تتميز العاصمة الأمريكية بسرعة حركتها , فبين الكويت وأمريكا تقع مسافة في السرعة ترتفع في وتيرتها يوميا, فرغم سرعة حركة السير في شوارع الكويت المضاءة إلى انه بطيء نسبة للطرقات السريعة المحدودة الاضاءة في واشنطن, وبينما تخرجك عن طورك في الكويت سرعة البعض الجنونية خاصة فئة المتهورين , أما في الولايات المتحدة فأكثرنا أدبا وفنا في فن القيادة يواجه مصاعب ويسمع بين الحين والآخر بوق سيارة وربما يرى أعين وشفاه تلاحقه باحتجاج لأنه لم يعط الاشارة المناسبة في الوقت المناسب أو لأنه تحرك بين الخطوط وسار على حافتها. وبين ضخامة الشوارع لديهم وتعدد خطوطها المناسبة وبين الشوارع لدينا فارق كبير هو الفارق بين العواصم وبين حجم السكان وبين درجة الصناعة, ولكن لو قارنا بين القيادة في العاصمة الأمريكية والقيادة في الشرق العربي لكنا قارنا بين عالم تيسير فيه السيارات بطرق منتظمة وكأنها آلات موقوتة تحكمها ساعات منتظمة وبين عالم آخر هو عالمنا يسير نابض وزنبرك وتشكل كل سيارة فيه عالم خاص تعبر عن شخصية راكبها وعن منزلته وعن رأيه بنفسه وبالعالم المحيط به. في العاصمة الأمريكية تشعر بنبض عاصمة للعالم لم يشهد التاريخ لها مثيلا, وهو مكان يؤكد كل يوم تفوقه على مراكز الحضارة الأخرى وذلك لأن عقيدته النظام وفلسفته الحرية وقانونه الأداء, وطريقته السرعة, السرعة في عالم الغرب الأمريكي كسرعة دوران الاعصار, أمريكا السريعة في سباق دائم, ولكنه سباق مع عالم بلا ابعاد , بل ان سباقها في جله أصبح سباقا مع الذات, فبعد سقوط الاتحاد السوفييتي توقع الكثير من المحللين ان تخبو هذه الحضارة الكبيرة أو ان تتراجع بسبب غياب التنافس, إلا انها اليوم تسير بكم آلات للدفع الذاتي وبحكم الحاجة لسباق الذات, هكذا تسعى أمريكا للتفوق على ذاتها إذ فيها تسعى كل مدينة لأن تكون أفضل من الأخرى وتحاول كل ولاية ان تحقق ما لم تحققه الولاية التي تجاورها , في أمريكا المنافسة دخلت مرحلة القدسية, والمنافسة تحرك كل شيء, ولكنها فوق كل شيء منافسة تحكمها قواعد الانتاج. ووسط هذه السرعة يكاد المرء يرى ان هذا العالم قد بدأ يتشبع بسكانه, ولكن تصدمك كل يوم تلك الأعداد الكبيرة من المهاجرين الجدد إلى هذه القارة الكبيرة, فالكثير ممن تلتقيهم في العاصمة الأمريكية اكان نادلا في مطعم أم سائقا في سيارة, تبدو عليه سمات المهاجرين, في واشنطن ترى مجتمعا مهاجرا اضافة إلى المجتمع القديم, وترى كل يوم مدينة عالمية تتشكل كما هو حال المدن العالمية في كل مكان, هذا المهاجر الجديد يبحث بحثا محموما عن العمل وعن فرصة لحياة جديدة, وبطبيعة الحال فإن لسان حال كل مهاجر أنه في بلد حر وأنه أيضا حر. وبالطبع لا توجد حرية مطلقة لأي انسان في أي بلد, فكل انسان حر في اطار القانون, ولكن شعور المهاجر الجديد انه حر نسبة لبلاده الأصلية جدير بالانتباه, فهو يرى انه يعامل باحترام لم يعهده في بلده الأصلي, وهو يلاحظ انه محمي من المعاملة التعسفية ومن التفرقة غير المبررة التي تسود الكثير من دول العالم الثالث, في أمريكا تقع اذن تجربة ما زالت طي التكوين, انها تجربة في بناء عالم مكون من مئات العناصر, وهي تجربة في السرعة وفي الأداء وفي البحث عن آفاق جديدة بعد كل أفق. ومع ذلك لا تخلو العاصمة الأمريكية من عناصر الضعف فهناك مناطق تسودها الجريمة وهي الأعلى في الولايات المتحدة, وهناك حالات تأخر في انجاز مهام, وهناك موظف مهمل, وهناك هاتف خلوي يقدم إليك دون ان يعمل, وهناك شركة حاسب آلي تتأخر في تصليح عطل. إن الكثير من عناصر العالم الثالث وعناصر عالمنا موجودة في العالم الأول, هذا بلا شك واضح, ولكن الأساس في ذلك العالم هو النقيض: السعي للأداء وللتفوق يبقى خصلة دائمة مستمرة, وفي هذا يخطأ من يعتقد ان الولايات المتحدة ستختفي أو تتراجع في العقدين المقبلين, فهي ما زالت تحاول التفوق على ذاتها من خلال مؤسساتها ومجتمعها, إذ يتم كل هذا بالرغم من أزمة الرئاسة وسخرية ما يدور حولها. مدير المكتب الاعلامي الكويتي في واشنطن استاذ العلوم السياسية, جامعة الكويت*