جاءت زيارة رئيس الوزراء التركي, مسعود يلماظ, الى اسرائيل تتويجا لنشاطات مكثفة سبقتها, خاصة منذ ابرام اتفاق ــ اطار التعاون العسكري بين تركيا واسرائيل في فبراير 1996 ــوقد تضمنت زيارات متبادلة لمسؤولين من الطرفين ومناورات عسكرية مشتركة وتوقيع عدد من الاتفاقات . في ضوء ذلك, تبدو هذه الزيارة باعتبارها محطة مركزية على طريق تشكيل حلف عسكري في المنطقة, تكون نواته كلا من اسرائيل وتركيا, باعتبارهما قوتين اقليميتين, على ان تتوالى المساعى لضم اطراف اخرى من المنطقة اليه. من جانبه, قال نتانياهو: (نحن نعمل من اجل تحويل التعاون الاسرائيلي ــ التركي في الشرق الاوسط الى نظام امني اقليمي) , وتابع: (نحن (اسرائيل وتركيا) محاطون بأنظمة راديكالية تطور صواريخ باليستية مجهزة برؤوس غير تقليدية وقادرة على اطلاقها, وهذه الانظمة تشكل خطرا جديا) . والمفارقة, هنا, ان الذي يتحدث عن (الصواريخ الباليستية المجهزة برؤوس غير تقليدية) , هو رئىس وزراء الدولة التي تحتكر وحدها امتلاك السلاح النووي في المنطقة وتمتلك الصواريخ وغيرها لنقله, ناهيك عن الاسلحة الاخرى, بما فيها البيولوجية والكيماوية. هذا, وقد وصف نتانياهو العلاقات الاسرائيلية ــ التركية باعتبارها المحور المركزي, ولو انه ليس الوحيد, لتحقيق الامن في المنطقة. اما زميله مسعود يلماظ, رئيس وزراء تركيا, فيقول في مجال تبرير السعي لاقامة حلف عسكري في المنطقة بالتعاون مع اسرائيل: (ليس لدينا صواريخ وليس لدينا نوايا لمهاجمة دول في المنطقة, وهدفنا فقط حماية حدودنا واستقرار السلام) . لكن الصحافة الاسرائيلية تكشف, عدا هذه العبارات الدفاعية المسالمة! لكل من نتانياهو ويلماظ, امورا اخرى, فصحيفة هآرتس تشير استنادا الى تقارير اجنبية, الى ان الطرفين (الاسرائيلي والتركي) يتعاونان في تجميع المعلومات الاستخبارية عن سوريا وايران والعراق, كما تشير نفس الصحيفة نقلا عن عناصر رسمية في مجلس الامن القومي التركي بالقول ان انقرة قد تفرض عقوبات اقتصادية وعسكرية وسياسية ضد سوريا, وان احد الاحتمالات المتوقعة هو انقاص كمية المياه التي تتدفق (عبر سوريا) في نهر الفرات, الذي ينبع في تركيا, واشارت هذه العناصر الرسمية الى احتمال ان تتم الموافقة على هذه العقوبات في نهاية سبتمبر الجاري, هذا وقد تخلل جولة يلماظ في المنطقة هجوم سافر على سوريا بدعوى انها تدعم مقاتلي حزب العمال الكردي. اما ردود الفعل العربية على اللقاء التركي ــ الاسرائيلي, فقد كانت سلبية وبخاصة من سوريا ومصر, وقد كتبت صحيفة البعث السورية في عددها يوم 6/9/98: (ان زيارة يلماظ لاسرائيل هي عمل عدائي, وعلى الدول العربية والاسلامية ان تتصدى له وتسد الطريق على نتائجه) , بينما اعلن الاردن على لسان مسؤوليه, انه يتحفظ حتى الآن على الانضمام الى هذا التحالف العسكري طالما لا يضم دول المنطقة, وذلك بالرغم من الاعلان عن النية باجراء مناورات عسكرية مشتركة مع تركيا فوق الاراضي الاردنية والاستعداد لتطوير التعاون العسكري بين البلدين. هل التاريخ يعيد نفسه تعيد زيارة يلماظ هذه لاسرائيل الى الاذهان زيارة الرئيس التركي جلال بايار, وكذلك زيارة الجنرال البريطاني تمبلر عام ,1955 في محاولة منهما لتوسيع حلف بغداد وجر الاردن اليه, اعتقادا انه اضعف الحلقات آنذاك, ومعروف كيف جرى استقبال هذين الضيفين غير المرغوب بهما بالمظاهرات