جاءت زيارة مسعود يلماظ رئيس وزراء تركيا الى اسرائيل, وتوقيعه عدة اتفاقيات مع الدولة العبرية, من ضمنها اتفاقيات تتعلق بتعزيز التعاون العسكري بين البلدين , لتزيد من المخاوف العربية التي تنظر بعين القلق والحذر لهذا التطور المطرد في العلاقات الاسرائيلية ــ التركية, والتي اعتبرها رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو بأنها تصلح أساساً لـ (محور عسكري) , يكون اطارا لـ(الأمن الاقليمي في الشرق الاوسط) برعاية أمريكية ومشاركة أردنية. وقد ساهمت تصريحات نتانياهو هذه بتأزيم الأوضاع في المنطقة, ولم يخفف منها مسارعة بعض المسؤولين الاتراك للتوضيح بأن هذه العلاقات لا تستهدف احدا, فقد كان يلماظ نفسه واضحا كل الوضوح حين أكد على العلاقات المتميزة مع اسرائيل, وحين عبر عن عدم مبالاته بالحساسيات العربية, وحين أفصح عن نزعته العدوانية ضد سوريا على وجه الخصوص. ولعل العلاقات التركية ــ الاسرائيلية النامية, والعلاقات التركية ــ العربية المتأزمة تأكيد جديد على ضعف الاستقرار في المنطقة, وتعبير عن نجاح اسرائيل باللعب على تناقضات الدول العربية مع دول الجوار, ولكنه ايضاً تعبير عن أزمة بنيوية تعاني منها تركيا التي تبدو في سياساتها الاقليمية والدولية, نموذجا للدولة الحائرة في تحديد هويتها والمترددة في تقرير مصائرها, فهي في حالة تصارع بين اسلاميتها وعلمانيتها, وبين ديمقراطيتها وطغمتها العسكرية الحاكمة, وبين كونها دولة شرقية آسيوية من ناحية انتمائها الجغرافي والحضاري, وبين طموحها في الانتماء حضارياً للغرب الأوروبي, ثم هي مترددة في توجهاتها الاستراتيجية بين المجال الحيوي لها في الشرق الاوسط, وبين المجال الحيوي الجديد لها في آسيا الصغرى, وهذه الدولة القلقة في تاريخها وجغرافيتها وثقافتها ونظامها السياسي, ما زالت تحن الى ارثها الامبراطوري, في الوقت الذي رسمت فيه خارطة الامبراطوريات الصاعدة, لذلك فهي تبحث عن مداخل استراتيجية تمكنها احياء وتعزيز دورها الاقليمي. من الواضح ان النخب العسكرية والسياسية والاقتصادية المسيطرة في تركيا حسمت خياراتها بالانتماء حضاريا وسياسياً للغرب, عبر طمس الخصوصيات الدينية والقومية, لاثبات جدارتها في اطار تيارات (العولمة) و(الحداثة) , وعبر تعزيز دورها الاقليمي في المنطقة المحيطة بها, من مواقع التحالف مع الغرب وبخاصة مع سياسات ومصالح الولايات المتحدة الامريكية, وبالتالي بالتحالف مع حليفتها في المنطقة اسرائيل. وبالطبع فإن تركيا في سياساتها لم تراع علاقات الجوار والمصالح الاقتصادية التي تربطها مع الاقطار العربية, ولم تضع حساباً للاعتبارات العربية بهذا الشأن, بل أنها عملت على استفزاز مشاعر العرب واثارة مخاوفهم من الدور التركي الطموح الذي يتجاهل المصالح العربية, في حين يركز على التحالف الاستراتيجي مع اسرائيل. منذ طرح مشروع اقامة نظام اقليمي ــ شرق اوسطي في المنطقة, على خلفية المتغيرات الدولية والاقليمية, وعلى خلفية انطلاق عملية التسوية, سارعت تركيا الى تكييف دورها لخدمة هذا المشروع, سعيا منها لاحتلال موقع مركزي في خارطة الشرق الاوسط الجديد, ومنذ البداية اختارت تركيا مدخلين استراتيجيين لتعزيز توجهها ولاثبات جدارتها وهما مدخلي: المياه والقدرة العسكرية, وقد ربطت تركيا سياساتها في كلا المدخلين بالتحالف مع اسرائيل. وهكذا اعتبرت تركيا نفسها معنية برسم خارطة (الشرق الأوسط الجديد) , بالاستناد الى مواردها من المياه, وعلى أساس خارطة توزيع المياه, وكان من الطبيعي ان يثير هذا المدخل حساسية الاقطار العربية لا سيما سوريا والعراق اللذان تضاءلت حصتهما من مياه نهر الفرات. ففي حين تدعي تركيا انها بحاجة لمياه هذا النهر, تقوم بنفس الوقت بعرض مواردها الزائدة من المياه في سوق البيع في اطار المشروع الشرق اوسطي, في اطار شعارات المنافع المتبادلة, والتعاون الاقليمي, وهي من ناحية ثانية تسعى الى اعتبار