تمتين وتعزيز العلاقات العربية ــ الايرانية ضرورة ملحة, ومسألة ذات أهمية فائقة في سياق حشد كل القوى والطاقات واعادة توحيدها من جديد حفاظا على المصالح الوطنية لشعوب منطقة الشرق الاوسط والخليج . العرب وايران معاً في الرؤية الامريكية الهادفة لإدامة السيطرة والابقاء على مناطق ومنابع النفط والثروات الطبيعية الاخرى, لذا لم تترك واشنطن الامور ولو لحظة واحدة لتهدأ وتستقر المنطقة, بل عملت ومازالت تعمل على احداث الشروخ المتتالية التي تجعل بالمحصلة من المنطقة بقعة استنزاف ومورد هام للطاقة باتجاه الولايات المتحدة والغرب, فضلا عن اعتبارها سوقا مهمة لعرض المنتجات الامريكية والغربية. الوقائع القريبة تعيد الى اذهاننا حرب الخليج الاولى ثم الثانية وما يحصل الآن مع العراق من استمرار الحصار الجائر المطبق عليه. والنتائج الكارثية لهكذا تداعيات. ان المصلحة العليا التي تربط العرب وايران تقتضي التوجه الجاد والحقيقي لحل كل قضايا الخلاف والتباين بروح ايجابية بناءة, ويرتب ذلك على ايران العمل لحل قضايا الحدود مع دولة الامارات العربية المتحدة واعادة الجزر الثلاث اليها (طنب الكبرى, طنب الصغرى, جزيرة ابو موسى) والعراق على قواعد القانون الدولي واستبعاد منطق القوة في حساب العلاقات بين ايران والعرب. نعم نحن وايران شئنا ام ابينا في مكان واحد وجغرافيا واحدة ومساحة واسعة من المصالح المشتركة التي تجمع ولا تفرق وتوحد ولا تمزق. ان الدعوة الحارة لسيادة لغة العقل ولغة وخطاب التسامح مطلوبة بين الجميع, وعلى الجميع ان يبادروا لطي كل الصفحات الماضية والخلافات التي ربح منها اعداء المنطقة. وهنا على الاخوة في ايران الفتح نحو علاقات ايجابية مع العراق الشقيق المحاصر وفتح الحدود المشتركة. كما هو مطلوب من البلدان العربية ان تحذو نحو رفع حصارها عن العراق, لأن الحصار عربي قبل ان يكون دولي. على كل حال, ان كل الخطوات التي قامت بها الجمهورية الاسلامية الايرانية, خطوات ايجابية من خلال البدء باعادة ترتيب العلاقات الثنائية مع دول الخليج مثل الكويت ودولة الامارات. وكل هذه الخطوات بالضرورة يجب ان تستكمل من قبل جميع الاطراف في بناء الثقة المتبادلة وايجاد وترسيخ مساحة التقاطع المشترك في المصالح والعلاقات البناءة بما يعني لاحقا تحقيق الامن والاستقرار في منطقة الخليج ورحيل كل الجيوش الاجنبية والاساطيل الوافدة. وعند استقرار الوضع في المنطقة يبدو للمتابع والسياسي كم هي كبيرة الجهود الامريكية والاسرائىلية الهادفة الى تكبيل منطقة الشرق الاوسط والخليج وايران بحزام واسع من التحالفات والمعاهدات والاتفاقيات العدوانية ما بين واشنطن وتل ابيب وانقرة, وجلب الاساطيل وحاملات الطائرات التي تجوب وتعسكر في قلب مياه الخليج وبحر العرب والبحر الاحمر وقبالة شواطىء شرق المتوسط. فالعدوان الاخير على السودان وقصف مصنع دواء الشفاء, انطلق من قبل حاملات الطائرات الامريكية المتواجدة في بحر العرب والبحر الاحمر. كما تنطلق كل يوم طائرات التجسس من الاراضي التركية لتجوب سماء عديد من البلدان العربية. لنفتش عن كل القواسم المشتركة, ولنترك ونغادر مواقع التباين, ونعمل على حل كل التعارضات وقضايا الخلاف بروح القوانين والمعاهدات الدولية, وبالعودة لحقائق الامور كما هي بدلا من تسعير قضايا الخلاف التي تدفع الادارة الامريكية للنفاذ من خلالها الى المنطقة وتقديم نفسها كشرطي دولي لحماية مايسمى بنظام العولمة بايديولوجية امريكية واسواق مفتوحة للسلع الامريكية التي لا تستطيع دول العالم الثالث منافستها, وبعبارة ادق الحاق دول العالم الثالث بالفلك الامريكي. على الاخوة في ايران متابعة سياسة الانفتاح واعادة بناء الثقة وتوفير كل المناخات الايجابية, كما هو مطلوب من الآخرين. وفي العودة للقمة الاسلامية التي عقدت في طهران أواخر العام الماضي, لابد من الاشارة الايجابية للقرارات التي صدرت عنها كانت فعليا خطوة جيدة تم فيها كسر محاولات واشنطن تقسيم العالم الاسلامي وتمزيقه. فالحضور الجيد للقمة وبقراراتها الايجابية على صعيد الصراع العربي ـ الصهيوني وفي مجالات القضية الفلسطينية, كانت بمثابة جهود ايجابية وفعالة بعد فترة من الركود اصابت العمل الاسلامي واصابت منظمة المؤتمر الاسلامي وفي ظل انتكاسات واسعة وقعت بعد توقيع الاتفاقيات الجزئية والمنفردة مع العدو الاسرائىلي وطغيان منطق التطبيع والهرولة, نحو دولة الاحتلال. ان قرارات قمة طهران شكلت فاتحة جديدة لاعادة استنهاض الاوضاع الاسلامية وتوحيد ارادة مليار مسلم في العالم في دعم واسناد الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية. يفترض الان ان يعود الجميع الى هذه القرارات لترجمتها وتحويلها الى واقع ملموس, ومواجهة العربدة الصهيونية الاسرائيلية ضد القدس والاقصى الذي نمر بذكرى محاولة احراقه. فالاوضاع الصعبة التي يعاني منها الشعب الفلسطيني داخل الاراضي المحتلة وزحف واستشراء غول الاستيطان والتهويد واطباقه على المدينة المقدسة التي اصبحت باغلبية يهودية استيطانية, ان هذه الاوضاع تدعونا جميعا لترجمة قرارات قمة طهران الاسلامية وتفعيل دور منظمة المؤتمر الاسلامي وتقديم الدعم المادي الملموس للشعب الفلسطيني ولمؤسساته الوطنية على أرض القدس وباقي فلسطين حتى يمكنه الثبات والوقوف امام عمليات التهجير والمضايقات وزحف الاستطيان الاسرائىلي الصهيوني التوسعي. ان الوقائع تشي بضرورة عمل عربي ــ ايراني وعمل اسلامي مشترك لاقامة تعاون اقتصادي شامل وتشكيل تكتل اقتصادي وصولا الى استقرار ونفوذ اكثر على الخارطة السياسية, ولكن حتى هذه اللحظة لم نر اي خطوة عملية في العالم الاسلامي في هذا الاطار, لنفتش عن الوسائل التي تمكن الدول الاسلامية من الوصول الى كتلة اقتصادية واحدة تنعكس نتائجها الايجابية على القدرة السياسية للعالم الاسلامي. من الزاوية الاخرى, اننا نعيش منذ سنوات ليست بالقصيرة عصر التكتلات الاقتصادية الكبرى, وعصر الانفتاح والتعاون بين الدول المتقاربة في جغرافيتها وامتداداتها الاقليمية كما هو الحال في اوروبا (دول الاتحاد الاوروبي) وجنوب شرق آسيا (دول السيان) وغير ذلك من التكتلات الاقتصادية بل والسياسية. وهذا بحد ذاته يشكل حافزا كبيرا لتوسيع الصلات بين الدول العربية والعالم الاسلامي كله لانشاء كتلة اقتصادية متقاربة تسهم في نتائجها الايجابية عل القدرة السياسية للعالم الاسلامي ودور مليار مسلم في صنع وتقرير السياسات الدولية بدلا من المراوحة والوقوف في المكان. ان عصر التعاون الاسلامي بين الدول العربية وكل الدول الاسلامية فرصة جديدة للتصدي الواقعي لظواهر العولمة التي تدعو لها واشنطن بمفهومها الابتلاعي لشعوب العالم وهضمها في معدة الطاغوت الامريكي.