركة الاذاعة البريطانية خطاب النحاس باشا باللغة العربية ضمن وقائع الاحتفال بتوقيع معاهدة 1936 بين مصر وبريطانيا في قاعة لوكارنو في لندن, وكان ذلك بالتحديد في 26 اغسطس عام 1936 وبعد هذين التاريخين جاء عام 1974 ليشكل بدوره علامة بارزة وفارقة في التاريخ المعاصر للغة العربية فهو العام الذي شهد استخدام اللغة العربية والاعتراف بها بوصفها واحدة من اللغات الرسمية الست لمنظمة الامم المتحدة بل لمنظومة ــ اسرة ــ الامم المتحدة الدولية التي تشمل البرامج واللجان والهيئات والوكالات المتخصصة المنبثة في طول العالم وعرضه. وبهذا كانت العربية هي آخر العنقود في مجموعة اللغات العالمية وهي الانجليزية والفرنسية والاسبانية والروسية والصينية ثم اللغة العربية. والسؤال المطروح هو: لماذا عام 1974 بالذات؟ قد تساق لاجابة في نقاط موحدة على النحو التالي انه العام الذي تجلت فيه أولى ثمار احترام العالم للعرب بعد الأداء العسكري المشهود على جبهتي قناة السويس وسيناء المصرية والمرتفعات السورية في معارك اكتوبر تشرين عام 1973 صحيح ان حرب الاستنزاف التي دامت عدة سنوات خاصة على جبهة قناة السويس أكدت ارادة العرب في رفض الهزيمة وفي استجماع ارادة الصمود, إلا ان عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف فضلا عن التقدم السوري على جبهة القتال الشمالية, أثبتا للعالم قدرة العرب على ادارة الصراع العسكري باستخدام أسلحة وأساليب العصر وفي مقدمتها الادوات الألكترونية المعقدة, اضافة إلى تحطيم اسطورة العدو العسكري الصهيوني وقواته التي لا تقهر, ويمكن القول ان العرب بعد معارك اكتوبر/ تشرين وقد شارف عمرها اليوم على ربع القرن قد باتوا يؤخذون على محمل الجد والاحترام بما في ذلك اعرافهم ولغتهم وكلمتهم وتوجهاتهم. قرارات حظر النفط عام 1974 هو الذي شهد أيضا تنفيذ القرار القوي العربي بحظر النفط تجسيدا لارادة عربية موحدة من جهة ومدركة لأسباب قوتها وفعالية تأثيرها من جهة أخرى, وهكذا جاء الأداء العسكري البارع للقوات العربية المسلحة رسالة أثارت اهتمام رجال السياسة والاستراتيجية بهذا الشأن العربي ثم جاءت قرارات الزج بالموارد النفطية العربية لخدمة معركة المصير القومي رسالة أخرى وصلت إلى جيب واهتمام المواطن العادي في أوروبا وفي أمريكا, وهو الانسان الذي تناوشته ــ ولعلها لا تزال ـ أجهزة الاعلام الغربية كي تشوه في وجدانه وفي مفهومه حقوق العرب المشروعة وصورتهم كأمة لها احترامها وتاريخها وقدرها وجدارتها في ميزان الالم واقدار الشعوب. وفي ضوء هذه الايجابيات تحركت دول واوساط عربية شتى في طليعتها مثلا ليبيا مطالبة بان تكون اللغة العربية واحدة من لغات الامم المتحدة وعارضة في الوقت نفسه ان تتحمل النفقات المبدئية على شكل موارد من خارج الميزانية العادية للمنظمة الدولية في سبيل تحويل هذا الطلب الى قرارات عملية واجبة التنفيذ وفي ضوء الايجابيات ايضا قضت المصادفات التاريخية السعيدة ان يحظى التمثيل العربي في الامم المتحدة بعدد من ابرز نجوم الدبلوماسية العربية المعاصرة من حيث الكفاءة والاقتدار والخبرة وفعالية التأثير كان على رأسهم فايز صايغ ممثلا لدولة الكويت وجميل البارودي ممثلا للمملكة العربية السعودية. وجاء ياسر عرفات ولم يكن صدفه اذن ان كان عام 1974 هو المناسبة التي حملت ياسر عرفات, ولاول مرة ــ الى نيويورك بوصفه رئيسا لمنظمة التحرير وممثلا بالتالي لاكبر حركة تحرر