صاعقة الضربة الصاروخية التي نزلت على مصنع الشفاء في الخرطوم بحري, اختلفت كثيرا عن صواعق شهر أغسطس الممطر في السودان. فهي لم تخلف وراءها الا سيلا من الآلام والجروح الغائرة في نفس كل مواطن سوداني, وكل الناس في العالم الثالث . هذه الضربة الجبانة تستحق الإدانة من أي جهة تحترم حقوق الإنسان, لانها جاءت مباغتة وبلا أي مبرر. بعض البلدان الصديقة لأمريكا أيدت الضربة بشدة وكانت على علم بها مسبقا! مجلس الأمن لم يبد موقفا واضحا حتى الآن.. وقف جامدا مشدوها كعادته في مثل هذه المواقف!. وهناك الكثير من الأفعال الشائنة والمبطنة الملفوفة داخل هذه الهجمة لم يحن أوان ظهورها بعد. ولكن لماذا ضربت أمريكا مصنعا في السودان في هذا الوقت بالذات؟ الأمريكان ليسوا بالاغبياء لكي يقعوا في مطب شديد يحرجهم أمام العالم كله. انهم مهدوا لمثل هذه الضربة منذ فترة من الزمن بشن الدعاية المضادة للحكومة السودانية. جعلوا صورة هذه الحكومة مشوهة في نظر الشعب الأمريكي ونظر كل العالم. وقد ساعدتهم للأسف حكومة البشير في رسم هذه الصورة القبيحة. ساعدتهم بأفعالها غير المسؤولة تماما في بعض الأحيان. فما معنى أن تفتح البلاد مشرعة لكل الناس ليدخلوها متى ما شاؤا بلا حسيب ورقيب؟. ولماذا كل هذا العداء للمعارضة الشمالية والجنوبية والجيران ولأمريكا؟. هل هم الصح وكل الآخرين خطأ؟. مثل هذه التصرفات الرعناء هي التي تجر على البلاد المصائب والمشاكل الواحدة تلو الأخرى. ألا يدرون كيف يمكن تسيير أمور البلاد؟ إذن لماذا يتشبثوا بالحكم بهذه الطريقة الغريبة؟ هل السودان ملكهم وحدهم, أما العالم سوف يتركهم ينفذون ما يحلوا لهم؟. وعلى أي أرضية يرتكنون ثم ينطلقون.. أرضية التقدم والازدهار؟. قالت الحكومة إن المصنع هو خاص بالأدوية فقط, ونحن حتى الآن بفقدان أمريكا للدليل الدامغ الذي يجعلها تعتقد أنه خاص بصناعة الغازات السامة نجزم أيضا انه خاص بالأدوية فقط. ولكن يزداد غيظنا من تصرفات الحكومة حينما تطلق نداءات وتصريحات جوفاء غير منطقية مستغلة هذا الموقف الحرج. انهم يقولون ان المصنع يساهم في تغطية جزء من حاجات أطفال الجنوب العلاجية, بينما أطفال الجنوب الآن يموتون كل يوم بالعشرات بسبب انعدام الغذاء الأساسي الرخيص جدا (الذرة). كان من الأحرى أولا أن تمنع الحكومة ظهور المجاعة في بحر الغزال لكي تقنع الناس على انها حريصة على صحة شعبها في الجنوب. حتى التبريرات التي تطلقها بخصوص المجاعة, بسبب ضعف وبطء تحركها لنجدة الجياع مثل: انعدام قطع غيار القطارات الأمريكية بسبب الحصار الأمريكي المفروض عليها, نجدها تبريرات جوفاء دعائية لا تعبر عن نيات حسنة وصادقة. فليست القطارات السودانية جميعها من ماركات أمريكية!. والدولة إذا أرادت مساعدة شعبها لا يمكن أن تفقد الوسائل التي تحقق ذلك, وهنالك خيارات عديدة وبدائل وسبل وتضحيات, لابد أن يتم تجربتها جميعا بلا يأس, من أجل الحفاظ على الثروة البشرية أغلى أنواع الثروات. نعرف ان أمريكا حشرت نفسها في نفق ضيق, لانها تسرعت في تنفيذ هذه الخطة الجوية بلا أدلة واضحة وتبريرات مقنعة, لقد ذكر الخبير البريطاني كارنفاي الذي عمل بالمصنع لفترة, في مؤتمر صحفي, انه يستبعد تماما أن يكون المصنع يعمل في تصنيع أسلحة كيميائية, بالرغم من تأييد بلاده للضربة. كذلك نفى كل من له علاقة بالمصنع من أجانب ومواطنين خبراء هذه التهمة الملفقة. وسط هذا التيار المؤيد للحكومة والذي حتما سيصب في النهاية لصالحها, بدأت حكومة البشير كعادتها في اطلاق التصريحات المتناقضة, والصادرة من عدة حناجر, كل واحدة ترفع