عندما أوقفنا سيارتنا في احد الشوارع الاسترالية, لنفسح لتلك السائحة اليابانية المجال ان تعبر الطريق, نظرت صوبنا بامتنان , وانحنت بأدب بالغ, وكادت تسجد ارضا! عندها علقت بشكل لا ارادي: اليابانيون شعب مؤدب ومتحضر جدا. وعندما أدمنت السفر الى الولايات المتحدة, لم يكن ذلك الادمان لجمال ساحر يتوفر فيها, ولم أجده في باقي الدول القريبة التي زرتها, السبب يكمن في تآلفي مع مزاج الحياة الامريكية, ومع الإنسان الامريكي, وتلك التلقائية الحضارية المدهشة التي تضبط نسق المجتمع بأكمله, وإيقاع الانسان وسط هذا المجتمع الفسيفسائي الضخم. وبين اليابان والولايات المتحدة يرتسم افق لا حد له, وتضيع مساحات في زرقة الهادي, ذلك المحيط الواسع الذي وجدت نفسي ذات صيف ــ شتائي! مقذوفة على ضفافه الجميلة دون ان اتمكن من التناغم مع نبض تلك البلاد, لسبب لا أعلمه. وقد تحجب السماء عنا كثيرا من عوالم ما وراء الأفق, لكنها ولأسباب كثيرة لا تحجب عنا وهج الحضارة الذي تنقله كل وسائل الاتصال والمواصلات واشكال التثاقف الانساني والمعرفي. لقد قال الله منذ الازل انه خلق البشر مختلفين, خلقهم شعوبا وقبائل ليتعارفوا, ثم ترك لذاته مقاييس التقييم ومعايير التقوى والصلاح, فليس من شأنك وانت تزور مدن الدنيا ان تقيم الشعوب على اساس التكوين الديني, والانتماء العقائدي وان تنظر اليهم وفق هذا الأساس, لانه ببساطة اساس لا يمكن ان يتفق عليه البشر ابدا. الصحيح هو ان تقيّم الآخرين على اساس ادائهم في دنيا السلوك والتعامل, فهذا ما سينعكس عليك سلبا او ايجابا وبشكل مباشر, سواء كنت زائرا او سائحا. وهذا ما تعتمده الشعوب الأخرى في تعاملاتها, وعلى اساسه تقيّمنا وتنظر الينا دون ان تعبأ كثيرا للمرات الخمس التي نصلي فيها يوميا, ولفترة صيامنا الطويلة, ولقيم الشرف والعيب التي نؤمن بها. ان جملة سلوكياتك التي تصدر عنك امام الآخرين, تقع تحت مجهرهم دائما, وتخضع لتقييمهم الدقيق والقاسي, وعليه فكلنا مطالبون بأن نراقب تصرفاتنا هناك, سواء في المتجر او المطعم او الحديقة او الشارع, مع بائع الآيس كريم ونادلة المطعم ومدير البنك او الفندق, مسؤوليتنا نحن دون غيرنا اذا تحولوا الى سياط تجلدنا بقاسي الكلام, في صحفهم ووسائل اعلامهم. وموضوع حسن التعامل هو ما يجب ان يهمك ويدفعك للتأمل والتقييم, يجب ان تفكر كثيرا ــ كما يفكر الآخرون هناك ــ في قضية السلوك المتحضر بذوق ورهافة حس, و(ذوق) تعني ان تستحضر كل قيم التعامل الانساني الرفيع الذي لا يؤدي الى ايذائك او ايذاء الآخرين, ولا يطبع عنك صورة الهمجي الخارج من سراديب الكهوف! لأنك وببساطة لست كذلك. للأسف رأيناهم اولئك الذين يتلبسون (الهمجية) كهواية عجيبة وفق نظرية (خالف تعرف), فقط ليتميزوا دون ان يعوا انه تميز لا يدعو للشرف أبدا. نظرة فاحصة الى نبض الشارع عندنا, تعطينا تصورا لا يخطئه الحس بأن كل سيارة وكل سائق عالم قائم بذاته, تعبر فيه السيارة عن شخصية ومكانة راكبها, وكذلك عن رأيه بنفسه وبالآخرين وبقانون السير, في شوارع الأمم المتقدمة, تجد موزاييك الاعراق والثقافات يعبر عن شخصية وقانونية الدولة وليس عن نفسه ابدا. * هل نحتاج الى وعي المعاملة والسلوك؟ نعم نحتاج وبشدة.