كثير من متابعي السياسة الاقليمية في الشرق الأوسط استمروا يعتقدون - وبعضهم ما زال - ان سياسة الاحلاف في الشرق الأوسط قد انتهت, بعد انهيارها العظيم في الخمسينات والستينات, وبعضهم وجد ما يؤكد اعتقاده , بأن تلك السياسة لم يعد ممكنا حضورها في المنطقة بعد انتهاء نظام القطبية الثنائية وانهيار الاتحاد السوفييتي الذي كان وجوده وحضوره في الشرق الأوسط بين الأهم من مبررات سياسة الأحلاف في المنطقة. وخلافا لهذه الاعتقادات وغيرها, فإن المنطقة تشهد نشاطا محموما لقيام حلف اقليمي سياسي - عسكري, تتكون نواته من تركيا واسرائيل, وتنصب جهوده الأولى باتجاه جذب الاردن للانضمام الى النواة, وبعدها تأتي البقية المحتملة من بلدان المنطقة ليصير حلفا اقليميا يجمع اسرائيل ودولا اسلامية وعربية تحت مظلة ورعاية الولايات المتحدة. والجديد في عودة سياسة الاحلاف الى المنطقة أمران, الأول فيها الدور التركي والذي يبدو محوريا, والثاني حضور اسرائيل القوي والفاعل في هذه السياسة. وأهمية الدور التركي الحالي, تكمن في أن تركيا تأخذ في هذه المرة دور الولايات المتحدة الذي باشرته في الخمسينات عندما نشطت سياسة الأحلاف في المنطقة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية, والتي كان هدفها أولا مواجهة النفوذ السوفييتي في المنطقة, ثم الحصول على موقع قدم وتوسيع نفوذ الولايات المتحدة في الشرق الأوسط, تحتل فيه الدول الأوروبية موقع النفوذ الرئيسي. وتحت هذه الأهداف طرحت الولايات المتحدة مبادراتها بداية الخمسينات لاقامة أحلاف تنظم دول المنطقة في أطر سياسية - عسكرية, وفي إطار ذلك تم ضم تركياعضوا كاملا وفاعلاً في العام 1952 الى حلف شمال الاطلسي الذي تقوده واشنطن, ثم جرى اشتغال أوسع في وقت لاحق على موضوع الاحلاف, إذ تم ضم كل من تركيا وايران والعراق في إطار منظمة سياسية - عسكرية هي حلف بغداد الذي كانت ترعاه الولايات المتحدة, وهو تحالف استمر من عام 1955 الى العام 1958 عندما انفرط عقده بخروج العراق منه. ولم تكن تلك الجهود وحيدة في إطار المساعي الامريكية لربط دول المنطقة سياسيا وعسكريا, بل ان جهودا أخرى نشطت في سنوات الخمسينات من بينها مشروع جونستون للمياه في الشرق الأوسط في عام 1953 الذي كان من المفترض أن يقيم (تعاونا) بين دول عربية واسرائيل بصدد مسألة مياه الاردن وتوطين الفلسطينيين, لكن الأهم منه كان مبدأ ايزنهاور المعلن عام ,1957 والذي تضمن اعلانا امريكيا باستعداد واشنطن لمساندة دول الشرق الأوسط عسكريا لمواجهة أي عدوان من دول (محكومة بالشيوعية الدولية) الذي لم يكن يعني مواجهة تدخلات الدول الشيوعية وبخاصة الاتحاد السوفييتي والصين الشعبية وانماالدول التي ترتبط بعلاقات ما مع تلك الدول ومنها مصر وسوريا - آنذاك - وقد تم استخدام المبدأ من جانب الولايات المتحدة في تدخلها في لبنان عام ,1958 كما تم الاستناد اليه في قيام واشنطن بعقد اتفاقات دفاعية مع تركيا وباكستان وايران في العام 1959. لقد أرخت تلك الفقرة الى حضور مباشر للولايات المتحدة