يرى محللون من بلدان العالم النامي الواقعة في آسيا وافريقيا وامريكا اللاتنية(بلدان الجنوب)واجزاء اخرى من المعمورة معنيون بقضايا التنمية الاقتصادية العالمية. ان العلاقات الاقتصادية الدولية ينبغي ان تنطلق من مفهوم التعاون الاقتصادي العالمي ومن مفهومي التكافل والتكامل الاقتصاديين العالميين, لان الأخذ بهذه المفاهيم من شأنه ــ في رأي هؤلاء المحللين ــ ان يسهم اسهاما كبيرا جدا في تحقيق التنمية الاقتصادية على الصعيد العالمي, وبالتالي في تحقيق طموحات البشر قاطبة الى اهداف على رأسها الرخاء الاقتصادي. ولرأي هؤلاء المحللين وجاهته دون شك, ولكن الواقع هو ان بلدان الشمال الصناعية المتقدمة النمو لا تقيم علاقاتها الاقتصادية الدولية على اساس هذه المفاهيم ولكن, في اقامتها لهذه العلاقات, تكون مسترشدة الى حد بعيد جدا بما تتصوره على انه يخدم مصالحها الاقتصادية الخاصة بها دون ايلاء الاعتبار الكافي, من منظور المفاهيم المذكورة اعلاه, للمصالح الاقتصادية للبلدان النامية. تعاني البلدان النامية من أزمة اقتصادية حادة, وفي حالات كثيرة من أزمة اقتصادية خانقة تتمثل في ظواهر مختلفة الاهم منها الركود والكساد الاقتصاديان, ومن الخطأ الفاحش ان توضع المسؤولية كلها ــ كما يفعل عدد لا يستهان به من المعنيين بهذه القضايا على نشوء هذه الازمة على عاتق البلدان النامية وحدها, هذه المسؤولية تقع في الحقيقة على عاتق مجموعتي البلدان النامية والمتقدمة النمو كلتيهما, وتعود هذه الازمة الى الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والادارية السائدة في البلدان النامية وايضا ــ وذلك الاهم كثيرا ــ الى انعدام البيئة الاقتصادية المؤاتية للتنمية الاقتصادية والى انعدام القدر اللازم من التعاون الاقتصادي العالمي والى اتخاذ اجراءات اقتصادية من جانب بلدان متقدمة النمو ليس من ايحاء مفهومي التكافل والتكامل الاقتصاديين العالميين, وما فتئت بلدان نامية تعمل في ظل هذه البيئة غير المؤاتية التي ما انفكت تحبط الجهود الدؤوبة التي تبذلها بلدان نامية لتحقيق التنمية الاقتصادية. وتتجلى هذه البيئة الاقتصادية الدولية المناوئة في الاختلالات الاقتصادية البنيوية (الهيكلية) بين البلدان المتقدمة النمو والبلدان النامية, وهذه الاختلالات بدورها تسهم اسهاما كبيرا في ايجاد وادامة هذه البيئة, ذلك يوضح وجود تأثير متبادل بين هذه البيئة والاختلالات. وتجعل هذه الاختلالات ــ كما يتضح في معرض هذا المقال ــ البلدان النامية مجالا تحاول البلدان المتقدمة النمو عن طريقه وقد حققت نجاحا كبيرا في هذه المحاولة تخفيف وطأة الضغوط الاقتصادية والمالية القائدة داخل هذه البلدان الأخيرة. ان ازالة تلك الاختلالات واحلال بنى علاقات اقتصادية جديدة بين مجموعتي البلدان محل بنى العلاقات الاقتصادية القائمة بينهما من شأنها ان يسهما اسهاما كبيرا في التغلب على الازمة الاقتصادية التي تعاني منها البلدان النامية, وكيفية هذا التغيير احد التحديات التي تواجهها البشرية. ومن الجدير بالذكر ان البلدان المتقدمة النمو تعاني ايضا من مشاكل اقتصادية, غير ان هذه المشاكل اقل حدة كثيرا عن المشاكل الاقتصادية التي تعاني البلدان النامية منها, ويمكن القول ان انشاء بنى العلاقات الاقتصادية الجديدة من شأنه ان يساعد البلدان