السؤال: ايران.. الى أين؟ يدفعنا ايضا للحديث عن علاقات ايران الخارجية. هنا ينبغي الاشارة الى ان القرار الاستراتيجي الخارجي في ايران يخضع لمنطق المؤسسات وليس لمنطق الاشخاص, على رغم ما لوحظ خلال السنوات الاخيرة من غلبة المزاج الشخصي او الازدواجية والقطبية الثنائية في المسائل الخارجية بين رأسي النظام, اي المرشد ورئيس الجمهورية, وهذا الامر يبدو انه يتجه الى الانحسار, ولا سيما ان ايران بلغت مرحلة دولة بوضوح منذ بداية عهده ان على رأس اولوياته الاستراتجية الخارجية تعزيز العلاقات وتوثيقها مع الوطن العربي, ولا يبدو ان هذا الشعار شعار ظرفي وتكتيكي لدى دوائر القرار الاستراتيجي الايراني, بل ثمة جدية في هذا الموضوع, لن نخوض كثيرا في حقيقة الجامع الديني والحضاري للايرانيين والعرب, لان ما تفكر فيه ايران بصورة اساسية هو مصالحها الحيوية. وايران تؤمن بان توثيق علاقاتها العربية يخدم مصالحها الحيوية والامنية والاستراتيجية, خصوصا مع اقليم الخليج. وقد لاحظنا حصول تقدم حقيقي وعملي في العلاقات العربية ــ الايرانية, في غضون العام الماضي, وكان الاجتماع الثامن لقادة دول منظمة المؤتمر الاسلامي في طهران نهاية العام الماضي, والذي حضره عدد من الزعماء العرب, فرصة مؤاتية ليحل الدفء في العلاقات الثنائية محل البرود. واذا اردنا تفصيل الامور, نشير الى التقدم الملموس في العلاقات الايرانية ــ السعودية, ومن الواضح ان البلدين تركا جانبا ما كان يحدد الفجوة بينهما من تنافر على قاعدة مذهبية اضافة الى ما بدا من تناقض المشروع السياسي الاقليمي والدولي, وهو ما عززته الحرب ين العراق وايران (1980 ــ 1988) اضافة الى ما تردد من وجود ضغوط امريكية مستمرة على الجانب العربي لعدم التطبيع الكامل مع ايران. وايضا, يبدو ان ايران تعتبر انه لا يمكننا ان تحسن وتعمق علاقاتها مع الدول الخليجية اذا لم تعززها مع العربية السعودية, وهناك من اصبح يتحدث عن امكانية تشكيل محور طهران ـ الرياض في المستقبل يكمل حلقة محور طهران ــ دمشق, على الصعيدين الخليجي والعربي. وربما يعتقد الايرانيون ايضا ان عدة مشكلات قائمة بينهم وبين البحرين والامارات العربية المتحدة يمكن تذليلها جديا من خلال العلاقات المميزة مع السعودية. وفي المقابل, يبدو ان القيادة السعودية ادركت انه لا مناص من التعاون مع ايران بعد ان فرضت ايران نفسها حقيقة اقليمية ونجحت في احباط محاولات عزلها سياسيا وضربها عسكريا ومحاصرتها اقتصاديا. وعلى رغم وجود جماعات دينية في السعودية تعارض تعزيز العلاقات مع ايران على خلفية مذهبية فإن الامور تبدو متجهة لمزيد من التحسن بين العاصمتين خصوصا ان جميع اطراف الحكم والنظام الرئيسيين في ايران يجمعون على ضرورة العلاقات المميزة مع السعودية, وهنا ينبغي الا نغفل عن عنصر النفط الذي سيكون عامل تنسيق متزايد بين البلدين في المستقبل. والعلاقات الايرانية ــ الخليجية لم تشهد تحسنا او انفراجا على مستوى الخطاب الاعلامي فقط خلال السنة الاولى من عهد خاتمي, بل كان انفراجا عمليا, وأحد شواهده الاتفاق الامني الذي وقع بين ايران والكويت علما بان الكويت لم توقع اتفاقا مماثلا مع دول مجلس التعاون الخليجي. وطبعا المسألة الامنية بمفهومها الشامل تظل هاجس الايرانيين, وهم حساسون لكل ما يعرض الامن القومي