الصاخبة مما اضطرهما الى قطع زيارتيهما والعودة بخفي حنين, وفي المظاهرة ضد زيارة جلال بايار سقطت الشهيدة رجاء ابو عماشة, على ابواب القنصلية التركية في حي الشيخ جراح بالقدس. ولكن, منذئذ, مرت مياه كثيرة من تحت الجسر ــ كما يقال وتغير ملامح المنطقة وكذلك مواقع بعض دولها. فالهدف المعلن, آنذاك, لتشكيل حلف بغداد ومحاولات توسيعه, هو التصدي للزحف الشيوعي واطماع الاتحاد السوفييتي التوسعية نحو المياه الدافئة. اما اليوم, فالهدف من تشكيل حلف عسكري هو محاربة (الانظمة الراديكالية) , على حد قول نتانياهو. ــ وفي الخمسينات, كانت اسرائيل تدعم محاولات توسيع حلف بغداد من وراء الستار, حيث كان التخطيط يقضي بأن يكون انضمامها اليه خاتمة المطاف والحلقة الاخيرة في استكمال بنائه, اما اليوم, فهي عنصر اساسي مبادر في تشكيل الحلف العسكري العدواني الجديد في المنطقة. وبالنسبة لحلف بغداد, كانت الولايات المتحدة بالتعاون مع بريطانيا وراء انشائه ومحاولات توسيعه (زيارة الجنرال تمبلر البريطاني) اما اليوم, فالولايات المتحدة تنفرد بالاشراف على اقامة هذا الحلف العسكري العدواني. وكانت بغداد احد مرتكزات ذلك الحلف الذي حمل اسمها, كما كانت طهران ــ الشاه تدعمه بحماس, اما اليوم فكل من بغداد وطهران مستهدفتان من الحلف الجديد, وفيما يتعلق بدمشق, فقد كانت مستهدفة بالامس, وهي كذلك اليوم, من هذه التحالفات العدوانية, فالتحالف التركي ــ الاسرائيلي العسكري الجديد يضعها, اليوم, بين فكي كماشة, واذا كانت مصر قد وقعت معاهدة سلام مع اسرائيل, فان هذا لا يمنع التحالف الجديد من السعي لعزلها وتحديد نفوذها في المنطقة, بحيث تبقى كل من اسرائيل وتركيا هما القوتان الاقليميتان الوحيدتان في المنطقة. اما اهم واخطر تباين بين الامس واليوم, فهو ان محاولات توسيع حلف بغداد عام 1955 جاءت وحركة التحرر الوطني العربية في بداية نهوض ثوري عارم بقيادة مصر عبدالناصر, اما اليوم فالامر مختلف. هل توقيت التحرك التركي ــ الاسرائيلي: له علاقة بما يجري على الحدود الايرانية ــ الافغانية؟ جاء توقيت زيارة يلماظ لاسرائيل والاعلان الصريح عن التوجه لاقامة حلف عسكري في المنطقة تكون اسرائيل وتركيا نواته الاساسية, متطابقا مع بلوغ التوتر ذروته على الحدود الايرانية ــ الافغانية, وذلك بعد ان احتلت قوات طالبان مدينة مزار الشريف الاستراتيجية والقريبة من الحدود الايرانية. ومعروف, في هذا السياق, ان الصراع فوق الارض الافغانية قد تحول, منذ وقت مبكر الى صراع بين قوى اقليمية ودولية في الاساس, وان الاطراف الافغانية ليست الا ادوات وضحايا لتضارب وصراع المصالح لهذه القوى الخارجية, فحركة طالبان تتلقى دعما غير محدود من باكستان, التي تفعل ذلك بضوء اخضر من واشنطن, وقد تلقى هذا الدعم زخما معنويا وسياسيا مؤخرا عندما اجرت باكستان تجاربها النووية وتعمدت ــ على غير العادة ــ اعلان ذلك على العالم, غير آبهة بالنتائج. من جانب اخر, فقوات الجنرال شاه مسعود, الذي يمثل السلطة الشرعية التي طردت من العاصمة كابول, تلقى دعم ايران, وعطف روسيا والجمهوريات الاسلامية المتاخمة للحدود الافغانية (والتي كانت جزءا من الاتحاد السوفييتي السابق) خشية ان يؤدي اقتراب طالبان من اراضيها الى تشجيع وتحريك حركات اصولية اسلامية داخلها, تهدد المصالح النفطية فيها من آبار وانابيب تمر