وطني عربي معاصر كي يلقى من فوق منبر الامم المتحدة خطابه الشهير الذي تناقلت عنوانه او جوهره وسائل الاعلام الدولية وهو: لا تسقطوا غصن الزيتون من يدي..) ولا كان صدفة بالتالي ان جاءت دورة عام 1974 وهي الدورة التاسعة والعشرون للجمعية العامة للامم لتكون اول دورة تستخدم فيها اللغة العربية بشكل رسمي وعلى قدم المساواة مع اللغات الرسمية الخمس الاخرى في الوثائق والمنشورات والمطبوعات والمداولات الشفوية والمحاضر المسجله الصادرة عن المنظمة الدولية العتيدة, ولاننا, علم الله, امة الفرص الضائعة للاسف الشديد, فقد اهدرنا هذه الفرصة التي رفعت لغتنا, وهي كما اسلفنا في حديث سبق, عماد وجودنا القومي وثقافتنا المشتركة فاذا بها وفد اصبحت عبر ربع القرن الاخير, وحتى الآن لغة مهدرة الامكانات, مهددة الكيان, مستضعفة مضيعة في داخل اقطارنا وعلى السنة اجيال من شعوبنا. والانكى والادهى ان يتم ذلك, لا لحساب وسيلة لغوية أرقى ولو من باب الافتراض الجدلي, ولكن لحساب مزيج من الهجنة والعجمة واللعثمة الفكرية والاستلحاق او الاستتباع اللغوي المقيت حيث تصبح لغتنا مجرد ذيل لالسنة اخرى مستوردة وليتنا نحسن استيرادها او في استخدامها على الوجه السليم والصحيح. وحيث أصبحت وسائلنا الاتصالية تمضي في الاستغراب او التغريب باستخدام رطانات اخرى تفارق بين اجيالنا الناشئة وبين اعراف مجتمعها وتراث امتها الذي تراكم بجهد شاق ونضال كان ينحت في الصخر عبر القرون وهي نفس الرطانات المشبعة بالفهاهة والركاكة والسوقية مما اشاع مزيدا من البلبلة بين افراد الامة وجعل التواصل بينهم بحاجة الى ترجمان بل وادى الى ان اصبح استخدام العربية علامة على التخلف (تصور!) او الرجعية او السلفية الفكرية المرفوضة ناهيك عن ان يستخدم المرء اللغة الفصحى فاذا به موضع تندر قد يخفيه السامع تأدبا, ولكن ها هي التمثيليات والمسرحيات والتهريجيات والمساخر تعلنه على رؤوس الاشهاد عندما تشبعه سخرا وتهكما وتنديدا الى حد ليس بالقليل ولعل اول ما اصاب لغتنا في الصميم هو ذلك الانحراف بألفاظها الاصلية بعيدا عن المضامين الحقيقية التي لابد وان تنصرف اليها او تصدق عليها تلك الالفاظ. الاعيب اهل السياسة انظر مثلا الى اهل السياسة ومعهم طائفة لانخالها تستحي من اهل الاقتصاد.. انهم يعلنون مثلا شعارا يقول تحريك الاسعار وقبل ان يتداول القوم فيما بينهم حول المعنى الحقيقي لحكاية التحريك.. اذا بالاسعار ترتفع والغلاء يستفحل وامكانية تلبية الاحتياجات الاساسية تعز وتبتعد عن قدرة الفقراء بل ومتوسطي الحال في مجال السلع والخدمات. ولقد أتى على أمتنا وعلى لغتنا الشريفة حين من الدهر ــ في عقد السبعينات بالذات, تعرضت فيها اللغة العربية لهذا النوع من التلاعب أو التشويه الى حد يصدق عليه مقولة تحريف الكلم عن مواضعه, بمعنى تحويل مسار المعاني الى وجهات مغايرة لما تقصده فلسفة اللغة المتعارف عليها أصلاً بين متكلميها أو هو العبث والغواية والتضليل في تلك المسارات. أرأيت مثلاً الى معسكر استقبال المجندين الجدد في الجيش المصري في السبعينات وقد رفع لافتة يطالعها الشباب المتحفز الى حياة العسكرية وتقول اللافتة. ــ مرحبا .. جنود .. السلام! وكيف يستقيم أن معنى التجنيد وهو أصلاً إعداد الشاب لغائلة الحرب وشظف القتال وتزويده بثقافة الصدام ضد العدو وليست الحرب مجرد خوض لمعارك بل هي الاستعداد لخوض المعارك ومداومة التدريب على ذلك واتخاذ أهبة الاستعداد