كنا ولانزال, وليساعدنا الله ان نبقى, حريصين على ان لايفيد عدونا التاريخي, اي اسرائيل, من اي كلام يصدر عنا ونحن ننتقد(السلطة الفلسطينية) سواء بالنسبة لنهجها السياسي التنازلي الاستسلامي, او لادائها الاداري والسلطوي داخل مناطق الحكم الذاتي . وبقدر ما نعرفه من حرج هذه السلطة ودقة موقفها بسبب الحفرة التي وقعت وأوقعتنا فيها والقيود التي فرضتها على نفسها وصولا الى القبول بالاستغناء عن بعض آيات الله المحكمات الواردة في القرآن الكريم.. بقدر مانعرف هذا ونأخذه احيانا كثيرة بعين الاعتبار, من حقنا ان نتوقع من هذه السلطة وبعض رموزها ان يقدروا هم كذلك ظروفنا ومواقفنا وان يجتهدوا في التقليل من تصريحاتهم المضللة وادعاءاتهم الفارغة وافتراءاتهم على حقائق التاريخ حتى لانضطر للتصدي اليهم باستمرار وبما تستحق مواقفهم من مجابهة وردود لابد ان تكون قاسية. ولا نقول هذا من اجل صداقة عمر نحرص ان لا تنفصم, او رفقة درب مازلنا نحرص على العودة اليه والالتقاء فوق صراطة, ولكن لاننا نؤمن انه لابد لهذه المتاهة التي اوقعونا فيها من نهاية, وانه لابد لنا من استعادة روحنا الثورية وضميرنا الوطني من اجل تحقيق اهدافنا الوطنية التي مازال الكل يدعي التمسك بها. ولكن.. ولكن يبدو ان البعض من هذه الرموز لايزال سادرا في غي مسيرته ونهجه, رغم كل ما افرزته السنوات الخمس العجاف من مصاعب وكوارث لا بل هنالك من اصيب بانفصام كامل ولم يعد يميز بين الحقيقة والوهم. فهل من المعقول ان يصدر عن محمود عباس (ابومازن) مالم يعد يصدر عن كثير من ساسة ومؤرخي اسرائيل حول فلسطين وشعبها وقضيتها؟ هل صحيح ان اتفاقية اوسلو كانت التتويج الاهم لنضال الشعب الفلسطيني على مدى القرن العشرين وان هذا الاتفاق (هو الذي ثبت الشعب الفلسطيني على الخارطة السياسية) ؟ وان اتفاقية اوسلو هي التي (كرست وجود الشعب الفلسطيني على ارضه وفرضت على امريكا واسرائيل الاعتراف به وبمنظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد لهذا الشعب) ؟ وانها اي الاتفاقية قد (اقرت بان الحل العادل هو تطبيق القرارين 242 و338 وانها قبلت بوضع كل القضايا التي كانت تعتبر الحديث عنها في الماضي من المحرمات مثل القدس واللاجئين والمستوطنات على طاولة المفاوضات) ؟ وانه لذلك (كان التعنت الذي تمارسه حكومة اليمين الاسرائيلي هذه الايام, وترفض كل هذه المقولات وتبحث عن وسيلة للتخلص والتملص منها) ؟ ويختم ابو مازن مرافعته المذهلة ويتحدى صاحب السؤال بسؤال, فيقول: (من الذي ندم على توقيع اتفاق اوسلو؟ واترك الجواب لكم) . هذه عينة من بعض ما ورد على لسان (ابومازن) في مجلة (الوسط) (العدد 345, 7/9/ 1998) سنحاول الرد على ما قاله (احد) مهندسي اتفاقية اوسلو كي لانغبط (ابو علاء) حجته في عملية الهندسة لهذه الاتفاقية وان كنا سنوفر على انفسنا الرد عليه فيما ورد على لسانه في نفس العدد من نفس المجلة, لانه يرد بنفسه على نفسه ويفند في السطر الثاني ما يقوله في الاول سنكتفي بالرد على (ابو مازن) الذي يبدو لي, فيما يصدر عنه من تصريحات ومواقف انه من (المؤمنين) حتى النخاع فيما يقول لدرجة الاعتقاد بأنه من خلال اتفاقية اوسلو (قد اعطى شعب فلسطين الفرصة ليقيم دولته المستقلة وانه اذا فشل في ذلك فسيكون الشعب هو المسؤول عن ذلك) !! ولنفكك ما قاله جملة جملة, لان ما من واحدة تخلو من افتراء او لاتدل على جهل او لا تشير الى سوء نية نرغب ان نجله عنها. اولا: حول تثبيت الاتفاقية لشعب فلسطين على الخريطة السياسية بعد مئة سنة!! ان اول ما يخطر على بالنا هو سؤال (ابومازن) عن هويته عندما كان في فلسطين وبعد ان اقتلع منها, واثناء اقامته في سوريا ومن بعدها في قطر, ثم عندما شرع مع غيره في تأسيس حركة (فتح) .. ماذا كان يعتبر نفسه؟ الم يكن فلسطينيا ام كان غجريا بلا هوية.. وكيف كان يتعامل العالم كله معه ومع حركته؟ هل كان يتعامل مع حركة تحرير فلسطينية ام حركة تحرير مكتومة الهوية؟ اذن, كان هناك شيء اسمه شعب فلسطين اعترفت به اسرائيل ام لم تعترف, اذا كان ثمة شك بوجود شعب, طيلة كل هذه الفترة, فهو اسرائيل وشعبها, التي لم يتشرع وجودها الا بعد اعتراف (ابو مازن) الفلسطيني بها, ففتح امامها آفاق العالم كله بعد عزلة لم تنقذها منها لا قوتها الذاتية ولا دعم الولايات المتحدة لها, يا ابا مازن, حتى رابين صاحبك كان فلسطينيا قبل تدميره لفلسطين, ومن قبله بن غوريون ووايزمان وكل قادة اسرائيل الاوائل. ثانيا: انه لمن خداع الذات والكذب على الآخرين الزعم بأن اسرائيل اعترفت بشعب فلسطين, فكل ما ورد في هذا الصدد جاء في رسالة رابين الى عرفات كرد على رسالة الاخير وما اعلنه من التزامات خرج فيها على ميثاق المنظمة واهدافها وبرامجها السياسية, والنص يقول: (ان حكومة اسرائيل قررت الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثل الشعب الفلسطيني وبدء مفاوضات.. الخ) . وكما يعرف الجميع فهناك ثمة فارق قانوني بارز وهام بين الاعتراف بشعب والاعتراف بمنظمة تمثل الشعب, فالاعتراف بالشعب يتضمن الاعتراف بما تنص عليه القوانين الدولية من حقوق للشعب وفي مقدمها الحق في تقرير المصير, وهو مالم تعترف به اسرائيل واعتبرته من المواضيع المؤجلة والخاضعة للتفاوض. هذه واحدة, اما الثانية, فإن م.ت.ف التي اعترف بها رابين هي غير م.ت ف التي يوهمنا (ابو مازن) بالحديث عنها بعد الالتزامات التي اخذتها القيادة على نفسها بالغاء اهم بنودها. اما الثالثة, وعلى افتراض ان كل ما قلناه قابل للجدل, فإن مما لاشك فيه ان اعتراف المنظمة بدولة اسرائيل يعتبر رغير قابل للرجوع عنه وفق المادة السادسة من اتفاقية مونتيفيديو لسنة 1933 التي تشترط عدم الرجوع عن الاعتراف بالدول, في حين ان اعتراف اسرائيل بالمنظمة قابل للرجوع عنه باعتبارها ليست دولة, والكل يعلم ــ وعلى رأسهم ابو مازن ــ انه لولا حاجة اسرائيل الراهنة لبقاء م.ت.ف للتوقيع على الوضع النهائي لقررت منذ زمن سحب اعترافها بها, وهو ما قد تفعله على اي حال اذا ما وجدت مصلحة في ذلك. اما الرابعة والاخيرة فإن (ابو مازن) وهو يتحدث عن هذا (التتويج) لنضال شعب فلسطين خلال مئة سنة اي اعتراف اسرائيل بمنظمة التحرير بعد تجويفها من مضمونها السياسي, يتجاهل الثمن الذي دفعه ومن معه باسم شعب فلسطين كما ورد في رسالة عرفات الى رابين فهل من حاجة للتذكير به من جديد؟ نكتفي بجزء من رسالة عرفات الى رابين في 9 سبتمبر 1993 والتي تنص على ان م.ت.ف (تعتبر توقيع اعلان المبادىء يشكل حدثا تاريخيا.. الخ) ووفقا لذلك فإن م.ت.ف (تنبذ استخدام الارهاب وغيره من اعمال العنف وستتحمل المسؤولية عن كل عناصر م.ت.ف وافرادها كي تضمن امتثالهم وتمنع العنف وتؤدب المخالفين) , او ليس في هذا ما يفسر استمرار اعتقال اسرائيل للالاف من شباب فتح الذين كنت من قادتهم رغم مرور خمس سنوات على توقيع الاتفاقية وسجن اخرين في معتقلات السلطة الجديدة) ؟ ثالثا: ويدعى (ابومازن) ان الاتفاقية هي التي كرست وجود الشعب على ارضه وفرضت على امريكا واسرائىل الاعتراف به وبمنظمة التحرير.. الخ!! ان (ابو مازن) بهذا الكلام يستلب من شعب فلسطين كل نضاله وكل تضحياته ويكاد يحرم شهداءه من شرف الشهادة, لان هؤلاء ــ وليست الاتفاقية ــ هم الذين كرسوا بقاء الشعب ودافعوا عنه ولايزالون. الاتفاقية ياسيدي كرست قضم الاراضي واقامة وتوسيع المستعمرات وهدم منازل الفلسطينيين دون ان يرتجف لك رمش أو تهدد ولوشكلا بايقاف التفاوض لمدة ساعة واحدة احتجاجا على هذه الممارسات المهينة. قل لنا يا أبا مازن كم نازح اعادت اتفاقية اوسلو الى البلاد خلال السنوات الخمس الاخيرة, بل قل لي ان كان قد عاد الى البلاد فلسطيني واحد قبل ان يحصل على رقم الموساد الذي تسميه (الرقم الوطني) ؟ ويتحدث ابو مازن عن العدل الذي اقرته الاتفاقية بتطبيق القرر 242 وقبولها بان تفاوض حول ما كان من المحرمات مثل القدس واللاجئين والمستوطنات الخ.. كفاك يا اخي حديثا عن العدل, فهذه الكلمة لم تعد في قاموسك, لان الحديث عن العدل يعني الحديث عن فلسطين العربية, كل فلسطين. قل حلا مقبولا بعد ان جارت الدنيا بمن فيها على شعبك تكون اكثر صدقا واقرب الى الحقيقة. ثم قل لنا اين هو النص الذي يتحدث عن تطبيق القرار 242؟ اقرأ جيدا, وتعلم ان كنت تجهل, انك وباقي المهندسين وجهابذة اللغة والقانون قد اجهزتم على هذا القرار كمرجعية لتحل محله المفاوضات والتعاقد الثنائي. اما الاعتراف الامريكي بمنظمة التحرير الفلسطينية, فاني اسألك: هل رفعت الادارة الامريكية الحظر عن منظمة التحرير ولم تعد في نظر الكونجرس الامريكي منظمة ارهابية حتى لحظتنا الراهنة؟ ان معلوماتي ان الحظر لم يرفع وان سيادتك وامثالك لا يستطيعون حتى اليوم من دخول الولايات المتحدة الا خلال فترة رفع الحظر عن المنظمة الذي يتم لمدة ستة اشهر بناء على التماس خاص من رئىس الولايات المتحدة اليس كذلك؟ اكتفي بهذه عن امريكا لان مواقفها من حكومة نتانياهو طيلة الفترة الماضية اثبتت اما عجزها او عدم رغبتها في بذل اي ضغط حتى لانقاذ مبادرتها التي ــ سامحك الله ـ نصحت بقبولها ظنا منك انك تستطيع الحلول بدل الربيب المدلل او ان تفصل بين الافعى ورأسها. خامسا: وبالله عليك يامحمود بن عباس, هل تعتقد انك تجد بين شعبك من يصفق لك لأنك استطعت ان تضع اهم بنود قضيتك على جدول الاعمال, مثل القدس وعودة اللاجئين على انه انتصار؟ اذا لم تكن المفاوضات من اجل هذه البنود فعن ماذا يمكن ان تفاوض اصلا؟ ولكن دعنا من حوار الكلمات ولنتكلم بلغة الممارسات, ودعني اسألك: هل كان وضع القدس والمستوطنات واللاجئين, قبل المفاوضات احسن حالا ام اسوأ مما هو عليه الان! قبل المفاوضات كانت كل هذه القضايا قد تم البت بها دوليا كما تقر أنت بعضمة لسانك, ان مائة وثماني عشرة دولة قد اعترفت بها. القدس والضفة الغربية والقطاع وكل شبر تم احتلاله سنة 1967 هو دوليا لنا, فماذا بقي من هذا كله خلال الخمس سنوات؟ ولا سيما بعد توقيع اتفاقية الخليل التي تعتز بها, والتي كانت نقطة التأكد الاسرائىلي من استعدادكم للتنازلات في بقية الضفة؟ اما لاجئو 1948 وقد رأوا ما آل اليه مصير نازحي 1967 بفضل صمودكم راحوا من جديد يطرقون ابواب وكالة الغوث والسفارات الاجنبية بحثا عن لقمة خبز أو سعة هجرة الى اي مكان ولو في ادغال الامازون, كما حدث لبعض اهلنا ممن كانوا في الكويت ودفعوا ثمن سياسة قيادتك الرشيدة!! ان لاجئي 1948 يسألون الكندي اندرو روبنسون عن مصيرهم وليس زميلك وحبيبنا اسعد عبد الرحمن (وزير العائدين) بعد ان قطعوا الامل من ان يسمعوا من (ابوعمار) كلمة يطمئنهم فيها كما يفعل نتانياهو ليهود العالم المعاصرين ومن في الارحام. وبعد, وردا على سؤالك الذي ظننت انك افحمت الناس بطرحه حول الذي ندم حقيقة على توقيع الاتفاقية, فاقول لك ان من ندم بين الفلسطينيين هو ذلك الذي توهم مثلك ان الاتفاقية تحقق اهداف شعب فلسطين, ومن بين اليهود من صدق انك ومن معك تمثلون فعلا شعب فلسطين وانكم قادرون على الامساك بزمامه الى الابد وتحت كل الظروف.