عبرها نحو الغرب, وفي ضوء اختلال موازين القوى داخل افغانستان في ضوء الانتصارات العسكرية الاخيرة لطالبان, ليس هناك ما يمنع ان يتحول هذا العطف الى دعم مادي ملموس, هذا ان لم يكن قد تحول الى ذلك من قبل. على صعيد آخر, يلاحظ في الآونة الاخيرة نوع من التراخي في موقف واشنطن من طهران وعلى مستوى اقل من بغداد, علما بأن واشنطن كانت قد تبنت, منذ سنوات, خطة ضد البلدين اطلقت عليها (الاحتواء المزدوج) وكانت هذه الخطة وراء جميع الاعمال العدائية ضد البلدين, من عزل وضغط وتخريب, واذا كان هذا التحول قد اتخذ شكل بدء حوارات اولية, ولو عبر قنوات غير رسمية مع طهران, فان تجلياته ــ كما يعتقد بعض المراقبين ــ تتخذ مع العراق شكل مظاهر اولية للتراخي في موضوع التفتيش على الاسلحة العراقية, الى الحد الذي دفع بالعضو المستقيل من طاقم التفتيش, وليم سكوت ريتر الامريكي للزعيم بأن مجلس الامن الدولي وادارة كلينتون قد عرقلا فجأة عمل فريق المفتشين عندما كان على وشك الكشف عن اسلحة غير تقليدية في العراق ــ على حد قوله. على صعيد ثالث: فان الضعف الذي اصاب ادارة كلينتون, عقب الكشف عن فضيحته الاخلاقية وتداعيتها المتواصلة, جعل وكالة الاستخبارات المركزية (سي اي ايه) هي سيد البيت الابيض والمهيمن عليه ــ كما يعتقد بعض المراقبين. ان هذه الاوضاع المتشابكة والمعقدة على نحو غير عادي, تطرح اكثر من سيناريو لتطور الاحداث اللاحقة في منطقتنا وعلى تخومها. منها مثلا: ان تدفع واشنطن الى توريط ايران في صراع عسكري مع طالبان, ومن خلفها باكستان الدولة النووية والعضو السابق في حلفي السنتو (الذي خلف حلف بغداد) وجنوب شرقي آسيا, وذلك لاستنزاف ايران و تقزيمها الى مجرد دولة عادية في المنطقة وليس قوة اقليمية يحسب حسابها لدى أي تخطيط لاعادة ترتيب المنطقة, وانه ذو مغزى, في هذا الصدد, ما صرح به ممثل طالبان في مقر الامم المتحدة, نور الله زوران, يوم 6/9/,98 بقوله: (اذا فرضت الحرب علينا, فانا واثق بأنه سيكون لذلك تداعيات الدومينو... وواثق كذلك بأن المنطقة كلها ستتحول الى كرة نار) . واوضح من هذا ان اشتعال لهب الحرب بين ايران وطالبان سيكون له تداعيات متنوعة, وستجر هذه الحرب الى حلبتها, بشكل مباشر وغير مباشر, اطرافا متعددة, بدءا بباكستان, ومرورا بروسيا واوزبكستان وطاجكستان وتركمانيا التي لها حدود متاخمة مع افغانستان, وانتهاء بسوريا التي تربطها بايران علاقات تحالف وثيقة, وربما العراق التي راحت علاقاته بسوريا, وايران تشهد تحسنا ملفتا للنظر في الآونة الاخيرة, على خلفية حسابات القوى وتحركاتها في المنطقة. وفي اجواء كهذه من المنطقي ان نتوقع انتهاز المحور الاسرائيلي ــ التركي الفرصة لمحاولة الانفراد بمنطقتنا والعمل لاخضاع سوريا وعزل مصر, وفرض الحل الاسرائيلي على الفلسطينيين, وبالتالي: تمهيد الارض لانجاز بناء الحلف العسكري, كما تشتهي واشنطن, لحراسة مصالحها الضخمة في المنطقة, ويستجيب في الوقت نفسه لمصالح حليفتيها الاساسيتين في المنطقة: اسرائيل وتركيا. وسواء اتخذ مجرى الاحداث اللاحقة هذا السيناريو او سواه, فمما لا شك فيه ان هناك مؤشرات بأن منطقتنا حبلى بأحداث كبيرة ومقبلة على هزات قد تكون عنيفة كالزلزال, ويبقى السؤال: هل يستفيق عالمنا العربي من سباته ويرى ما يتجمع حول من مقدمات الاحداث, ام يترك للقوى الاخرى ان تقرر مصيره من جديد؟