وأسباب الجاهزية (كما يقول أخوتنا في الشام وشحذ وصقل ارادة القتال إذا ما استدعى الأمر خوض غمرات القتال وهو ما يشير اليه الكتاب الكريم حين يأمر أهل الملة بأن يعدوا لهم ما استطاعوا من قوة .. من أجل أن يرهبوا ــ بمعنى أن يردعوا عدو الله الظاهر الماثل عبر الحدود ويروعوا الآخرين من أفراد طابور التجسس الخامس الباطن الذي قد لا يعلمه الناس ولكن يعلمه رب العالمين. وكيف يتم هذا الإعداد وهذا التجهيز بأقصى (ما استطعتم من قوة لزوم الردع واشاعة الرهبة في نفوس الأعداء بينما يرفعون شعار جند السلام امام شباب المجندين منذ اولى لحظات التجنيد. هو نفس المنطلق الذي صدر عنه الجدل حول موضوع القواعد العسكرية الممنوحة لدول اجنبية على ارض مصر وكان ذلك بدوره في عقد السبعينات يومها رفضت العناصر الوطنية منح قواعد لاي طرف اجنبي واكدت ان النضال الوطني ربما منذ اوائل هذا القرن بذل الدماء وقدم التضحيات إلى مراقي الشهادة رفضا لمثل هذه القواعد التي تهدد امن الوطن بل وامن الامة العربية بأسرها, يومها رد المتلاعبون باللغة ومعانيها, واللغة ومصطلحاتها قائلين: ــ الذي منحناه ليس بالقواعد, ولكنها (تسهيلات) وكفى الله المؤمنين هل تريد أمثلة اخرى على الفتك بمعاني لغتنا أو هذا التغرير اللغوي الذي يدور من حول المشكلات. وهناك مثلا مقولة (سلام الشجعان) فتأمل ما آلت اليه في اراضينا المحتلة ودونك ايضا مقولة فوائد البنوك حرام فلا تأخذوها خوفا من شبهة الربا, ولكن يمكن ان تأخذوها اذا اعتبرتموها (عوائد البنوك) . ودونك ايضا مقولة ما اشد طرافتها وحدثت في عهد الزعيم عبدالناصر, اراد القائمون على امر التنظيم السياسي وقتها ان يمنعوا بعض العناصر من الترشيح لعضوية التنظيم السياسي الحاكم (الاتحاد الاشتراكي العربي) فاعلنوا شعارا يقول هناك مرشحون مقبولون ولكن هناك مرشحون (مدخرون) ويومها تساءل الرئيس نفسه اذ بلغته شكوى الناس: ــ مدخرون لماذا ... وإلى متى؟ ولم يجد المسؤولون جوابا .. ان هي الا (تماحيك) السياسيين كانت اللغة المسكينة ضحيتها. ويومها ايضا امر الرجل بفتح باب الترشيح امام الجميع. وفي امريكا ايضا ولعل أمريكا بالذات هي اكبر بلد يتلاعب بمفاهيم اللغة ومصطلحاتها.. ولعلنا قد امعنا في استيراد هذا الاسلوب التغريري ضمن ما نستورده من الولايات المتحدة انظر حال الموظف الذي قد يكون اختصاصيا ضليعا او مديرا متنفذا في هذه المؤسسة او تلك.. يقرأ او يسمع في اجتماعات مجلس الادارة شعارات من قبيل. صورة تحجيم المؤسسة. او تنحيف قوام الشركة او الاستعانة بمصادر خارجية او اعادة توزيع الموارد البشرية او ترشيد استخدام الامكانات ساعتها ينشف ريق السيد السند وقد ترتعد فرائصه فهو أدرى بما تصرف اليه هذه العبارات التي قد تبدو في ظاهرها براءة لغوية لا غبار عليها, ولكنها تحمل في باطنها توقعات الفصل والرفض وقطع الارزاق عندنا, وعندهم ايضا تلاميذ مخلصون للاسف لمدرسة, (وزارة الحقيقة) التي ابدعها خيال الروائي الانجليزي جورج او رديل في رواية (عام 1984) وهي الوزارة التي تخصصت في صراع الناس وتزييف المفاهيم والتضليل بالشعارات والامساك بخناق اللغة من اجل ان يلوى عنصر المصطلحات بعيدا عن الحق والحقيقة ولخدمة اغراض الانتهازية السياسية كيف لا, وقد كان ابلغ شعاراتها يقول: كل الناس ولدوا احرارا واكفاء متساوين ولكن بعض الناس (اكثر) مساواة من الآخرين!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات