لا قدوم دنيس روس, ولا اجترار المبادرات الامريكية, ولا الحديث عن 13% من الارض أو أكثر أو أقل, أو أية تفاصيل لهذه النسب, أو الحديث عن توافق أو تنازل آحادي أو متبادل بين الفلسطينيين والاسرائيليين .. سيؤدي الى نتيجة تصب ولو قطرة واحدة من الحقوق في الكف الفلسطينية المحدودة منذ سنوات للجانب الاسرائيلي ولأمريكا وللعالم غير المعني كله. فاذا كان الهدف من كل هذا التفاوض ــ قمة أوسلو ــ كما تدعي السلطة الفلسطينية, وهو الوصول الى هدف اقامة الدولة الفلسطينية, واذا كان هذا الهدف حتميا ولابد من الوصول اليه (سواء بالتفاوض أو بغيره) , كما صرح حسن عصفور, الشريك الثاني لأحمد قريع في مفاوضات أوسلو السرية, فإن ما سنبحثه هنا هو هذا الــ (بغيره) . فهذه البدائل للمفاوضات الجارية منذ مدريد ومن بعدها أوسلو, والتي يشير اليها رجال السلطة الفلسطينية بصورة مبهمة ويتهربون دوما من تحديدها ــ خاصة في ظل قمعهم للمعارضة السياسية وللمقاومة الوطنية الفاعلة على الارض المحتلة بحجة مكافحة (الارهاب) وتنفيذ البنود (الأمنية) في اتفاقية أوسلو ــ هذه البدائل ليست لغزا لا يملك مفتاحه الا السلطة الفلسطينية. وفي حال انفراد هذه السلطة بالساحة بقرار منها, وفي حال وصولها الى الخط الذي اختارته وفرضته دون غيره الى هذا الطريق المسدود, فإن كل من هم خارج هذه السلطة, فلسطينيون وعرب, يظلون الاقدر على بيان هذه البدائل وطرحها. فلا أحد يتوقع من أية (سلطة) انفردت بالقرار, وخاصة سلطة من العالم الثالث والعالم العربي بالذات, ان تطرح هي البدائل لخطها وخططها, فذلك من شأنه ان يطرح البدائل ــ الديمقراطية جدا والمنطقية جدا والطبيعية جدا ــ لذات السلطة المنفردة بالقرار, ولا نقول (بالحكم) هنا كون السلطة الفلسطينية (محكومة) وليست (حاكمة) حتى الآن... وأساسيات البدائل وأهم مقومات شرعيتها هو انبثاقها من الشعب الفلسطيني كله, وليس من أجزاء منه فقط. وبقدر شمول القاعدة التي تنطلق منها تلك البدائل وتستند اليها, تزداد قدرتها على دعم خياراتها واسماع صوتها للعالم وفرض شرعيتها الديمقراطية. وليست هناك حتى الآن هيئة أشمل تمثيلا للشعب الفلسطيني من المجلس الوطني, وبالرغم مما هو معروف عن اختراقات ذلك المجلس التي تتم بالتعيين بدل الانتخاب, فإن مجمل جسم المجلس, والمعارضة فيه بالذات ــ ما دمنا نتحدث عن (البدائل ديمقراطيا ــ قادرة على البدء بغربلة هذا الجسم الى الحد الذي تتركز فيه وتتكرس وتقوي أسس التمثيل الانتخابي بما لا يسمح لا لاختراق الارادة الشعبية الفلسطينية من قبل السلطة, ولا للتشكيك في شرعية أي قرار يتخذه المجلس ولا يناسب اسرائيل. وبعد, بل وأثناء هذه المراجعة بامكان المجلس ان يعلن نفسه الجهة المخولة بامساك زمام الامور واتخاذ القرارات. وهذا ضروري جدا في هذه المرحلة, وبالنظر لحال السلطة الفلسطينية في تفاوضها الآخذ خطه البياني في الانحدار السريع. فاسرائيل ــ وأقصد شعبها هنا ـ اختارت استبدال العمل بالليكود بعد استنزاف الجزء الأول من أوسلو وعند اقتراب مرحلة التنازلات الاسرائيلية بالذات. وبذلك عادت لترفع خطها البياني في انطلاقة صاروخية لا يرى أحد نهاياتها.. ودون هذا التغيير من العمل الى الليكود, ما كان يمكن تبرير هذا التطور, وكان بالفعل سيعتبر (انقلابا) على أوسلو, وليس تطورا محسوبا ومعدا له منذ توقيع أوسلو. ورغم تحفظاتنا على تركيبة المجلس الوطني, مما أشرنا اليه في مقدمة المقال, فإنه يبقى الاقدر والافضل حاليا. وحتى تفجير الخلاف داخله يظل ايجابيا لأنه يفصل الابيض من الاسود, علناً, في الجسم التمثيلي الشعبي الفلسطيني, ويعيد الشرعية والدعم الشعبيين للقطاع الذي يحمل فعلا هموم ومصالح هذا الشعب. وأهمية المجلس الوطني تبدو من موقف اسرائيل تجاهه والذي يتراوح بين مقاومته مقاومة شرسة في بعض الاحيان الى حد محاولة اسقاط شرعيته, وتشبث