في أواخر الخمسينيات وفي اثناء الوحدة المصرية السورية, نشرت مجلة(صباح الخير)مقالا لصحفي شاب أصبح شهيرا فيما بعد, كتبه بطريقة(امسك حرامي) , و(امسك شيوعي) و(امسك كافر)التي كانت ولا تزال شائعة في صحافتنا العربية , يشير فيه الى ان بالاسواق رواية معادية للقومية العربية, عنوانها (الحي اللاتيني) ومؤلفها شعوبي انفصالي اسمه الدكتور (سهيل ادريس) ودلل على ذلك بسطور اقتطفها منها, وحرص ــ على سبيل الامانة العلمية على ان يذكر ارقام الصفحات التي وردت بها, ثم ختم مقاله بخطبة عصماء, طالب فيها مباحث امن الدولة ونيابة امن الدولة بمصادرة الرواية حالا بالا, لأنها تفسد عقول الشباب, وتخرج عن الخط القومي الذي ارتضته الأمة! وفي العدد التالي من المجلة, كتب رئيس تحريرها (أحمد بهاء الدين) يعتذر عن المقال الذي نشر اثناء غيابه, ويقول انه طالما نصح الصحفي الشاب الذي كتبه بأن يقرأ قبل ان يكتب, وبأن يثبت من صحة ما يكتبه قبل ان ينشره, ولو انه فعل ذلك, لما اعتمد فيما نشره عن الرواية, على رسالة وردت اليه من قارىء وللعلم ان مؤلفها كاتب لبناني كبير من المعروفين بمواقفهم القومية والوحدوية, وأنها تصور حياة مجموعة من الطلاب العرب, يدرسون في باريس, ويعيشون في الحي اللاتيني, ويعبرون عن تيارات فكرية متباينة, ومن بينهم شخصية لا تؤمن بالوحدة العربية, هي التي وردت على لسانها العبارات التي اقتبسها, والتي رد عليها الآخرون, ففندوا منطقها ورفضوه, فهي آراء لا تعبر عن موقف الكاتب, ولا عن اتجاه الرواية, لأن فنون الدراما تقوم على صراع بين آراء وأنماط سلوك مختلفة, والمضمون العام لأي عمل درامي هو الذي يعبر عن موقف مؤلفه, اذ لو كانت كل الشخصيات تنطق برأي المؤلف, لما كان هناك صراع, وبالتالي, لما كانت هناك رواية! تذكرت هذه الواقعة, وأنا أتابع التصاعد السريع في الحملة التي تعرض لها الفيلم الامريكي (حليف الشيطان) الذي يعرض الآن في القاهرة, وقد بدأت برسالة أرسلها قارىء الى بريد (الاهرام) تقول بأن الفيلم يتضمن مشهدا يتطاول فيه احد أبطاله على الذات الالهية, ويسخر من جميع التعاليم الالهية, وان الرقابة على المصنفات الفنية اكتفت بمنع ترجمة هذا الكلام الى اللغة العربية, وبدلا من ان يطالب القارىء, بقص شريط الصوت في المشهد الذي أشار اليه, طالب بوقف عرض الفيلم. وفي اليوم نفسه نشرت احدى الصحف الحزبية, مقالا بالمعنى نفسه, يتفق مع ما كتبه قارىء (الاهرام) في ان الرقابة قد حذفت ترجمة بعض العبارات, ويختلف معه في ان هذه العبارات لا تقتصر على مشهد واحد, بل تشيع في كل المشاهد, وأنها عبارات تتضمن (كفرا صريحا) و(إلحادا بينا) ويختلف معه كذلك في عدد دور العرض التي يعرض فيها الفيلم, فهي ليست اثنتين فقط كما هي الحقيقة, بل مئات (!!), ولا يكتفي بطلب مصادرة الفيلم, بل يتخذ من التصريح بعرضه, دليلا على ان هناك (شبهة فساد ورائحة خيانة تحوم حول من تورطوا في اجازته) لذلك فقد طالب بالتحقيق معهم وتقديمهم للمحاكمة, واستنهض الجميع للقيام بهذه المهمة المقدسة, من الازهر الى الكنيسة, ومن رجال الدين الى المسؤولين, ولم يكن ينقص سوى استنهاض الارهابيين. وبعد ثلاثة ايام خرجت صحيفة حزبية اخرى, بتحقيق احتل صفحة كاملة تتحدث عن الفيلم الذي يروج للكفر الصريح ويمجد الشيطان, وتصفه بأنه محاولة امريكية لاختراق المجتمع, وتؤكد بأن النقاد والمفكرين قد استنكروا تمرير هذا الفيلم, وتدلل على ذلك بنشر آراء عشر شخصيات من النقاد والسينمائيين ورجال الدين, كان واضحا من اجاباتهم انهم لم يشاهدوا الفيلم, وأن السؤال الذي طرح عليهم, حول سؤال نظري حول مدى جواز التعرض للذات الالهية في الاعمال الفنية, فكان طبيعيا ان يستنكروا ذلك, وانتهز بعضهم الفرصة ليقول أي كلام في أي موضوع, أو