تلخص قصة السيطرة الصهيونية على بلدية القدس, الاستراتيجية الصهيونية الكاملة لغزو فلسطين وتهويدها. ففي هذه الجزئية نتعرف على مظاهر التعاون البريطاني الصهيوني لازاحة الوجود المؤسساتي العربي الفلسطيني , وعلى مبدأ التسلسل والمرحلية والتدرج في عملية الاستيطان الصهيوني لفلسطين, وعلى بعض آليات وأساليب تطبيق هذا المبدأ. ففي حين من الدهر, كان التفكير الصهيوني في المناوبة على رئاسة هذه البلدية مجرد أمنية يصعب تخيل تحقيقها. وها نحن الآن في عهد تنكر فيه الصهيونية على الجانب العربي الفلسطيني حق التفكير في الأمر نفسه, ويعني ذلك, ان التطورات السياسية, ونمو المشروع الاستيطاني الصهيوني, أديا إلى تحول كامل في موقع بلدية القدس من النقيض إلى النقيض. لو اتخذنا بداية الحكم البريطاني لفلسطين كنقطة انطلاقه, نلاحظ ان السلطات البريطانية, وضعت عينها على هذه المؤسسة حتى من قبل اقرار انتدابها على فلسطين. فبمجرد احتلالها للبلاد, قامت الإدارة العسكرية البريطانية (1917 ــ 1920) بحل المجلس البلدي الفلسطيني المنتخب, وتعيين لجنة لإدارة البلدية, أسندت رئاستها إلى عضو مسلم, ينوب عنه عضوان من الطائفتين المسيحية واليهودية. حينما بدأ تطبيق الإدارة المدنية (1920), أعيد تشكيل اللجنة المذكورة, وحل محلها مجلس استشاري لإدارة البلدية, تكون من عشرة ضباط بريطانيين وأربعة من المسلمين وثلاثة من المسيحيين وثلاثة من اليهود, وفي وقت لاحق, استبدل هذا المجلس بآخر, قوامه 12 عضوا, نصفهم من العرب (أربعة مسلمين ومسيحيين) ونصفهم من اليهود. هكذا, تزايد النفوذ الصهيوني من عضو واحد في المجلس البلدي إلى نصف أعضاء المجلس. لكن ذلك كله, لم يكن كافيا.. فقد طالب الجانب الصهيوني منذ منتصف الثلاثينات برئاسة البلدية. وذلك باعتبار اليهود أغلبية في القدس. وكانت الهجرات اليهودية المتوالية وحلول جموع منها في حدود المدينة بتواطؤ من سلطات الانتداب, ثم تغيير حدود البلدية لتضم مناطق الاستيطان اليهودي.. قد ساعد على هذه النتيجة (كما يحدث في وقتنا هذا تماما). ولان رئاسة البلدية ظلت منذ الفتح الإسلامي للمدينة في يد عربي مسلم ــ إذ كانت تعرف باسم الحسبة ــ, فقد سعت سلطات الانتداب إلى تسوية اعتبرتها منصفة. فقامت في عام 1937 بتعيين موظف حكومي متقاعد في هذا المنصب (الرئاسة), بعد أن نفت رئيس البلدية الفلسطيني المنتخب إلى سيشيل, ابان ثورة 1936 ــ 1939. وعندما توفى الرئيس المعين عام ,1944 عينت نائبه اليهودي لبضعة أشهر. وكانت تلك سابقة لم تحدث منذ دخول الإسلام للمدينة. الأمر الذي قاد إلى هياج الجانب الفلسطيني, بما أكره حكومة الانتداب على استحداث آلية أخرى.. هي ان يتناوب على رئاسة البلدية لمدة سنة شخص عربي, يليه يهودي, يليه شخص لا هو عربي ولا يهودي. بهذه الطريقة البهلوانية, ذهبت سلطات الانتداب بواحد من أهم حقوق العرب في القدس, وكرست النفوذ الصهيوني عنوة في واحدة من أبرز مؤسساتها. وكان طبيعيا ألا