لنستعرض صوراً من السلوكيات العامة التي تقوم بها مجموعة كبيرة جدا من الناس, والتي تلفت النظر وتستوجب التعليق, وتجر سخرية الآخرين وانتقاداتهم اللاذعة . الآباء والامهات هم الوحيدون الذين تقع عليهم دون سواهم ــ مهمة غرس القيم, وعادات السلوك السليمة في نفوس الابناء, اذا اتفقنا على ذلك, فدعونا نسأل عن المدى الزمني الذي يقضيه الابناء مع آبائهم وامهاتهم بشكل تلامسي مباشر على امتداد اليوم والاسبوع والشهر؟ لنسأل الجميع بصدق وموضوعية واحساس بخطورة القضية ايضا: هل يمارس الآباء والامهات العاباً مشتركة مع ابنائهم سواء داخل المنزل أو خارجه؟ ومعروف ان كمّا هائلا من القيم والسلوكيات يستقيها الطفل عن طريق اللعب! ايضا: هل تناول وجبات الطعام بشكل جماعي يعد طقسا اسريا يجمع الابناء بآبائهم يوميا (سواء كانوا اطفالا او كبارا)؟ هل يتلقى الابناء العناية الشخصية والاهتمام بالتفاصيل والخصوصيات من الأم والأب أم من الخادمة؟ من يعد الطعام ومن يجهز المائدة؟ من يغسل الثياب ويكويها ويرتبها في الخزائن الخاصة؟ من يصحب الصغار للمدرسة ومن يعود بهم منها؟ من يودعهم وهم ذاهبون ويستقبلهم وهم عائدون؟ من يذهب معهم للبقالة والدكان والجمعية التعاونية والمكتبة والخياط والحديقة... الخ؟ كم عدد الساعات التي يقضيها ابناؤنا بصحبة الشغالة والسائق (الام والاب البديلان) وفي صحبة التلفزيون واصحاب المدرسة, وفي المقابل ماهو الوقت المتبقي الذي يصب في مجرى العلاقة الاسرية التي اصبحت اطلالا من الماضي؟ ثم نسأل ببلاهة: لماذا يخاف الولد من الشغالة ويسمع كلامها؟ كان هناك طقس حميم جدا تمارسه الامهات والجدات معنا قديما, اختفى تماما في هذه الايام, ذلك هو سرد الحكايات والقصص ماقبل النوم, ومن خلال تلك الحكايات كنا نتعلم الكثير ويكبر خيالنا اكثر, وتنمو غابات من قيم الحب والجمال والخير في دواخلنا. اليوم الأم لا تستطيع ان تمارس دور الحكواتي لاطفالها, اما لانها لا تجيده, او لانها مشغولة بأمور أهم (اوراق العمل, الحديث في الهاتف لساعات, زيارة أو استقبال الصديقات, السوق, الخياط...) ولذلك أوكلت الام هذا الدور للمنقذ الاكبر, التلفزيون وهات يارسوم متحركة! فما هي النتيجة؟ انظروا وتأملوا وستعرفون! وفي السفر, حيث الفرصة الوحيدة لاعادة التواصل والاقتراب من عالم الابناء وتعويضهم خسائر الحنان والعناية طوال العام, تباغت بأن كل عائلة تسافر بصحبتها شغالة أو اثنتان على الأقل! للاهتمام بالصغار ولطهو الطعام ولــ ... سواء في الشقة او في الشارع أو السوق أو محلات الفاست فود! وسط مهرجان فاضح من الصراخ والجري في كل الاتجاهات, والأم والأب في منتهى الحرج ينتظران استعدادات الشغالة للسيطرة وفرض الهيب على الموقف! ظاهرة يعاني منها الجميع هي ان الابناء لايستجيبون لتعليمات الوالدين بقدر ما يستجيبون للشغالة وللسائق, وان هؤلاء الابناء مشاكسون اكثر من اللازم واكثر مما تحتمله الاعصاب! وحين يقارنونهم بأبناء الاجانب في الدول الاخرى يستغربون لهدوء اولئك وطاعتهم وادبهم الزائد!! القضية باختصار وبساطة تامة ان الاجانب يربون ابناءهم بأنفسهم ويلقنونهم قيم الحياة وطقوس المجتمع واخلاقيات النظام والاحترام وفنون التعامل من خلال التلازم المستمر واللصيق بهم, فلا شغالة ولا سائق ولا مربية ولاهم يحزنون, اما نحن فمحزونون على اخلاقيات ابنائنا. نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا