المدن كالبشر تماما, فكما ان للانسان شخصيته الخاصة, ومزاجه الخاص ووقعه الخاص, وتأثيره المتفرد على الآخرين, فكذلك المدن, المدينة كائن عضوي كالانسان تمر بكل المراحل بدءا بالولادة والموت مرورا بالقوة والضعف, الازدهار والتلاشي , القبح والجمال... الخ والمدينة حصيلة جملة من العوامل تتضافر معا على امتداد الجغرافيا (الموقع والمناخ) والتاريخ والانثروبولوجيا, لتصنع من مكان ما على وجه الكرة الارضية مدينة مميزة, وكالانسان تماما فإن وقع المدينة يختلف من شخص لآخر, فأنت لا تستطيع ان تحب اكثر الاشخاص طيبة كما لا يمكنك ان تعشق أكثر المدن جمالا. ونادرا ما يتفق الناس على حب مدينة بعينها, لأنها نادرة تلك المدن التي يمكن ان يعشقها الجميع ويرتبطون بها وبكل مداراتها الثقافية والجمالية ولفترة طويلة. هناك مدن احببناها دون ان نراها أو نزورها على الطبيعة, لكننا نشعر (بواجب) ان نحبها, التعليم والتاريخ وظروف النشأة جعلت لبعض المدن موقعا ونسغا مقدسا في نفوسنا, فارتبطنا بها, وارتبطت هي بوجدان اجيال وأمة بأكملها. من أمثلة هذه المدن في عالمنا العربي بيروت والقاهرة والقدس ومكة والمدينة وغيرها. ومعروف ما لكل واحدة منها من وقع وتأثير ودلالة. بيروت ست الدنيا كما اسماها نزار, وميناء الحبايب كما غنتها السيدة فيروز, وهي نبضنا الثقافي وشارع صحافتنا المشرع على تخوم الحرية والتوق الجميل, برغم الحرب وشبكات التجسس وميليشيا لحد العميلة وأسراب الطيران الاسرائيلي الذي يحلق فوقها مخترقا حاجز الصوت والذوق والأعراف الدولية. والقاهرة قلب عروبتنا ودرعنا الذي كان وصوتنا السياسي العالي في كل الميادين, وفلسطين القدس عروس عروبتنا وزهرة المدائن ومدينة كل الصلوات, ومكة والمدينة تاريخ بلون النور ينفتح على آيات القرآن ولا ينغلق حتى نهاية البشرية. في الذاكرة والذكريات تضج مدن اخرى ويجلجل خلف كل واحدة تاريخ ومواقع وشخوص وثورات واكداس لا تنتهي من الادوار المتناقضة والمتأرجحة بين القبح والجمال, النور والظلام, الحرية والاستعباد. ولذلك فهناك دائما مهما سألت واستقصيت, شبه اجماع على عدم الاتفاق! ومن جملة اعداد كبيرة جابت اغلب مدن الدنيا وتنقلت بين كل العواصم من يقسم ان جنيف هي اكثر المدن كآبة ووحشة, في حين ان آخرين لا يطيب لهم المصيف الا فيها, وهناك من عاد منزعجا من مدينة كميونيخ في حين كرر آخرون زيارتها مثنى وثلاث ورباع!! والكلام ذاته يقال عن عاصمة الدنيا واشنطن وعن براغ وسيدني ولندن فما الذي يعجب البعض في مدينة ما حد الدهشة والابهار, ويجعل آخرين لا يطيقون مجرد التفكير في زيارتها ثانية؟ أهي المدينة التي يأتلف مزاجها مع مزاج البعض, في حين تعجز كل ابهاراتها وجمالياتها عن اختراق حواجزهم, لانهم قادرون على مقاومة اختراق الجمالات المحيطة بهم ولا تدري ما السبب؟ أيكون السبب ان البعض يجيد او يعرف فن اختيار الابواب الصحيحة والعثور على المفاتيح الصحيحة كذلك وبها يستطيع ان يلج عوالم الجمال والمتعة والخصوصية والثراء الكامن في تلك المدن, وان هناك من يتخبط فيحمل مفاتيح خاطئة وبالتالي يلج بوابات لا تقود الى جمال ولا أي شيء آخر... ربما. ربما وربما, وهناك أسباب كثيرة, ولكنني على يقين بأن هناك مدنا نحبها لأن مزاجها يوافق مزاجنا ولديها القدرة على امدادنا بكل ما ذهبنا نبحث عنه, وهناك مدن اخرى لا نستسيغ مزاجها لأننا لا نجد فيها ما نريد أو ما كنا نحلم به.