يتجاوب العرب مع هذه التسوية. فأعلن ممثلوهم في المجلس البلدي استقالاتهم. مما اضطرت معه حكومة الانتداب إلى تعيين لجنة من موظفيها المتقاعدين رئيسا لذلك المجلس. كان هذا هو آخر ما انتهى إليه وضع بلدية القدس عشية وقوعها تحت طائلة النكبة الفلسطينية (48ــ1949). وتجدر الاشارة إلى اننا نتحدث هنا عن أهم مؤسسة وطنية فلسطينية في القدس. مؤسسة اكتسبت الصفة السياسية شبه التمثيلية للجانب الفلسطيني, بحكم كونها منتخبة الرئاسة من جهة, وبحكم ان رئاستها استقرت عادة بين يدي العائلات المتنفذة في عموم فلسطين (الحسيني, النشاشيبي, الخالدي) لآجال ممتدة. وبين المعاني المستفادة من هذه الخصائص, ان تعلق الجانب الصهيوني في الاستحواذ على رئاسة بلدية القدس, يتصل وثيقا برغبته في ازاحة السياسة الفلسطينية من البلاد بالكامل. وهذا هو الذي حدث بعينه في غضون النكبة. ويتأكد هذا الفهم بتوابع السياسة الاسرائيلية تجاه بلدية القدس فور احتلال المدينة عام 1967. فبعد ثلاثة أسابيع لا أكثر من حرب يونيو, أعلنت الحكومة الاسرائيلية حل المجلس البلدي المنتخب للقدس الشرقية, والحاق البلدية العربية ببلدية القدس المحتلة 1948. وعرضت العمل وفق الواقع الجديد على رئيس البلدية العربية نفسه, وحين رفض, تم طرده من القدس ومن فلسطين بأسرها. هذا الاجراء الجذري لم يتبع مع أية بلدية فلسطينية في الضفة وغزة. وقد تم تنفيذه بصرامة, بعيدا عن أية ترتيبات تدرجية. فعقب الاستيلاء على المدينة, لم تعد الحركة الصهيونية بحاجة إلى هذه الترتيبات كما كان الحال في عهد الانتداب. وفي الوقت الراهن, ينظر إلى ادماج الخدمات البلدية تحت هيمنة الاحتلال الصهيوني, كأحد أهم الملامح التي يجب مراعاتها عند محاولة تخليص القدس من الاحتلال وفض التداخل مع اسرائيل. وبهذا الصدد, لاحظت دراسات تفصيلية ان قضية الربط البلدي بين شطري القدس أمر شكلي لا غير. وان السيطرة الصهيونية على المؤسسة البلدية, لم ينف حقيقة وجود عالمين مختلفين في المدينة. عالمان يمكن الفصل بينهما, وذلك عكس ما تتوقع اسرائيل بعد ثلاثين سنة ونيف من الاحتلال. ولعل المعنى الذي يستفاد من هذه النتيجة, ان إيمان الناس بالمؤسسة وانتمائهم إليها هو أساس صحة وجودها وتجذره من عدمه. وهذا ما تفهمه المؤسسة الصهيونية لكنها لا تريد أن تصدقه. ودليلنا على ذلك, ان الجانب الفلسطيني أنشأ منذ بضع سنين ما يسمى (المجلس الوطني الفلسطيني ــ القدس) . وذلك بهدف اعداد برنامج عمل بلدي متكامل الدوائر (تخطيط, بنية تحتية, خدمات تعليم وصحة وأمن وضرائب... إلخ) بالنسبة للقدس الشرقية, وقد أطلق بعض المراقبين الاسرائيليين على هذا المجلس اسما لا يخلو من دلالة هو (مجلس ظل بلدي) للعرب, وراحوا يحذرون من تحوله لكيان شبه حكومي خارج السيطرة الاسرائيلية. هذا هو رأيهم فيما يجري. أما رأينا فهو ان التدافع حول المؤسسة البلدية يتجدد وان الكلمة الأخيرة فيه ما زالت قيد المستقبل. كاتب وباحث فلسطيني ــ القاهرة*