ليصفي حسابات اخرى, فوضع رئيس جبهة علماء الازهر السابق, الفأس في رقبة فضيلة شيخ الازهر, وطالب بمحاكمته, لأنه انشغل بمطاردة الجبهة عن ممارسة دوره كرقيب على المصنفات الفنية (!!), وقال استاذ بجامعة الازهر ان هذا المشهد البذيء, هو عملية جس نبض من الصهيونية والصليبية العالمية لرد فعل المسلمين, وأنها لو مرت من دون حساب فسوف يواصلون حملتهم على الاسلام, مع ان الفيلم لا يتعرض للاسلام بشيء, ومع ان الحوار الذي تدور حوله الضجة, يعلق فيه الشيطان على آية الوصايا العشر المعروفة التي وردت في (الكتاب المقدس) , وهو شريعة هذه الصهيونية العالمية, وتلك الصليبية العالمية. وبطريقة اللي يحب النبي يضرب, أو يصادر, أسرع (ياسين سراج الدين) نائب رئيس حزب الوفد, يتقدم بسؤال في مجلس الشعب, عن كيفية اجازة عرض الفيلم, ولما كان المجلس في اجازة, وأعضاؤه من قوات المارينز ــ نسبة الى قرية مارينا السياحية التي يمضون فيها اجازاتهم ــ في حالة استرخاء, فقد أرسل برقية لرئيس الوزراء يطالب فيها بالمصادرة, ولما سأله احد الصحفيين عما اذا كان قد رآه, قال انه قرأ عنه فقط. اما وقد كبرت الحكاية الى هذه الدرجة, التي تنذر بشر مستطير, فقد ذهبت لمشاهدة الفيلم, ليس فقط لأنني اعرف ان (علي أبوشادي) مدير الرقابة على المصنفات الفنية, رجل متزن وهادىء ويدرك حدود وضوابط دوره, بل لأنني ادركت من تناقض أقوال الشهود, انني امام ضجة اصطنعها فريق من شباب الصحفيين, ينتمون الى فصيلة (الثعالب الصغيرة المفسدة للكروم) التي ورد ذكرها في الكتاب المقدس, والتي سبق لأحمد بهاء الدين ان حذرها من ان تكتب قبل ان تقرأ, أو ان تنشر من قبل ان تتعلم. والعنوان الاصلي للفيلم, هو (مجالس الشيطان) , وهو يروي قصة محام شاب, لمع اسمه لأنه لم يخسر قضية واحدة في حياته, وأثناء جلسة لمحاكمة مدرس تحرش جنسيا بإحدى طالباته, يتأكد لديه انه ارتكب الجريمة, فيطلب رفع الجلسة, ويذهب الى الحمام, ويتأمل وجهه في المرآة, وهو حائر: هل يواصل الدفاع عن المتهم فيبريء مجرما, أم يتنحى عنه فيخسر لأول مرة قضية, ويدفعه حرصه على النجاح, الى مواصلة الدفاع عنه. وتعرض عليه مؤسسة كبرى, ان ينتقل من مدينته الصغيرة الى نيويورك, لكي يكون محاميا عنها, بأجر خرافي, ليجد نفسه في مؤسسة عملاقة, لا تتخصص في نشاط محدد, ولا يقتصر نفوذها على بلد معين, فهي تستثمر أموالها في كل شيء, وتربح من أي شيء, ومن كل بلد, ومجلس ادارتها يضم خبراء في فرع من فروع العلم وكل مجال من مجالات النشاط, وهي تتاجر في الدم, وفي الاسلحة وفي دفن النفايات الذرية, وفي تدبير الانقلابات وتمويل الحروب الاهلية, وتصطنع الازمات والمحاكمات, وعملاؤها ــ الذين ينتشرون في كل ارجاء الدنيا ــ يقعون في مشاكل قانونية, بسبب عقبات بيروقراطية تقام في وجوههم, ومهمته ــ باعتباره المحامي الذي لم يخسر قضية ــ هو ان يخرجهم من هذه المآزق, ويحصل لهم على البراءات. ومع انه يكتشف ان كل الذين تكلفه المؤسسة بالدفاع عنهم, ويحصل لهم على البراءة, قد ارتكبوا الجرائم التي برأهم منها, فإن حبه لنفسه وغروره, ورغبته في التميز على الاخرين, وشهوته للبقاء امام الكاميرات, وللتمتع بما وفرته له المؤسسة من حياة رغدة, لا تدفعه فقط لمواصلة العمل, بل للتورط ــ كذلك ــ في اصطناع الادلة, وتلقين الشهود الزور أقوالهم, لكي يحتفظ بلقب (محامي البراءات) ! لكنه يخسر قضيته الأهم, وهي زوجته الجميلة الرقيقة المتدينة, التي سرعان ما تكتشف بفطرتها الخيرة, نوع الرجال الذين جندوا زوجتها لكي يعمل لمصلحتهم فتراهم دائما في صورة الشياطين, وتحاول استرداده منهم فتفشل, ويخيب املهم في ان تنجب منه طفلا طيبا وخيرا, فتحبط وتعاني من الوحدة في عالم من الشياطين لا تستطيع ان تتعامل