صوتها كأنها هي التي تمسك بزمام الأمور, إن ما يعاب على هذه الحكومة انها تتخبط بشكل مزري عندما تواجه المواقف الصعبة, ان كانت في صالحها أو غير صالحها. قال البعض منهم ان الغارة تمت بطائرات حربية أتت من جهة الشمال, والبعض قال انها أتت من جهة الجنوب. أصوات تنتقد بشدة بعض دول الجوار, وأصوات تمدح وتسترضي, كما تحدث البعض عن اعلان حرب ضد أمريكا, والبعض عن اعلان توافق مصلحي وتصالح جدي مع أمريكا. قالوا هنالك في الخفاء تجري تسوية بين الحكومة وأمريكا, ثم نسمع انه لا مجال لتسوية الا عبر المنظمات الدولية وفي الجهر والعلن ليعرف كل العالم عنجهية أمريكا. صرحوا بأن المصنع شركة خاصة مملوكة للمواطن الملياردير صلاح أحمد إدريس ثم طمسوا هذا الحق الخاص, باعلاناتهم وتصرفاتهم, التي يمكن أن يفهم منها العالم ان هذا المصنع ملك للحكومة وليس لفرد. وبالفعل نحن حتى الآن لم نسمع تصريح أو ظهور مؤثر لأصحاب الشأن, غير كلام للمستشار القانوني للشركة المحامي غازي سليمان. قال ان مجلس الإدارة في شركة الشفاء للأدوية لم يتخذ أي اجراءات قانونية ضد المعتدين لانها لا تخدم أغراض الشركة, التي ربما توصلت إلى اتفاق ودي. ولكنه لم يوضح كيفية التوصل إلى مثل هذا الاتفاق. نقول ان إدارة البلاد بطريقة إدارة الجمعيات أو المنظمات أو النقابات لا يحقق نتائج طيبة لأهل البلاد, فهي مسؤولية جسيمة تتطلب عقلانية وحكمة وعلم وتنظيم فائق الدقة ودارية تامة للشؤون الدولية. والأمانة. مواقف المعارضة المتناقضة بدأنا نشكك فيها أيضا. ورغم ان المعارضة تلتف حول بعضها البعض في هذه الآونة, الا ان موقفها من الضربة الأمريكية للمصنع لم يكن بالشيء الذي يطمئن. البعض منهم أدانها والبعض تحفظ والبعض امتنع والبعض شجعها. نحن نعتقد ان الأحداث التي تشكل خطرا على الأمن القومي السوداني يجب التصدي لها بقوة وبلا تردد بغض النظر عن من يجلس على كرسي السلطة.. هذا كلام لا يشك فيه عاقل, ولا مجال للجدل فيه, والا أصبحت البلاد مستباحة لكل من هب ودب. أما تفنيد مبارك المهدي وزير الداخلية السابق في حكومة الصادق المهدي السابقة لأسباب الضربة, والذي أراد به أن يوضح للناس انه يعرف ويتابع كل كبيرة وصغيرة في البلاد رغم بعده عنها, فقد جاء بأسلوب متجرد من أبسط أسس الوطنية. لقد غرد مبارك للأسف خارج السرب. العالم كله فهم ان أمريكا تورطت في هذا العمل المشين, وأولهم أمريكا نفسها, فماذا يقصد مبارك بتصريحاته التي تؤكد بشدة ان المصنع خاص بصنع الأسلحة الكيميائية؟. أما ارتكاز الحزب الاتحادي الديمقراطي المعارض على مبدأ الصدق فهي حسنة تحسب له, لانه أدان الضربة. طالعتنا الأنباء في أول سبتمبر الماضي بنبأ خرق الطائرة السودانية للحظر المفروض على ليبيا. قامت السلطات السودانية بهذه الخطوة حسب قرار المنظمة الافريقية, وتضامنا مع الشقيقة ليبيا, وغيظا لأمريكا. والسببين الأولين لا غبار عليهما, ولكن لكي تغيظ أمريكا, في هذا الموقف بالذات, فهو عمل لا يجني غير السلبية. متى تتعلم الإدارة السودانية التعامل بحكمة وذكاء مع الأمور الدولية؟. انها كانت بعد الضربة الأمريكية في وضع جيد عالميا, ولكنها بدأت بخرق الحظر تضعف بنفسها مفعول التعاطف العالمي معها في هذه القضية. هناك مجلس أمن وأمم متحدة علينا احترام قوانينهما وقراراتهما, والا سيكون الخسران هو الحصاد. السودان ليس في وضع يمكنه من مقارعة ومناطحة أمريكا. حتى انه يصعب عليه مناطحة ولاية واحدة, ما بالك بـ51 ولاية؟ انها قوة عالمية عظمى يجب التعامل معها بحكمة أكبر. نحن لا نقول ان نخضع لها ونركع. هناك وسائل عديدة منطقية ومعقولة تمكننا من التعامل مع أمريكا بدون ان نتضرر منها. يجب وضع مصالح الأمة فوق كل شيء. نحن لا نملك أبسط بنيات التنمية الأساسية: الطرق والطاقة. يجب وضع مسألة التحدي هذه جانبا على الأقل في الوقت الحالي, حتى يشتد عودنا ونعرف كيف نحل مشاكلنا الداخلية التي طال الأمد عليها, وبعد ذلك نرفع العين الحمراء تجاه أمريكا ومن شابهها. صراع السودان أو غيره مع أمريكا يجعلنا نتساءل: كيف يمكن إدارة مثل هذا الصراع, إذا تحتم علينا خوضه, لابد من سبل معقولة, أليس كذلك؟. نقول انه في المقام الأول يجب الوقوف على أرضية صلبة ومزدهرة تنعم بالسلام والرخاء لإدارة الصراع والتحدي لكي يلتف من حولنا أكبر قدر من أفراد الشعب لان القوة الحقيقية لأي وطن توجد في أبنائه. ثانيا: يجب احترام كل اللوائح والقوانين الدولية ما دمنا منخرطين تحت لواء أجهزتها, لكي لا نعطي مبرر لأي جهة بالتدخل في شؤوننا الداخلية أو الاعتداء علينا. عندما جمعت أمريكا الحلفاء ثم ضربت بهم العراق, كان السبب الرئيسي أن العراق اعتدى على دولة ذات سيادة, عضو في الأمم المتحدة, بغض النظر على انها جارة وشقيقة. ثم أخذت أمريكا في محاصرة العراق وملاحقته بقوة منذ عام 1991م حتى الآن, لامتلاكه أسلحة دمار شامل. ولولا ان العراق لم يسبق له استخدام هذه الأسلحة الفتاكة في السابق, لما كان عناد أمريكا في حصاره اشتد واشتد بهذا الشكل المريع. كذلك تدخل أمريكا في بنما وخطفها لرئيسها نورابيجا بطريقة الكاوبوي تحت أنظار كل العالم الذي كان يتابع الأحداث في صمت وذهول, ما كان يتم لولا الفوضى والفساد اللتين كانت تصيبا الإدارة البنمية حتى النخاع. كذلك حصار ليبيا الذي امتد لأكثر من ست سنوات من قبل أمريكا وكل العالم, ما كان ليقع لولا النهج المعاكس للغرب الذي رسمته ليبيا لنفسها, وهو نهج ليس بالسيئ أو الضار, ولكنه لم يعجب المعسكر الغربي. أما تدخل أمريكا في الصومال وقصفها لأفغانستان, جاء بسبب تفكك هذين البلدين, وضعف شرعيتهما السياسية واحتدام الفوضى والخطر في أرجائهما, مما يهدد حياة الأبرياء.. ملايين الأبرياء. فأمريكا لا تتدخل الا إذا وجدت الذرائع التي تبيح هذا التدخل.. ظهرت أم بطنت. نحن وغيرنا نملك المبادىء التي تختلف عن مبادىء أمريكا, ولكن لكي نطبق هذه المبادىء يجب أن نتعامل بحكمة مع القوانين والنظم الدولية. شأننا الداخلي نعرفه جيدا, ولكن الشأن العالمي هو الأكثر تعقيدا, خاصة في وجود النظام العالمي الجديد. ثم ما معنى أن يتم نسف سفارة أمريكية هنا وهناك من وقت لآخر لقتل الأبرياء؟. عند نسف سفارتيها في كينيا وتنزانيا, ازداد حنق أمريكا على الجماعات المتطرفة, وزادت نيران الحرب بينهما. ولم تجني الجماعات التي نفذت الانفجارين, غير إدانة كل العالم, وغير حصد الذنوب الآثمة لهدر أرواح بريئة. في نيروبي مات 12 أمريكيا فقط, بسبب الانفجار, بينما مات أكثر من 240 مواطنا كينيا افريقيا مسالما! ما هكذا تدار الحروب والصدامات القتالية. هذا ليس الميدان المناسب لتحدي أمريكا, هناك عدة ساحات يمكن استغلالها لصد الهيمنة الأمريكية إذا أردنا فعلا ذلك: ساحة الوحدة, وساحة المعرفة والعلم, وساحة التنمية, وساحة الاقتصاد والتجارة. وأهمها بالطبع ساحة الوحدة, بين العرب والعرب, أو بين الأفارقة والأفارقة, أو بين العرب والأفارقة, أو بين أكبر قدر من بلدان العالم الثالث بعضها ببعض. وبعدها لنرى ان أقدمت أمريكا على ضرب أي مصنع في السودان أو غيره. سنرى الرد عيانا بيانا إذا واتتها الشجاعة بفعل مثل هذه الأعمال الخرقاء. *سياسي سوداني جنوبي*