مياه الانهار الجارية, وسيلة للمقايضة على اساس (النفط مقابل المياه) , وبذلك فإن تركيا لم تقدم حلولا لمشكلة المياه في المنطقة, بقدر ما أوجدت من خلال هذا المدخل قيودا ومشكلات جديدة للعرب, كما انها تسعى لتطويع العرب للنظام الاقليمي وللارادة الاسرائيلية من خلال هذا المدخل الاستراتيجي الهام. وفي المدخل الثاني, مدخل القدرة العسكرية, وجدت تركيا وهي العضو في الحلف الأطلسي, انها تمتلك الأهلية للقيام بدور أمني ــ اقليمي, وانها يمكن ان تستثمر قدراتها العسكرية في مجال ما يسمى الأمن الاقليمي في الشرق الاوسط, وذلك من خلال اقامة علاقات تعاون عسكري ــ أمني ــ استراتيجي مع اسرائيل وفي هذه الحالة ايضاً اثارت تركيا مخاوف وحساسية الاقطار العربية, التي ترى دولة اسلامية مجاورة, تقيم علاقات عسكرية ــ استراتيجية مع عدوها (اسرائيل) لا سيما وان هذه الدولة ما زالت تصر على تجاهل الحقوق والمصالح العربية, وتصر على احتلالها الأراضي الفلسطينية والعربية, كما تصر على مفهومها للأمن الاقليمي الذي يقتصر على وضع أمن اسرائيل أولاً وأساساً لكل شيء. بكل الأحوال, فإن السلوك التركي لم يقتصر على مجرد التحالف العسكري مع اسرائيل, فقد وصل الى حد استفزاز سوريا, والى تنظيم اعتداءات مستمرة على شمالي العراق. المهم هنا ان نفهم طبيعة التوجه الذي اختارته النخب التركية المسيطرة, ففي كلتا الحالتين (كما قدمنا) فإن تركيا بخياراتها الاستراتيجية وبمداخلها لدور اقليمي (المياه ــ الامن), عملت كل ما بوسعها على تعزيز علاقاتها مع اسرائيل في مختلف المجالات: العسكرية والسياسية والاقتصادية من دون اي اعتبار للحساسيات العربية, ومن دون الاهتمام بالمصالح المشتركة التركية ــ العربية. ولعل النخبة التركية الحاكمة بخياراتها تلك تشعر بأن الدولة العبرية المصطنعة بتناقضاتها القائمة وبالالتباسات المحيطة بها, وبدورها السياسي الوظيفي في المنطقة هي النموذج الاقرب لحالة الدولة التركية فاسرائيل هي دولة يهودية وعلمانية بنفس الوقت! واسرائيل هي دولة في الشرق الاوسط, ولكنها ليست دولة شرق اوسطية, في آن معاً!, كما ان ما يجمع تركيا باسرائيل هو العداء لدول الجوار والسعي لدور سياسي وظيفي للهيمنة في المنطقة, في اطار التحالف مع الغرب, وبخاصة مع الولايات المتحدة الامريكية. وهكذا يبدو خيار التحالف التركي ــ الاسرائيلي توجهاً طبيعياً للنخبة الحاكمة في اطار الخيارات الاستراتيجية التي اعتمدتها, ولكن هذا التوجه وتلك الخيارات ستخلق المزيد من التوترات والتناقضات ليس على صعيد العلاقات العربية ــ التركية فحسب, وانما في اطار تركيا ذاتها, فليس من الصعب التكهن بأن محاولة النخبة المتغربة والطغمة العسكرية الحاكمة في تركيا لاخراج هذه الدولة من جلدها وفرض خيارات غريبة عليها لن تمر بسهولة, كما ان خيار التحالف مع اسرائيل ومعاداة العرب, سيجد مقاومة له في تركيا ذاتها, هذا فضلاً عن أن هذه التوجهات ستؤدي الى ضعف الاستقرار الاقليمي في المنطقة, وسيخلق المزيد من النزاعات والتوترات فيها. ولا بد من القول بأن تركيا اجتازت المداخل الحساسة والخاطئة لاثبات دورهاالاقليمي, (المياه ــ الأمن ــ التحالف مع اسرائيل) وهي مداخل تعود عليها وعلى المنطقة بنتائج سلبية. وبغض النظر عن الروابط التاريخية والثقافية وروابط الجوار التي تربط تركيا بالعرب, فإن مدخل المصالح الاقتصادية التركية ــ العربية المشتركة, والتعاون الاقليمي في مختلف المجالات, وحل القضايا الخلافية بوسائل الحوار والدبلوماسية هي في عالم المصالح القائمة والمتجددة, المدخل الصحيح لتعزيز العلاقات التركية ــ العربية, ولترشيد السياسات التركية في هذه المنطقة الاستراتيجية والحساسة بعيدا عن اسرائيل وسياساتها العدوانية ومكائدها المكشوفة, المهم ان تتدارك تركيا ما تقوم به, ومن المهم استمرار الحوار العربي ــ التركي لتفويت الاستهدافات الاسرائيلية. كاتب فلسطيني*