على الرغم من الجدل الدائر حول الشروط والشروط المضادة المتعلقة بتسليم المواطنين الليبيين المشتبه فيهما في قضية (لوكيربي)الى هولندا لمحاكمتهما هناك وفقا للصيغة المقترحة, فإن المراقبين يعتقدون انه ليس امام الاطراف المعنية بالمشكلة , وهي الولايات المتحدة وبريطانيا وليبيا سوى سلوك هذا الطريق من اجل تسوية القضية واقفال هذا الملف في صورة نهائية, بيد انه قبل بلوغ هذه المرحلة, التي يفترض ان تشكل نهاية المطاف بالنسبة لحادث تفجير طائرة (بانام) الامريكية عام 1988 ومقتل ركابها الـ 270, لابد من اتخاذ خطوات عديدة في مجال احلال بعض الثقة بين الطرفين المعنيين, وهي الثقة المفقودة تماما, ليس نتيجة لهذا الحادث فقط وانما لاسباب سياسية كثيرة.. ومتراكمة. ويتفق المراقبون على ان الصيغة التي حملها قرار مجلس الامن الرقم 1192 القاضي بموافقة الولايات المتحدة وبريطانيا على التسوية المقترحة ودعوة ليبيا الى تسليم مواطنيها فورا الى السلطات الهولندية حتى تبدأ اجراءات محاكمتهما في هولندا بواسطة هيئة محكمة اسكتلندية ووفقا للقانون الاسكتلندي, اثارت ريبة الليبيين واضافت عاملا جديدا الى عوامل عدم الثقة المستحكمة بعلاقات الجانبيين, فقرار مجلس الامن كان بمثابة انذار موجه الى طرابلس بتسليم المتهمين.. والا, والا فان مجلس الامن الدولي سيفرض مزيدا من العقوبات على ليبيا, بما في ذلك فرض حظر نفطي شامل. من المفهوم ان موقف واشنطن ولندن من الاقتراح الليبي الرامي الى محاكمة مواطنيها المشتبه فيهما في بلد ثالث محايد (هولندا), ثم قرار مجلس الامن الذي اعتبر تنفيذا له, كانا نوعا من التسوية للمشكلة يقدم كل طرف فيها بعض التنازلات الضرورية الا ان الاجواء التي احاطت بقرار مجلس الامن ثم برزت من خلال نصه المعلن, جاءت وكأنها محاولة متعمدة لتصعيد الازمة.. لاحلها, وذلك بدفع ليبيا الى عدم القبول بصفة التسليم المقترحة, وبالتالي تحميلها مسؤولية اجهاض هذه المحاولة. فالاتفاق الذي جرى بين الحكومتين البريطانية والهولندية, في شأن اجراء المحاكمة في هولندا, استبعدت منه ليبيا تماما على الرغم من انها هي صاحبة الاقتراح في الاساس, والطرف الآخر المعني مباشرة بالقضية وحيال ذلك كان من الطبيعي ان تنظر الحكومة الليبية الى المبادرة الصادرة عن واشنطن ولندن بريبة شديدة, وان تتعامل معها بحذر يبلغ حد تفحص كل اشارة, وكل كلمة او اقتراح قد تهدر عن الدولتين المذكورتين, وهو امر يضاعف من الشكوك القائمة بين الطرفين, كما يجعل عملية التفاوض حول الاجراءات المتعلقة بالمحاكمة مسألة ضرورية من اجل تجاوز العقبات القائمة. ويرى بعض القانونيين ان هناك تفاصيل كثيرة تتصل باجراءات المحاكمة, وما بعد المحاكمة, ينبغي توضيحها والاتفاق عليها قبل تسليم المشتبه فيهما الى السلطات الهولندية, اذ ان توفير الضمانات المتعلقة بسلامة الاجراءات وعدالة المحاكمة يجب ان تسبق تسليم المتهمين وليس العكس, باعتبار ان القضية سياسية في الدرجة الاولى, فمن دون الحصول على هذه الضمانات سيكون من حق المسؤولين الليبيين الاعتقاد, او الشك ــ كما اعلنوا ــ بان العملية كلها ليست سوى مناورة لاعتقال المشتبه فيهما, ثم نقلهما الى بريطانيا او الولايات المتحدة, بعد ان رفضت الحكومة الليبية تسليمها طوال السنوات التي انقضت على حدود قرار مجلس الامن الرقم 748 الذي فرض بموجبه الحصار على ليبيا. ويشير المراقبون الى ان السرعة التي تم فيها عقد مجلس الامن واصدار قراره الجديد الرقم 1192 تعيد الى الاذهان عملية التكييف القانوني التي جرى على اساسها اخضاع قضية لوكيربي لاحكام الفعل السابع من ميثاق الامم المتحدة والمتعلق بالاجراءات والترتيبات التي يتعين اتخاذها في حالات تهديد الامن والسلم الدوليين او الاخلال بهما, اذ كان ذلك التكييف اعتباطيا وسياسيا بحتا, ذلك ان حادث لوكيربي, برغم طبيعته الجرمية, لايبلغ مستوى تهديد الامن والسلم العالميين, كما هو الحال ــ مثلا ــ بالنسبة للحروب العديدة التي شنتها اسرائيل على بعض الدول العربية واحتلت بنتيجتها اراض شاسعة لاتزال تحتفظ باجزاء كبيرة منها حتى الآن, ومع ذلك لم يعمد مجلس الامن الى تطبيق الفصل السابع في اي من هذه الحالات الموضوعة والمتكررة والتي تهدد الامن والسلم الدوليين فعليا, فقد اكتفى المجلس بتكييف القرارات الصادرة في شأنها وفقا للفصل السادس الذي يتعلق بوسائل فض المنازعات الدولية, وهذا التلاعب هو ما يثير المخاوف دائما. ويلاحظ المراقبون ان كثيرا من المؤشرات التي رافقت قرار فرض الحظر على ليبيا في عام 1992, متضمنة في القرار 1192, فهما ينطلقان من روحية واحدة ويبتغيان تحقيق هدف معين. الى ذلك, يتبين من ملابسات التطورات الاخيرة ان الدور الذي تمارسه الامم المتحدة في هذه القضية يكاد ان يكون معدوما, على رغم ان القرارات التي فرضت بموجبها العقوبات على ليبيا صدرت عن مجلس الامن الدولي, وهذا يدل على ان المنظمة الدولية تنفذ رغبات واشنطن فقط, وحيث يطلب منها ذلك. والنتيجة الطبيعية لكل ذلك هي اضطرار الاطراف الدولية التي تتشابك في نزاعات مختلفة لان تتواجه مباشرة, بحيث ينتصر مبدأ القوة وليس مبدأ العدالة فكيف تطمئن ليبيا, او من كان في وضعها, الضعيف والمحاصر, الى اجراءات لاتضمنها الامم المتحدة, ولا تمثل سوى مواقف الطرف الآخر في النزاع المطروح؟ وهنا تكمن عقدة الموقف الراهن وخطورة تداعياته واحتمالاته السلبية. كاتب لبناني مقيم في باريس*