عدنا, نعم عدنا للتواصل المشدود على وتر مشترك نعزفه نحن والقارئ الكريم. عدنا لوجع الكتابة اليومية ولهم المتابعة اليومية, لهواتف الأعزاء تحمل بشارة الوعي والمشاركة من كل مكان, عدنا لقلق العمل , ولوقع الحياة الرتيبة الكالحة, عدنا نعم, ولكن هل نكمل فنقول: وما أحلى الرجوع إليه؟! احتفظ بالاجابة لنفسي, ولكم ان تحتفظوا بردود أفعالكم! لا أكتمكم سرا, فلقد وجدت شيئا من الراحة والطمأنينة طيلة الفترة الماضية, ومع مرور الوقت عرفت سبب ذلك الشعور, إنه متعة الهروب بعيدا عن التوتر والقلق وضغط الأعصاب تحت مطارق البحث اليومي عن فكرة جديدة. اليوم أجد الكثير من المعاناة في معاودة الكتابة, ومعاودة الالتصاق مجددا بهذا الهم اليومي, ووحدهم كتاب الأعمدة اليومية يعرفون معنى أن تدفع الضريبة يوميا مقابل لا شيء, وربما مقابل هدف نبيل سيتحقق في القرون الآتية! ولكنها فلسفة ذلك الشاعر الذي أقنعنا ونحن صغار بأنها خطى كتبت علينا, ومن كتبت عليه خطىً مشاها! وقد كان بودي لو انني بقيت جالسة بكل الكسل واللامبالاة على واحد من مقاهي الأرصفة في تلك المدن البعيدة الهادئة على أن أمشي هذه الخطى يوميا, ولكنه السيد رئيس التحرير وأوامر العمل وضرورات الصحافة, وحقيقة ان النعيم لا يدوم. لا أريدكم أن تشعروا بأنني أكتب اليوم مجبرة أو مكرهة أو دون رغبة, فالكتابة هي الطقس الوحيد الذي لا تدخله مجبرا, وهي الممارسة الوحيدة التي يجب أن تتماهى فيها وأن تنتمي لكل حروف أبجديتها وأن تحفظها حرفا حرفا, وبعدها تؤسس أبجديتك الخاصة وتمضي كاتبا منتميا. وأن تكون منتميا يعني أن تكون محتفيا بالجزئيات والتفاصيل, مسافرا في قلب المشهد الذي تدور فيه, متواصلا مع الدنيا كلها, وراغبا في أن تنقل للآخرين جوهر الذي وصلت إليه والمتواري خلف العرضي والظاهر والمكشوف, الكتابة المنتمية متعة حين تمارسها, ومتعة حين تفارقها لتستعد لها ثانية!! ذهبنا قليلا نغير مزاج الأيام, ونغسل النفس من تراكمات العام, وعدنا بعد أن بدا واضحا أن الصيف قد ملّ طول بقائه فلملم حقائبه وتوارى خلف المناخات, عندنا الصيف كضيف ثقيل الظل لم يتعلم بعد أدب الاتيكيت, ولذلك فهو لن يرحل حتى يسحق آخر أعصاب أهل المنزل حنقا وغيظا. لكننا ضبطنا ايقاعنا مع ايقاعات المدن الأخرى وآمنا مثلهم بأن الصيف قد انتهى فعلا, ولذلك عاد الجميع من مصايفهم واجازاتهم. فانتعشت الحياة وأزهر عشب الروح والذاكرة. عدنا بعد غياب قصير فإذا الدنيا كلها مشدودة على أوتار رفيعة, كل وتر يعزف لحنه الخاص, وفي النهاية فإن المعزوفة نشاز في مجملها. العالم عندنا في هذه الأيام ــ وحتى أيام طويلة آتية ــ مشدود إلى عالم الأسهم, يبتسمون إذا ارتفعت, ويصاب الكثيرون بضغط الدم إذا انخفضت, وبين ليلة وضحاها يتوالد مليونيرات صغار من مكاتب وأسواق الأسهم, ويبدو أن (وول ستريت تفرخ مكاتب لها في أحيائنا الشعبية)! أسعار الأسهم وصفقاتها اختصرت نظرية (ثقافة الومضة واقتصاد الصفقة) وغيرت فيزياء وكيمياء وتاريخ الناس والمجتمع وعليه فإن قدر التوتر وهاجس التعرف على الدلالات والكمائن سيسكننا طويلا وسننسى لفترة مقبلة هاجس الارتحال في الأماكن والفضاءات.