معه, وتصاب باكتئاب, وتتدهور حالتها وهو مشغول عنها بالدفاع عن الشيطان, وعندما يودعها احدى المصحات النفسية تنتحر. لحظتها فقط يفيق محامي الشيطان, فيتوجه الى صاحب المؤسسة, ويحمله مسؤولية مقتل زوجته, ويطلق عليه رصاصات لا تؤثر فيه, ويؤكد له المدير انه ليس بشرا, ولكنه الشيطان ذات نفسه, وانه اكتشف فيه, احد ابنائه الذين لا حصر لهم, حين ترامت اليه انباء انانيته وغروره ورغبته في الصعود مهما كان الثمن, وانه الذي رشحه للدفاع عن المدرس الذي تحرش بتلميذته, وقدم له الدليل على انه ارتكب الجريمة, ليختبر مدى استعداده للدفاع عن الباطل, وهو ما تكرر في كل القضايا فيما بعد, وانه لم يجبره على فعل شيء, ولكنه وضعه تحت ضغط اغراءات لم يستطع مقاومتها, وان الفرصة كانت متاحة امامه لكي يتفرغ لرعاية زوجته المريضة, التي يتباكى عليها, لكن الانانية والغرورية, والحرص على المجد, هي التي دفعته للتخلي عنها. اما وقد اثبت انه شيطان من صلب شيطان, فهو يعرض عليه ان يزوجه بأخت له ــ أي شيطانة مثله ــ لكي ينجبا ابنا يحكم العالم في القرن المقبل, كما حكمها هو في القرن الذي يوشك على الرحيل, مؤكدا له على سبيل الاغراءات ــ وهذا هو الجزء الذي حذفت الرقابة ترجمته ــ ان السير في طريق الايمان, والانصياع الى أوامر الله, يصادر حرية الانسان, ويمنعه من التمتع بلذائذ الحياة, وان الله الذي انزل الوصايا العشر, ليأمر الانسان بألا يسرق ولا يزني وألا يشتهي امرأة جاره, هو الذي خلق الشيطان, وهو الذي خلق الشهوة في الانسان, وأن يفعل ذلك لكي يتسلى بالانسان ويتحكم فيه, بينما يترك له الشيطان الحرية في ان يفعل كل شيء, من دون ان يشعره بأي احساس بالذنب. لكن بطل الفيلم, الذي ادرك من تجربته ان هذا المنطق الفاسد لم يجلب له سعادة, يرفضه, رغم كل المغريات, ولا يجد امامه وسيلة للمقاومة, إلا بأن يطلق الرصاص على نفسه, وهي اللحظة التي تنهار فيها مملكة الشيطان, وتتدمر, لنكتشف ان البطل لا يزال يقف في حمام المحكمة, امام المرآة, وكأنه كان طوال الوقت يقوم برحلة داخل نفسه, يتخيل ماذا يمكن ان يحدث لو انه تحول الى محام للشيطان يدافع عن الباطل, ويستصدر احكام البراءة للمذنبين فيعود الى قاعة المحكمة, ويتنحى عن نظر قضية المدرس الذي تأكد انه حاول اغتيال براءة تلميذته. والفيلم يقول ببساطة وصراحة, ان الشيطان يعيش داخل كل منا, وان أنانيتنا وغرورنا, وسعينا للتميز هي التي تجعله يتحكم فينا, ويمكنه من ان يحكم العالم لأننا نخضع لإغرائه ولا نقاومه, ولو ان كل منا كان على استعداد لأن يموت دفاعا عن الحق والخير لانهار الشيطان وتبددت مملكته, فهو دعوة للايمان, لا للكفر, وللدفاع عن الله وليس الدفاع عن الشيطان, وللوقوف الى حوار الحق, بدلا من دعم الباطل. وليس الآمر في حاجة الى ذكاء لكي يدرك اي مشاهد, ان العبارات التي حذفت الرقابة ترجمتها, لا تعبر عن فكرة الفيلم, بل عن وجهة نظر الشيطان, التي رفضها البطل وقاومها حتى الموت, ولعل الرقابة قدرت ان الفكرة تتضمن ابعادا فلسفية عميقة, قد لا يدركها المشاهد العادي, فحذفت الترجمة, وتركت الاصل الانجليزي, تصورا منها بأن الذين يعرفون الانجليزية, يفترض انهم أكثر ثقافة, وأوسع أفقا, وأكثر قدرة على فهم الافكار الفلسفية, اما وقد ثبت ان ذوي الثقافة الانجليزية, لا يختلفون عن غيرهم, ولا يفهمون في الفلسفة, بل في الاثارة, ولا يسعون للدفاع عن الحق, بل للشهرة, ولا يتورعون عن ادانة الابرياء وإثارة الفتن والدعوة لمصادرة الحريات, استجلابا للاضواء, فليس امامنا مفر من ان نطلب من الرقابة ان تقص شريط الصوت في هذا المشهد, كما حذفت الترجمة, حتى تريح وتستريح, وتتوقف الثعالب الصغيرة المفسدة للكروم عن اطلاق صيحة: اللي يحب النبي يصادر! كاتب مصري*