تنتهي في مايو المقبل فترة الخمس سنوات الانتقالية التي نص عليها اتفاق اوسلو, وكان من المفترض ان تنتهي في ذات الوقت مفاوضات الحل النهائي, التي تعطي الصورة النهائية للحل الفلسطيني ــ الاسرائيلي , الا ان الطرف الاسرائيلي ومنذ رئاسة اسحاق رابين للوزارة الاسرائىلية اعلن ان لا مواعيد مقدسة, ومع مجيء الليكود الى السلطة بزعامة نتانياهو, لم يتم ضرب المواعيد بشكل سافر فحسب, بل تم العمل بشكل حثيث على خنق اتفاق اوسلو حتى تحول الى جثة هامدة بفعل السياسات الهدامة والتي تنطلق اساسا من التعامل مع المشكلة الفلسطينية على قاعدة انها مشكلة امنية لاسرائيل, وعلى الطرف الفلسطيني أن يحمي امن اسرائىل اي انه يحتاج الى سلطة فلسطينية يكون سقفها (النموذج اللحدي) في جنوب لبنان. لذلك نجد أجندة نتانياهو هي اجندة امنية من النقطة الاولى إلى النقطة الاخيرة لا ترى الشيرك الآخر في المفاوضات الا بوصفه منفذا للاشتراطات الاسرائىلية. هذه السياسة الاسرائيلية عملت على قتل العملية بتفريغها من مضامينها وتحويلها الى لقاءات للمفاوضات الفارغة والتي تحولت إلى حوار طرشان. خاصة في ظل الموقف الامريكي العاجز ليس عن ممارسة ضغوط على اسرائيل فحسب بل العاجز عن اتخاذ موقف واضح بتحديد المسؤول عن افشال المبادرة الامريكية التي لا تزال الى الآن غير معلنة. كما ان سياسة المفاوضات من اجل المفاوضات تتبعها حكومة نتانياهو, تكسبها الوقت الذي تقوم خلاله بفرض وقائع على الأرض, سواء في القدس من خلال الاجراءات الاسرائيلية بهدم المنازل وسحب هويات الفلسطينيين والاستيلاء على بيوت جديدة داخل مدينة القدس القديمة وفي محيط المدينة. وسواء من خلال تسمين المستوطنات وتعزيزها في مواجهة أي مطالب فلسطينية. ان ترك الطرف الفلسطيني الضعيف بين انياب حكومة نتانياهو, يضعه في ظروف يائسة في مواجهة الصلف والتعنت والقوة الاسرائيلية العارية, ففي الوقت الذي تملك اسرائيل اسباب القوة لفرض الوقائع على الارض الفلسطينية, فان الطرف الفلسطيني محاصر بهذه القوة العارية, ويتم كل يوم خسارة ارض جديدة امام السياسة التوسعية لحكومة نتانياهو في وقت لا تجد السلطة الفلسطينية الوسائل لردع هذه السياسة لا من خلال الدور الاوروبي المشلول, ولا من خلال الوضع العربي العاجز. عندما وافقت القيادة الفلسطينية على اتفاق اوسلو اعتبرته اتفاقا مجحفا, ولكن يمكن البدء به وتطويره, الى حل أقل اجحافا, وبعد أربع سنوات, وجدت القيادة الفلسطينية نفسها غارقة في مفاوضات تفصيلية لا تؤدي الى شيء, مما جعل العملية كلها موضع تساؤل من قبل القيادة نفسها, وتحول اتفاق اوسلو وفقا لسياسة حكومة نتانياهو الى مطلب بعيد المدى وسقف لا يمكن الوصول اليه, واصبح من الواضح للقيادة الفلسطينية ان العملية ستقفل ابوابها على ما تم انجازه كحل نهائي, وان حكومة نتانياهو لن تتقدم خطوة اخرى الى الامام واذا تقدمت في اطار المبادرة الامريكية الداعية الى الانسحاب من 13 في المائة من الضفة الغربية, فان هذه الخطوة ستكون الخطوة الاخيرة التي يغلق بعدها الملف بصورة نهائية. امام هذه الشروط القاسية لعملية المفاوضات التي يعاني منها الفلسطينيون ولأنهم غير قادرين على فرض وقائع على الارض فان امامهم العديد من الخيارات لمواجهة السياسة الاسرائيلية, دون الاخلال بالتزاماتها التي تفرضها هذه الاتفاقات عليها. وبعيدا عن تفاصيل المفاوضات الجارية خلال العامين الماضيين فان دخول الفلسطينيين هذه المفاوضات كان يستند إلى ان نهاية العملية سيكون حقهم في تقرير مصيرهم كحق ضمنته الشرائع الدولية, ومن حقهم طالما ان اسرائيل تسعى الى خنق اي حل, ان يمارسوا حقهم في تقرير مصيرهم كأي شعب من شعوب الارض. واذا