العلاقة بين مصر والسودان علاقة خاصة للغاية.خاصة في مضمونها وخاصة في تاريخها وتطورها, وتحتاج بالضرورة إلى خصوصية شديدة في التعامل معها والاقتراب منها . فالارتباط المصري السوداني ليس مجرد ارتباط قومي عربي تتوافر له مقومات اللغة الواحدة والتراث المشترك والارتباط الجغرافي والتاريخي, وليس مجرد ترابط جارين عاشا ولفترات تاريخية ممتدة هموما وطموحات واحدة, بل إنه فوق هذا كله, وربما أهم من هذا كله ارتباط النيل او ما يمكن ان نطلق عليه ارتباط الحياة نفسها. فكلاهما استمد وجوده وارتبط تاريخه وحضارته بذلك النهر الفريد الذي يجوب السودان كله وينطلق شمالا لينبسط على الاراضي المصرية من اقصاها الى اقصاها قبل ان تمتزج مياهه العذبة بمصبات البحر المتوسط لهذا كله كان لزاما على أي حاكم في مصر أو السودان, وايا كانت اتجاهاته وسياساته هو الحرص على هذه العلاقة التاريخية والمصيرية بين البلدين والشعبين. ولعل هذا كان ومازال هو جوهر الموقف المصري وهي تتعامل مع السودان على الأقل في مرحلة ما بعد التخلص من أشكال الاستعمار القديم وقيام الدولة الوطنية الحديثة في السودان. وعلى مدى هذا التاريخ المعاصر, وبالرغم من كل الخلافات التي كانت تطرأ بين البلدين, وبالرغم من كل المحاولات التي بذلتها ومازالت تبذلها القوى المعادية للشعبين لتعكير صفو العلاقات بينهما واثارة النزعات القبلية والعنصرية والحدودية, كانت الثوابت الجغرافية والتاريخية تفرض نفسها لتجعل من الصعب صعوبة المستحيل قبل الارتباط المصيري بينهما. بل انه وبالرغم من ان حكم الجبهة الاسلامية في السودان قد حاول ان يتجاوز في علاقاته مع مصر الكثير من الثوابت, بما في ذلك التفريط في وحدة السودان نفسه والموافقة على تقرير المصير للجنوب السوداني تحت دعوى الحفاظ على الطالع الاسلامي وتطبيق الشريعة في الشمال. أيضا تحويل السودان في فترة من الفترات إلى مأوى للعناصر الارهابية الاصولية واستثمارها لخلخلة الامن والاستقرار في مصر والذي وصل الى قمته في محاولة الاغتيال التي كانت تستهدف الرئيس المصري اثناء حضور مؤتمر القمة الافريقي في أديس ابابا منذ سنوات, الا ان العقل الاستراتيجي لمصر تعامل مع هذه الامور منطلقا من الثوابت في تحكم العلاقات المصرية بين مصر والسودان. ووقفت مصر في مجلس الامن ترفض تصعيد اجراءات المقاطعة والحظر على الشعب السوداني, وعلى اعتبار ان هذه الاجراءات تضرب في الاساس جماهير الشعب الشقيق ومصالحها الحيوية هذا رغم ان المبرر الذي قدم لاتخاذ هذه الاجراءات ارتبط بموقف حكومة السودان من ايواء وتدريب الذين شاركوا في محاولة الاغتيال الفاشلة للرئيس المصري في اديس ابابا. كما ان الموقف المصري لم يترك فرصة في المحافل الدولية والاقليمية لكي يعلن بوضوح لا لبس فيه ولا غموض, الحرص على وحده التراب السوداني شماله وجنوبه ووسطه وشرقه واعتبار ان ذلك جزء لا يتجزأ من مفهوم الامن الاستراتيجي لمصر نفسها. وهذا الموقف الصحيح والمنطلق من ثوابت العلاقات الاستراتيجية التي تربط البلدين هو الذي صاغ الموقف المصري في العلاقات مع كل القوى السودانية خاصة اذا بدا كما لو ان بعض هذه القوى وعلى رأسها الجبهة الاسلامية في السودان, تمارس سياسات تؤدي بالضرورة الى الحاق اضرار بوحدة التراب السوداني. وعندما عقدت قيادة التجمع الوطني السوداني دورة اجتماعاتها الاخيرة في القاهرة في الفترة من 15 حتى 17 اغسطس لوحظ الحرص من جانب مصر على تأكيد بعض الحقائق وعلى رأسها التأكيد على ضرورة الحفاظ على وحدة الاراضي السودانية وإدانة اي محاولات للانفصال تحت أية دعوى. كما ان اللقاءات التي جرت في القاهرة بين قيادات التجمع الوطني الديمقراطي المعارض في السودان وبين قيادات الحزب الوطني الحاكم في مصر وغيره من الاحزاب, اخذت صبغة اللقاءات والمشاورات الشعبية بين القوى السياسية المختلفة في