الايراني لاي خطر او اهتزاز. ولا يختلف في هذا الاصلاحيون والمحافظون, المعتدلون والمتشددون في النظام, بل ان اي تهديد خارجي جدي او وهمي قادر على ان يوحد الصفوف الايرانية الداخلية في لحظات معدودة, ويتناسي جميعهم اي خلاف حول مسألة داخلية, والقيادة الايرانية مجتمعة, تنظر الى تعزيز علاقاتها مع الدول الخليجية على آنه عامل تحصين وحماية للأمن القومي الايراني وهو ايضا احد مداخلها لتحسين علاقاتها العربية بصورة شمولية. هنا يفرض الخلاف او النزاع الايراني ــ الاماراتي حول السيادة على الجزر الثلاث أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى نفسه في حديثنا, وما يمكن قوله مسألتان: الاولى ان ما اعلنه خاتمي في استراتيجية الخارجية ــ الخليجية هو ان الاولوية هي تحسين العلاقات على مستوى قاعدي شعبي واقتصادي وثقافي, وبالتالي سياسي, وعدم تسبيق الخلافات على نقاط الاتفاق, وهذا الامر ينسحب حتى على رواية ايران للوجود العسكري الامريكي في الخليج, اذ لا يخفى ان ايران تعارضه بشدة, وكان البعض يشدد في ايران على ضرورة خروج القوات الامريكية والاجنبية ليصار الى تحسن جدي في العلاقات الايرانية ــ الخليجية, لكن هذا الخطاب انقلب مع خاتمي, واصبحت ايران تتحدث عن ضرورة توثيق العلاقات الايرانية ــ الخليجية. وهذا امر كفيل ان يساعد على عدم تمكين واشنطن من ذريعة للوجود العسكري. المسألة الثانية, انه لايوجد شخص واحد في ايران لا يعتقد بان الجزر الثلاث المتنازع عليها مع الامارات هي جزر ليست ايرانية, وخاتمي نفسه يؤمن بهذا الامر, ولذلك, وحتى لو نظر خاتمي الى المسألة من زاوية اكثر استراتجيية, فانه لا يستطيع ان يقوم بأي مبادرة تمنح الجزر للامارات لان هذه المبادرة ستكون محرقة له, وهو ليس مستعدا للمجازفة. لكن من الواضح ان ثمة نهجا ايرانيا اماراتيا على حل النزاع بالطرق السلمية. اما عن العلاقات مع مصر, فانها لاتزال تتسم بالحذر, ويظهر ان الجانب المصري هو الاكثر حذرا وتريثا وترقبا للتطورات. ويعتبر الايرانيون ان القيادة المصرية تنظر الى العلاقات مع ايران من (مدخل امني) اي تشترط حل الهواجس او الخلافات الامنية قبل اقامة علاقات سياسية ودبلوماسية كاملة, وهو ما يرفضه خاتمي بصورة مطلقة, وتعتبر طهران ان المدخل الامني يعبر عن عدم جدية مصرية او يشير الى خلل في الرؤية الاستراتيجية المصرية. طبعا, من الواضح ان للقيادة المصرية معطياتها, وثمة في القاهرة من يرى ان المستقبل ليس في صالح خاتمي وانه تبعا لذلك, لايمكن لمصر ان (تجازف) بعلاقات سياسية ودبلوماسية كاملة في هذا الوقت. وحول العلاقات مع العراق, ينبغي الاشارة الى ان الايرانيين مازالوا بعد عشر سنوات من انتهاء الحرب مع العراق يعيشون آثار تلك الحرب على المستويين النفسي والاعلامي شعبيا. ولذلك فإن اي عملية تطبيع جدية مع القيادة العراقية الحالية ستبقى بطيئة ومشوبة بكثير من الحذر. لكن الواضح ان قاطرة التطبيع تسير بين البلدين ولو ببطء شديد, وإيران تنظر من زاوية استراتيجية الى ان العراق يجب ألا يكون في وضع معاد لها او جزءا من حلف معاد لها, واذا لم يحصل تطبيع كامل بين البلدين, فلا امل من تطور في العلاقات يتناغم مع الاستراتيجيا الايرانية الاقليمية الرامية الى كسر اي طوق امني واقتصادي وسياسي وتحويل الطوق الى رباط