اسرائيل بانفراده بالشرعية في احيان أخرى.. والأخيرة هي التي تأمل اسرائيل ان تستخلصها من المجلس قبل ان تباشر بضرب ليس شرعيته ــ فهذه ضربها صعب ــ بل وجوده كمجلس عن طريق اتفاقيات جديدة مع السلطة ستسمى ايضا استحقاقات لأوسلو, واعادة توزيع الادوار, كذلك الذي بدأ بانتخاب المجلس التشريعي محدود التمثيل بالداخل الفلسطيني أو بعض منه. ولبيان أهمية هذا المجلس واعتراف اسرائيل بهذه الأهمية وتخوفها منه, نورد هنا الموقف المتناقض لاسرائيل ذاتها حول شرعية تمثيله للشعب الفلسطيني, وذلك عبر مثالين, الأول: في حجة الوفد الاسرائيلي الى الاتحاد البرلماني الدولي ــ وهي حجة تبناها الاتحاد عبر توصية لجنته التنفيذية وعن طريق اللوبي والاختراق الصهيوني المعروفين ــ لرفض عضوية فلسطين في الاتحاد والتي تقدم بها المجلس الوطني باعتباره برلمان الشعب الفلسطيني كافة. وأصرت اسرائيل واصدقاؤها وأتباعها آنذاك على ان المجلس التشريعي هو الممثل الحقيقي للشعب الفلسطيني, وان عليه ان يتقدم هو بطلب العضوية فيها ــ مع ان هذا الطلب ايضا سيرد لأسباب نعرفها جيدا ــ في حين أصرت على ان المجلس الوطني بالذات لا يملك شرعية تمثيل الشعب الفلسطيني, وذلك في محاولة ليس فقط لرد الطلب الفلسطيني للعضوية, بل وهذا هو الأهم لتكريس تقسيم الشعب الفلسطيني واسقاط الصفة الفلسطينية عمن تم تهجيرهم وترحيلهم قسرا بوسيلة أو بأخرى عن وطنهم. ومقابل هذا الرفض للاعتراف بشرعية تمثيل المجلس الوطني للشعب الفلسطيني, والموثق في محاضر الاتحاد البرلماني الدولي, خاصة في دورته في سيؤول والقاهرة (ربيع وخريف عام 97), فإن اسرائيل وعلى لسان كهلاني وزير الأمن الداخلي, أعلنت مؤخرا ان (المجلس الوطني الفلسطيني هو الذي يمثل كافة الفلسطينيين في الداخل والخارج, وهو المخول وحده بتعديل الميثاق الوطني الفلسطيني) . وحسب ما يعرفه القارىء جيدا يأتي هذا التصريح في سياق رفض اسرائيل لكل تعهدات السلطة الفلسطينية بحذف بنود تحرير الارض وازالة دولة اسرائيل من الميثاق, هذا مع ان السلطة الفلسطينية هي الوحيدة التي تقبل اسرائيل التفاوض معها, وتمنع بالمقابل عددا من أعضاء المجلس الوطني دخول مناطق الحكم الذاتي نفسها ــ وليس باقي الاراضي المحتلة فقط ــ ولم يكن السماح لهؤلاء بالدخول مؤخرا الا مشروطا بمرة واحدة ولاجتماع واحد يلغي البنود اياها.. وذلك بعد ان أشارت حسابات اسرائيل الى ان قدرا كافيا من التدجين جرى لأعضاء المجلس لاستصدار قرارات لصالحها. وبغض النظر كان هذا التدجين قد تم كما تأمل اسرائيل أو تعرف ــ لا فرق ــ فإن مثل هذا التصريح يعكس حقيقتين هامتين: أولهما: ان اسرائيل تخشى الشعب الفلسطيني وتخشى قراراته الديمقراطية, ولهذا تريد استخلاصها من كامل هذا الشعب بمثل هذا التحايل وبالالتفاف والازدواجية.. وثانيهما: ان اسرائيل لا تعترف بالسلطة الفلسطينية ممثلا شرعيا وحيدا لهذا الشعب, وانها عند القرار الذي يعني وجودها ذاته, تريد موافقة الجهة التي تعرف انها الاقرب لتمثيل هذا الشعب, وهو المجلس الوطني. ومن هنا أهمية اجتماع هذا المجلس, ليس داخل أراضي السلطة أو في أي مكان من العالم العربي يتيح له هذا الاجتماع. أو على الاقل دعوة المعارضة فيه الى مثل هذا الاجتماع واعلانها سواء تم الاجتماع أو لم يتم, أو تحقق النصاب أو لم يتحقق, بتوليها أمور الشعب الذي أقرت اسرائيل ذاتها ان هذا المجلس هو الممثل الأكثر شرعية. مثل هذا التحرك ليس بالضرورة مضمون النتائج وواضح المعالم, كما لو كان للمجلس حرية الحركة والاجتماع أو حتى تكتمل شرعية التمثيل دون اختراق, ولكنه حتما تحرك يدفع بمركز الثقل في القرار الى وضع يكون فيه أقرب الى الشعب والقرار الشعبي. وهو بهذا تحرك جاد نحو هذه البدائل التي تقاومها السلطة الفلسطينية بيديها في حين تطرح بلسانها فقط تهديدا أجوف وتعرف اسرائيل كم هو مفرغ من المضمون.