كان التراكم التاريخي للصراع يحتاج الى معالجة غير تقليدية من الجانب الاسرائيلي, غير قادة او راغبة بالاقدام عليه, لاعتقادها بأن ثمن هذا الحل سيكون مرتفعا, فان الجانب الفلسطيني يستطيع ان يتخذ هذه الخطوة باعلان الدولة الفلسطينية كما وعد الرئيس عرفات. فالمشكلة في الاراضي الفلسطينية هي مشكلة الاحتلال, واعتبار اسرائىل لهذه الارض انها ارض متنازع عليها. وان اهمية الخطوة تقوم على اعادة الاعتبار لما تعرض له الفلسطينيون في اطار الصراع من سياسات الالغاء المتضامنة بين اسرائيل والوضع الدولي, جعل النضال يتمركز بشكل اساسي حول اثبات الوجود والحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية التي تعرضت خلال قرن لكل محاولات المحو والالغاء. بذلك يكون الحق في الاستقلال الوطني واعادة تظهير الوجود الفلسطيني عبر مؤسسات فلسطينية مستقلة تقوم بالتعبير عن الهوية الوطنية الفلسطينية من خلال دولة فلسطينية, هو الحل للمشكلة الوجودية للفلسطينيين والتي عانوا منها طوال تاريخهم. وإذا كانت اسرائيل غير قادرة على اتخاذ هذه الخطوة فان الطرف الفلسطيني يستطيع اتخاذ هذه الخطوة رغم كل المخاطر التي تحيط بمثل هذه الخطوة. ان الإشكال الذي تعاني منه التسوية يقوم على النظرة الاسرائيلية لها, لأن الحزبين الرئيسيين في اسرائيل يتعاملان معها بوصفها نصرا للصهيونية او استكمالا للغد الصهيوني في افضل الحالات ويتم ذلك ويترجم في سياق المفاوضات من خلال اتفاقات تقوم اساسا على الاولوية المطقة للمصالح الاسرائيلية وعلى رأسها المصالح الامنية. ان السياسة الاسرائيلية تتعامل مع المشكلة الفلسطينية بوصفها قضية داخلية اسرائيلية, يجب معالجتها على قاعدة تخفيض خطرها الى الحد الادنى, وليست مشكلة شعب له الحق في تقرير مصيره, لذلك تظهر تجليات التسوية على الارض الفلسطينية كحل امني عنصري, يقوم على حل مشكلة السكان/ الخطر من خلال عزلهم في معازل بشرية عبر تطويقها بالشروط الاسرائيلية والطرق الالتفافية. اي ان اسرائيل تعمل على حل المشكلة على قاعدة الخلاص من السيطرة على البشرية بوصفهم مشكلة اسرائيل. والاحتفاظ بالارض بوصفها حق اسرائيل. اعلان الدولة الفلسطينية في نهاية الحل الانتقالي لن تكون معركة سهلة. لأن حكومة نتانياهو ستعمل ما بوسعها من خلال حصار المدن الفلسطينية والضغط على الطرف الفلسطيني للتراجع عن هذه الخطوة, بل ولمنعها اصلا. ولكن هذه الخطوة قد تكون العامل المساعد لاسرائيل لتواجه عقدتها تجاه الاراض المحتلة. ورغم تهديد نتانياهو وبعض اقطاب الليكود بان خطوة من هذا النوع تدفع الى اعادة احتلال المواقع التي انسحبت منها اسرائيل. ما هو الا تهديد لا تستطيع حكومة نتانياهو الاقدام عليه, لافتقاده الاجماع الاسرائىلي حول معادة الخطوة, ليس داخل القوى السياسية والشارع الاسرائيلي بل داخل الليكود نفسه, الذي يوجد فيه اتجاه يدعو لاقامة الدولة الفلسطينية على ارض اقل. مما يعني ان الشارع الاسرائيلي منقسم حول خطوة من هذا النوع, مما يجعل نتانياهو الراغب في القضاء على السلطة الفلسطينية عاجزا عن الاقدام على هذه الخطوة التي تضع المنطقة في شروط اخرى لا ترغب اسرائىل فيها. لكن الخطوة على الطرف الفلسطيني تحتاج الى الكثير من الجهد خاصة وان مايو المقبل موعد قريب, فهي تحتاج الى اعادة ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي لمواجهة اي اجراءات اسرائيلية ضد هذه الخطوة وهي تحتاج الى اقصى الدعم العربي لمحاصرة اثار القوة الاسرائيلية التي ستفرضها الحكومة الاسرائيلية. ولابد ايضا من الحصول على اقصى دعم دولي للخطوة لأنها خطوة فيها الكثير من المخاطر, ولكنها خطوة تستحق العناء. كاتبة فلسطينية*