في سياسة الأحلاف, وقد استفزت تلك السياسة شعوب المنطقة, وعارضها معظم الحكومات, الأمر الذي أدى الى هزات عنيفة في بعض البلدان على نحو ما حدث في الأردن, والى انهيار حكومات كما حدث في لبنان, والى تبدل انظمة كما في العراق عام ,1958 واضطرت دول مثل تركيا الى تهدئة سياساتها الاستفزازية في المنطقة ولاسيما سياستها السورية, وكان بنتيجة ذلك انهيار سياسة الاحلاف واندحارها في المنطقة. وبفعل نتائج (التجربة المرة) من جهة وبفعل التطورات, التي طرأت على المنطقة, ولاسيما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي, ونظام القطبية الثنائية مطلع التسعينات, وبسبب رغبة تركيا للعب دور اقليمي في المنطقة ترعاه واشنطن ويستجيب لمصالحها, فقد نشطت تركيا لاعادة احياء سياسة الاحلاف في الشرق الأوسط, وكان من الطبيعي أن تبدأ تلك السياسة انطلاقا من العلاقة مع اسرائيل, وبالتعاون معها لاقامة نواة الحلف الاقليمي المقبل, وهو ما بدأ في العام ,1995 وتصاعد بعده وصولا الى الراهن. وأهمية الخطوة التركية, انها وللمرة الأولى تقدم اسرائيل باعتبارها قطبا اساسيا في الحلف الاقليمي من جانب دولة اسلامية من دول المنطقة, ويعطي ذلك تركيا دعما امريكيا لأن تلعب دور جسر عبور آخر لاسرائيل باتجاه دول المنطقة, وهو من الجهة الثانية يفسر الدعم الاسرائيلي لتركيا, واستعداد اسرائيل المضي مع الدولة التركية الى البعيد في التعاون العسكري - الامني الذي شمل تجديد وتطوير الآلة العسكرية التركية, وتنمية الصناعات العسكرية بين البلدين, وتحسين أداء ومستوى القوات التركية التي باتت تركيا بحاجة متزايدة لها لمواجهة تمردات أكراد شرق الأناضول في الداخل, ومتابعة التدخلات العسكرية في شمال العراق, وتصعيد التهديدات التركية ضد جوارها الاقليمي ولاسيما ضد سوريا وايران واليونان وجمهورية قبرص, وهو ما درجت عليه سياسة تركيا في الفترة الأخيرة. غير ان الأهم فيما تحصل عليه اسرائيل من انخراطها في الحلف انها صارت أكثر حضورا في الواقع الاقليمي, وأكثر قدرة في التأثير عبر تركيا على بعض جوانب الصراع العربي - الاسرائيلي, إذ هي لم تحيد فقط دولة اسلامية كبرى مثل تركيا في موضوع الصراع, بل جعلتها حليفا لها, وهي تحاول من خلال تأثيرها في العلاقات التركية - الايرانية خلق انشغالات جديدة لايران عن موقف الاخيرة في الصراع ضد اسرائيل, لكن الأهم في هذا فتح جبهة للصراع التركي مع سوريا لاضعاف الموقف السوري إزاء اسرائيل وسياستها في المنطقة. ويبدو انصباب الجهد التركي - الاسرائيلي كل على انفراد أو بصورة مشتركة - على ادخال الاردن في الحلف الاقليمي بنواته التركية - الاسرائيلية, هدفه إحداث نقلة في الموقف العربي, بحيث يسجل علنا وبصورة مباشرة انتقال دولة عربية الى صف التحالف السياسي والعسكري مع تركيا واسرائيل مما سيؤذن بصورة عملية الى سقوط النظام الاقليمي العربي, وظهور النظام الشرق أوسطي الذي ترعاه وتقوده الولايات المتحدة, وقد تكون المناورات المشتركة المتوقعة قريبا, نقطة تحول بارزة في هذا المجال.