البلدين. وقد لوحظ ان البيان الرسمي الذي صدر عقب لقاء الرئيس حسني مبارك بقيادات التجمع الديمقراطي في السودان استخدم تغيير القيادات التاريخية في السودان, وهو تعبير صحيح ودقيق. وتجيء الهجمة الامريكية الخطيرة على اراضي السودان ونسف مصنع للأدوية هناك لتطرح وبوضوح شديد جوهر العلاقات المصرية السودانية. وحينما نتحدث عن الجوهر, فنحن لابد وان نهمس كل ذلك الضجيج على السطح من خلافات ومناوشات تعلو وتنخفض بين الحين والآخر لأسباب تكتيكية ومرحلية تتعلق بحسابات البعض هنا او هناك. فالجوهر كان ومازال هو التشابكات التاريخية الجغرافية والمصيرية التي تربط البلدين, والتي لا يستطيع احد ان يقوم بتفكيكها أو تجاهلها أو تهميشها. ولقد أخطأ النظام الحالي في السودان خطأ فاحشا في حق الثوابت المصيرية التي تربط الشعبين حين تصور, حتى مجرد التصور, بأن الصواريخ التي ضربت المصنع السوداني في الخرطوم انطلقت من الشمال. فهذا الخطأ يعكس خللا واضحا في المنطلقات الاستراتيجية للنظام السوداني والذي كان لابد وأن يدرك أن مصر قبل أية دولة أخرى ومن منطلق مصالحها الاستراتيجية البحتة لا يمكن أن تسمح بأي عدوان أجنبي على أراضي السودان, ليس هذا فقط بل ان الاستراتيجية والمنطلقات السياسية لمصر تدرك تماما ان هذه القوى التي أعطت لنفسها الحق في ضرب مصنع في الخرطوم يمكن لها وبهذا المنطق العدواني الساخر أن تضرب مصنعا للأدوية في القاهرة وتحت دعوى انه ينتج أسلحة كيماوية. ومصر تدرك وتعرف يقينا ان ضرب المصنع السوداني من جانب الولايات المتحدة ليس له أية علاقة بمكافحة الارهاب ولكنه جزء من استراتيجية أمريكية تعطي لنفسها الحق بأن تكون هي البوليس الدولي القادر على الضرب في أي مكان وبأية وسيلة. ومصر قبل أي بلد آخر, ومن خلال تجربتها الخاصة مع الارهاب الأصولي سواء يتخذ المسوح الإسلامية أم يرفع الرايات الصهيونية العنصرية, هي صناعة أمريكية في الأول والآخر. فالولايات المتحدة هي التي دربت وسلحت بل وبرمجت الأصوليين خلال الحروب الأفغانية سواء في الفترة الأولى 1979 ــ 1989 حينما أقامت لهم معسكرات التدريب للحرب ضد امبراطورية الكفر (الاتحاد السوفييتي) أو في المرحلة الحالية التي شهدت القتال بين أعداء الحرب الأفغاني. بل إن حركة طالبان التي تسيطر الآن على معظم الأراضي الأفغانية وتفرض حمايتها على الأفغان العرب, لم يكن ليتحقق لها هذه السيطرة إلا بمعونة ومساندة ومباركة أمريكية واضحة. وأمريكا التي رفضت في الشهر الماضي تشكيل محكمة دولية لمحاكمة مجرمي الحرب بالرغم من موافقة 160 دولة, والتي ما زالت ترفض فكرة مؤتمر دولي تحت اشراف الأمم المتحدة لوضع أسس دولية لمقاومة الارهاب. وأمريكا التي ساندت سيطرة طالبان على أفغانستان لاستخدامها في اغراق منطقة وسط آسيا في صراعات دينية وعرقية ضد إيران والدول الإسلامية التي خرجت من عباءة الاتحاد السوفييتي. والتي تغذي النزعات الأصولية في السودان, في الشمال وفي الجنوب لتقسيمه واغراقه في الحرب الدينية والقبلية. وتدعيم اسرائيل بنزعاتها العدوانية وبأصوليتها الصهيونية القائمة على أسس دينية. أمريكا بهذه المواصفات العملية ووفقا لخططها الاستراتيجية في زمن السيطرة والهيمنة الدولية, تنظر إلى الارهاب من منظور آخر, فهو رصيد لها تستثمره لفرض أهدافها ومصالحها. ومن منطلق المصالح والأهداف الاستراتيجية الأمريكية, ماذا يساوي بعض العبث الارهابي الصبياني في نسف السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام, في مقابل اعطاء مبرر لتأكيد الحق الأمريكي في ضرب أي هدف في أي أرض أو بلد مستقل. هذا هو الخطر الحقيقي الذي استوعبته مصر جيدا. ولذلك انطلق النداء من القاهرة لعقد مؤتمر دولي تحت اشراف الأمم المتحدة لمواجهة الارهاب الحقيقي. ويبقى على نظام الجبهة الاسلامية في الخرطوم ان يستوعب هو الآخر تلك الحقيقة.