المتقدمة النمو في ازالة او على الاقل تقليل مشاكلها الاقتصادية, وفي هذا المقال سنعمد الى تبيان عدد من الاختلالات البنيوية الاكثر بروزا بين مجموعتي البلدان والى عرض بعض الصيغ الاقتصادية التي يمكنها ان تسهم في ازالة بعض هذه الاختلالات. احتكار عدد قليل من البلدان لعملية صنع القرار احد هذه الاختلالات هو احتكار عدد قليل جدا من البلدان الغربية مجتمعة كانت ام منفردة لعملية اتخاذ القرارات الاقتصادية والقرارات غير الاقتصادية التي لها أثر في الشؤون الاقتصادية, دون الاكتراث بمضامين مفهومي التكافل والتكامل الاقتصاديين العالميين, فهذان المفهومان يتضمنان ضرورة مراعاة الحاجات الاقتصادية المشروعة للبلدان المتقدمة النمو والنامية وليس المجموعة الاولى من البلدان فقط. احتكار اتخاذ القرار هذا لا يدل على تهميش البلدان النامية في الاقتصاد العالمي فحسب ولكنه يسهم ايضا في زيادة التهميش وبهذا الاحتكار تكون البلدان النامية عاجزة فعلا عن المشاركة الفعالة في توجيه الاقتصاد العالمي. وقد يكون من نافلة القول ان البلدان الصناعية تسترشد في اتخاذ القرار هذا بالاعتبارات السياسية والاستراتيجية العليا التي توليها الاولوية على اعتبارات اخرى مثل التكافل والتكامل والتعاون على الصعيد الاقتصادي العالمي. ومن منطلق التكافل والتعاون الاقتصاديين العالميين ونظرا الى ان بلدان الجنوب هي الاكثر تضررا من النظام الاقتصادي الدولي الحالي يتعين على البلدان الصناعية ان تراعى في سياستها متطلبات التعاون العالمي والحاجة الى تهيئة البيئة الاقتصادية العالمية المؤاتية لتنمية جميع البلدان. عدم الانضباط المالي داخل البلدان المتقدمة النمو تتبع بلدان الشمال سياسات داخلية في مجالات مختلفة مثل الامن والخدمات الاجتماعية وسياسة تشجيع الاستهلاك, وتنطوي هذه السياسات على نفقات مالية طائلة دون المراعاة الكافية للانضباط في الانفاق المالي, ومما يجعل البلدان المتقدمة النمو مدينة بمبالغ مالية طائلة لهيئات مالية رأسمالية مختلفة, هذه السياسات تحدث اثرا سلبيا كبيرا في الاقتصاد العالمي, فهي توجد ضغوطا مالية داخلية لها انعكاسات على السياسات الاقتصادية والمالية التي تتبعها البلدان الصناعية على الساحة الدولية, فتلك السياسات الداخلية التي تتبعها البلدان المتقدمة النمو والتي تفضي الى الافراط في الاستهلاك وفي الانفاق المالي هي احد الاسباب الهامة للتضخم النقدي والبطالة التي تبلغ مستويات عالية في البلدان الصناعية. ولمواجهة الضغوط الاقتصادية والمالية الداخلية الناشئة عن السياسات الاقتصادية التي تتبعها البلدان الصناعية تتخذ هذه البلدان تدابير اقتصادية ومالية على الساحة الداخلية والساحة الخارجية الدولية. ومن هذه التدابير تعزيز النزعة الحمائية وزيادة اسعار المنتجات المصدرة وزيادة اسعار الفائدة على القروض الممنوحة للبلدان النامية, وتوجد هذه التدابير ضغوطا شديدة الوطأة على اقتصادات البلدان النامية, وتؤدي هذه الضغوط الى زيادة حجم الديون الواقعة على البلدان النامية والى زعزعة استقرار الاسواق المالية في هذه البلدان والى زعزعة استقرار اسعار المواد الخام وتخفيض اسعارها في الاسواق الدولية, وبالتالي الى اضعاف ما لدى البلدان النامية من نفوذ في الاقتصاد العالمي والشؤون الدولية. الاختلال