من العلاقات الودية تقوم على التعاون وتقدم المصالح الحيوية المشتركة على اي عنصر آخر. اما على صعيد علاقات ايران الدولية, فمن الواضح انها شهدت تحسنا كبيرا مع اوروبا, بل شهدنا هرولة اوروبية خلال الاشهر الماضية لتعزيز العلاقات مع ايران, خصوصا على المستوى الاقتصادي, ربما لان الاوروبيين يعتقدون بان العلاقات الايرانية ــ الامريكية تتجه نحو التطبيع لا محالة, وانه تبعا لذلك, ينبغي استباق الشركات الامريكية التي ستلتهم السوق الايرانية اذا وجد القرار السياسي في طهران وواشنطن. ولاشك في ان الانظار ستتركز على تطورات العلاقة بين ايران والولايات المتحدة في المرحلة المقبلة, وفي ايران, ثمة رؤيتان في هذا الشأن تنطلقان من تحليل واحد لكنهما تختلفان في النتائج, تعتبر الرؤيتان ان استراتيجية امريكا بعد الثورة اخفقت مع الجمهورية الاسلامية ويقول الايرانيون, اصحاب الرؤية الاولى, ان امريكا ارادت ضرب الثورة عسكريا من خلال دعمها للعراق لكنها اخفقت, وانتهجت خيار الحظر الاقتصادي واخفقت بدليل ان ايران حققت تنمية عالية خلال السنوات الاخيرة وبقدرات ذاتية, واستطاعت ان تخترق هذا الحصار الاقتصادي اوروبيا وآسيويا, كما اخفقت امريكا في نهج العزل السياسي لايران, وانهار خيار (الاحتواء المزدوج) , وينظر الايرانيون الى توقف مفاوضات التسوية العربية ــ الاسرائيلية, وما يقال عن شبه انهيار للعملية السلمية وما يعنيه ذلك من فشل ذريع للاستراتيجيا الامريكية في هذا الصدد, ويقول بعض من في القيادة الايرانية ان هذا يجعل واشنطن في حاجةماسة لحوار وتطبيع مع طهران في هذا الوقت لتحاول استغلال هذا الاختراق اعلاميا وسياسيا, ويجزم اصحاب هذه الرؤية بأن اسرائيل ستستفيد من هذا التطبيع خصوصا انها (محشورة في الزاوية) عربيا ودوليا, ويشدد اصحاب هذه الرؤية على رفض اي حوار مع امريكا. اما اصحاب الرؤية الثانية في دوائر التخطيط والقرار الاستراتيجي في طهران, فإنهم ينطلقون من الحجج ذاتها ليدافعوا عن فائدة الحوار مع واشنطن في هذه المرحلة, وهم يقولون ان امريكا المحتاجة لايران لن تكون شرسة في التفاوض, وستتمكن ايران من فرض كثير من شروطها, ويحرص هؤلاء وكثير منهم من انصار خاتمي على الدفاع عن نظرية (الصفقة الشاملة) مع الادارة الامريكية, وتشمل اتفاقات حول بحر قزوين والنفط وافغانستان والامن في الخليج ووضع (حزب الله) في لبنان في المستقبل, اذ ان الرؤية الايرانية لحزب الله ومقاومته لم تتغير مع مجيء خاتمي لان هذا الملف لا يرتبط بشخص رئيس الجمهورية بل بالرؤية الاستراتيجية للقيادة الايرانية مجتمعة. ويقول بعض انصار خاتمي: ان المحافظين انفسهم في ايران ليسوا ضد الحوار والوصول الى اتفاق (تاريخي) مع امريكا لكنهم لا يريدون ان يحصل هذا مع خاتمي بل معهم, ومع ذلك, استبعد ان يحصل اختراق حقيقي في العلاقات الايرانية ــ الامريكية في المدى المنظور لان خاتمي نفسه لن يجازف بهذا الملف الا اذا اتفق في شأنه مع المرشد الاعلى, وحظي باجماع القيادة السياسية والعسكرية. لكن اذا حصل خاتمي على تنازلات وضمانات حقيقية من الادارة الامريكية قبل اي حوار علني, فليس بعيدا ان يذهب خاتمي بعيدا في هذا الموضوع بما يضمن له مكاسب سياسية واقتصادية حقيقية. غسان بن جدو باحث وصحافي مقيم في إيران ومراسل هيئة الإذاعة البريطانية*