في أسعار السلع المصدرة ومما يضر بالغ الضرر باقتصادات البلدان النامية اختلال التوازن الصارخ بين اسعار السلع الأولية الاساسية التي تصدرها البلدان النامية والسلع المصنعة التي تستوردها تلك البلدان من البلدان الصناعية, فبينما انخفضت اسعار السلع التي تنتجها وتصدرها البلدان النامية او ثبتت او ارتفعت ارتفاعا قليلا ارتفعت ارتفاعا كبيرا جدا اسعار المنتجات المصنعة المستوردة من البلدان المتقدمة النمو الى البلدان النامية. ومما يسهم ايضا اسهاما كبيرا في هبوط اسعار سلع البلدان النامية الشركات عبر الوطنية لعدد من البلدان الصناعية, فلتلك الشركات, خدمة لما تتصوره مصلحتها المالية. اليد الطولى في تحديد أسعار سلع البلدان النامية نتيجة لسيطرة تلك الشركات على الأسواق الرئيسية الغربية لتلك السلع. ومما يشير الى الحجم الكبير للضرر الناشئ عن الاختلال في أسعار السلع المصدرة لبلدان الشمال والجنوب باقتصادات البلدان النامية هو ان حاجة البلدان النامية الى أموال سلعها المصدرة أكبر كثيرا من حاجة البلدان المتقدمة النمو الى تلك الأموال, وذلك بالنظر الى تنوع مصادر دخل البلدان المتقدمة النمو والى حقيقة ان تصدير السلع الأولية يكاد يكون مصدر الدخل الوحيد للبلدان النامية. ومن الجلي ان تفاقم مشكلة الديون الخارجية الواقعة على البلدان النامية يزيد العجز في ميزان مدفوعاتها ويزيد حجم الموارد المتدفقة من بلدان الجنوب الى بلدان الشمال مما يستتبع زيادة المشاكل الاقتصادية والمالية والتنموية التي تعاني بلدان الجنوب منها. وللاسهام في اقامة البيئة الاقتصادية العالمية المؤاتية من الممكن اقامة علاقات متبادلة بين ارتفاع أسعار المواد المصنعة التي تنتجها وتصدرها بلدان الشمال وثبوت أو انخفاض أسعار السلع الأولية التي تصدرها بلدان الجنوب, ومن الممكن أيضا تصور وتوخي رفع اسعار السلع الأولية لبلدان الجنوب بنسبة معينة الى ارتفاع أسعار المنتجات المصنعة لبلدان الشمال. الحمائية وتعتمد البلدان النامية وخصوصا البلدان الصغرى والأضعف اقتصاديا اعتمادا متزايدا على التجارة الدولية لكسب الموارد المالية للمساعدة في الاضطلاع بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية وفي القيام بسد الديون وبالوفاء بتكلفة خدمتها وهي الديون والتكلفة المتزايدة الوطأة على البلدان النامية. وأحد الاختلالات البنيوية هو اتباع عدد كبير من البلدان الصناعية الحمائية أو النزعة الحمائية القوية التي يراد بها تعزيز اقتصاد البلد الذي يتبعها ويأتي هذا التعزيز على حساب بلدان أخرى, وتتمثل هذه النزعة في اتخاذ تدابير منها زيادة التعريفات الجمركية والحد من كمية السلع المستوردة, وبينما تزداد أهمية التجارة الدولية في تنمية البلدان النامية تصطدم هذه البلدان بهذه النزعة الحمائية, ان أقل البلدان نموا التي لديها قدرات أقل كثيرا على التكيف الاقتصادي بسبب بنيتها الاقتصادية والادارية الضعيفة تعاني معاناة أكبر من الحمائية. ومؤدى هذه الحمائية اغلاق الأسواق في وجه السلع التي تريد البلدان النامية أن تصدرها أو تقليل امكانيات تسويقها وبالتالي كانت هذه الحمائية, ولا تزال من العوامل التي تقلل حجم صادرات البلدان النامية تقليلا كبيرا, وان تضييق أو ايصاد الاسواق يؤدي ايضا الى الهبوط الحاد في أسعار السلع التي تصدرها هذه البلدان والتي تشكل عنصرا حيويا في اقتصاداتها وتنميتها, فايصاد الأسواق أو حتى تضييقها يوجد المنافسة بين البلدان المصدرة نفسها مما يجعلها تخفض أسعار سلعها ومما يسهل على البلدان الصناعية المستوردة التحكم بالأسعار. لقد أجرى البنك الدولي في سنة 1988 دراسة خلصت الى ان السياسات الحمائية التجارية التي تتبعها الدول الصناعية قد خفضت الدخل الوطني للبلدان النامية بحوالي ضعف حجم المساعدة الانمائية الرسمية المتلقاة من البلدان الصناعية تلك, وبالتالي فان الغاء هذه السياسات أو الحد منها جوهري لتهيئة الظروف الضرورية المؤاتية لتحقيق التنمية المستدامة للبلدان النامية, ان اعاقة التدابير الحمائية للجهود التصديرية للبلدان النامية وهبوط أسعار سلع هذه البلدان وتذبذبها الناجمين عن هذه التدابير تسهم اذن في اختلال تكافؤ التبادل التجاري, مما يعرقل تحقيق النمو الاقتصادي والتنمية الاقتصادية. ومن الممكن الغاء النزعة الحمائية أو على الأقل اضعافها عن طريق تعزيز النظام التجاري المتعدد الأطراف ومراعاة البلدان كلها لمقتضيات التكافل والتعاون العالميين في الميدان الاقتصادي. الديون ولأسباب مختلفة منها الأسباب المذكورة أعلاه نشأت وتزايدت الديون الخارجية الواقعة على البلدان النامية, لقد أصبحت الديون الخارجية في حقيقتها ومضاعفاتها مشكلة وأزمة عالمية ذات أبعاد اقتصادية وسياسية تترك آثارها السلبية في عملية التنمية في البلدان النامية, ومن المضاعفات السلبية المترتبة على أعباء هذه الديون الباهظة ان هذه الديون توجد ظاهرة النقل الصافي للموارد من بلدان الجنوب الى بلدان الشمال, أي ان الأموال المنقولة من الجنوب الى الشمال على شكل الأسعار المرتفعة للمنتجات المصدرة الى بلدان الجنوب وكلفة خدمة الديون المرتفعة الواقعة على بلدان الجنوب تفوق الاموال المنقولة من بلدان الشمال الى بلدان الجنوب على شكل الأسعار المنخفضة للسلع المصدرة الى بلدان الشمال وعلى شكل المعونة المالية الهزيلة المقدمة من قسم من بلدان الشمال الى بلدان الجنوب. وفيما يتعلق بارتفاع كلفة خدمة الديون نذكر على سبيل المثال انه بسبب الارتفاع الشديد في أسعار الفائدة - التي هي جزء من كلفة خدمة الديون - ارتفعت مديونية نيجيريا الخارجية من 3.4 مليارات دولار في عام 1978 الى 30.7 مليار دولار في عام ,1988 اي بما يزيد على 27 مليار دولار في سنة واحدة. ومن المضاعفات السلبية المترتبة على أعباء هذه الديون الثقيلة ان هذه الديون تحرم البلدان النامية من المرونة اللازم توفرها لاعتماد سياسات سليمة لنموها وتنميتها. ولتمويل التنمية في البلدان النامية أو للوفاء بالمتطلبات الانمائية المالية يجب تخفيض حجم الديون الضخم وتخفيض كلفة خدمتها, اذ ان دفع مبالغ مالية طائلة للوفاء بكلفة خدمة الديون لايزال يعرقل توفير الأموال اللازمة للتنمية, وتمتلك البلدان الدائنة القرار بتخفيض كلفة الديوان أو بالغاء الديون أو قسم كبير منها, ولحد الآن يبدو انه ليست لدى هذه البلدان الارادة الحقيقية لهذا التخفيض والالغاء. وذلك لان هذه البلدان معنية في المقام الأول بمصالحها المتصورة ولأنها المستفيدة في الوقت الراهن من الحالة الاقتصادية العالمية السائدة. أستاذ الدراسات الشرقية بجامعة اسيكس كاونتي - الولايات المتحدة الامريكية*