سواء أكان المستهدف من العنف رهباناً في صعيد مصر, ام في الجزائر, ام في سفارة امريكية في افريقيا, فانه يجب اولاً رفض تلك الاعمال ونفي الصفة(الاسلامية)عنها ثم وبدرجة لا تقل أهمية, يجب عدم التوقف عند الحدث نفسه, بحيث تكون تلك الوقفة تغطية للحدث ووصفاً لنتائجه , بل ينبغي التعرف على المقدمات التي ادت الى تلك النتائج, وعلى الاسباب التي اوجدتها كما يجب بحث الظروف والآثار التي سبقت الحدث وصاحبت هذا اذا صدقت النوايا, وكانت هناك رغبة جادة في القضاء على الأسباب الحقيقية التي ادت الى ظهور نبتة التطرف وانتشار آثاره, اذ بغير ذلك لا يتوقع ان تتوقف ظاهرة خطيرة مثل ظاهرة العنف والمؤسف ان معظم محاولات البحث عن تلك الأسباب وقفت عند الظاهرة على أنها مشكلة أمنية, أو نتيجة لأزمة اقتصادية, أو أثر من آثارها كانتشار البطالة وشيوع الفقر ونحو ذلك. ولم تبحث تلك المحاولات (اذا شئت الدقة) لم تتجرأ لذكر الأسباب الحقيقية لظاهرة التشدد الديني, او الغلو فيه. ومن ثم اهملت نتائجه من عنف وبطش وارهاب وقد وردت بعض تلك الأسباب في مواضيع من هذا المقال وأهمها غياب الديمقراطية وانتهاك حقوق الانسان, ومصادرة الحريات, وملاحقة مظاهر التدين, وافتقاد مصادره الصحيحة. يتم كل هذا في البلاد التي يسودها حكم شمولي, او ديمقراطي (صوري) وقد لاحظنا في الحالة الامريكية وطريقة تعاملها مع انفجاري نيروبي ودار السلام موقفا مشابها والى حد كبير. حيث عالجت المشكلة بأسلوب مشابه, وبمنطق القوة الذي تسعى واشنطن الى فرضه في العالم, مع تعاظم في نزعة الغرور. مما أوجد ردة فعل مناهضة وقوية للولايات المتحدة في العالم العربي والاسلامي تجاه ضرب المدنيين العزل في أفغانستان ومصنع الدواء في السودان. والملاحظ ان الطرف الامريكي كان يتوقع ردة الفعل تلك حتى قبل توجيه تلك الضربات, حيث سعت الادارة الامريكية, ومن خلال كلمة خصصها الرئيس كلينتون لتبرير تلك الحملة باعتبارها ضرورية للقضاء على بؤر (الارهاب) في البلدين المستهدفين. ولوحظ كذلك انه حتى الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة, قد خرجوا عن صمتهم المعتاد في هذه الاحوال, واعلنوا رفضهم او على الاقل تحفظهم على الحملة الامريكية, وهو مؤشر له دلالته الواضحة في التعبير عن مدى تصاعد السخط الشعبي تجاه الغطرسة الامريكية, والتي تجلت في ضرب أهداف لا صلة لها بالارهاب في افغانستان والسودان, وهي الحملة التي بلا شك تفتقد المسوغ القانوني, حيث تمت بتجاوز سافر للشرعية الدولية. فضلاً عن سقوط حجة الدفاع عن النفس, حيث لا دليل على تورط ضحايا الحملة الامريكية في الهجوم على سفارتيها في افريقيا. تفرقة واجبة بين جهاد مشروع وارهاب ممنوع احسب أن هناك ضرورة للتأكيد على هذه التفرقة بين الجهاد والارهاب ويتمثل الأول في الدفاع عن النفس والوطن والهوية وحماية المقدسات, ويعد هذا الجهاد مشروعاً, بل وواجباً, ولعل أبرز قضية ينبغي التأكيد عليها في هذا السياق قضية فلسطين والتي تشهد في هذه الفترة حملة شديدة لمحوها من الذاكرة العربية, وما تشتمل عليه في تاريخ صراعها مع الاسرائيليين من مظاهر تصفية القضية الفلسطينية واغتيال الذاكرة العربية, هو الخلط الغريب بين مشروعية دفاع الفلسطينيين عن الأرض ودفع المعتدي من خلال العمليات الفدائية الاستشهادية, وبين الارهاب الذي يستهدف الآمنين الأبرياء. في مقام سابق أشرت الى الانقلاب في المفاهيم, والذي تسعى اسرائيل وأطراف اخرى الى احداثه والترويج له, وذلك من خلال عملية التسوية التي بدأت في مدريد في عام 1991. وكان ابرز تلك المفاهيم مفهوم الجهاد وحق مقاومة المحتل, وتصوير ذلك على انه لون من الوان الارهاب, الذي يستدعي المواجهة والاستئصال. وأحسب أن هذا الامر في غاية الاهمية والخطورة, لان نجاح اسرائيل في تقرير هذا المفهوم ينفي عنها صفة الاعتداء التي أوجدت هذا الكيان اصلاً, ويضفي عليها شرعية, تستوجب احترامها وعدم المساس بها. ومقتضى التسليم بهذا المفهوم, انه لم يعد مقبولاً خاصة في ظل اتفاقات التسوية التي حولت ذلك العدو التاريخي الى جيران واصدقاء وأبناء عمومة القيام بأي عمل ينتهك الوضع الذي يشكل العلاقة الحالية مع الكيان ويمثل ــ بطبيعة الحال ــ اي عمل مسلح ضده خطراً يهدد عملية السلام!. والغريب اننا وجدنا طائفة من (المطبعين) العرب يرددون المقولة الاسرائيلية في وصف القائمين بالاعمال الفدائية بأنها أعمال إرهابية! بل وتجاوز الأمرالى حد الدعوة من قبل غلاة المطبعين الى (ارهاب الارهاب) وملخص هذه الدعوة يتمثل في ارهاب, اي استئصال المقاومة الفلسطينية والقضاء عليها. وذهب آخرون الى وصف العمليات الفدائية بأنها عمليات انتحارية. وألخص الرد على ذلك الزعم بكلام نفيس للدكتور يوسف القرضاوي بعد ان كثر الجدل حول تلك المسألة, حيث اشار الى ان وصف مثل هذه العمليات بأنها (انتحارية) تسمية خاطئة ومضللة, فهي عمليات فدائية بطولية استشهادية, وهي ابعد ما تكون عن الانتحار, ومن يقوم بها ابعد ما يكون عن نفسية المنتحر. ان المنتحر يقتل نفسه من اجل نفسه, وهذا يقتل نفسه من اجل دينه وأمته, ان هؤلاء الشبان يدافعون عن ارضهم.. وهي أرض الاسلام وعن دينهم وأمتهم ليسوا بمنتحرين, وانما هم شهداء حقاً, بذلوا أرواحهم وهم راضون في سبيل الله, ما دامت نياتهم خالصة لله, ما داموا مضطرين لهذا الطريق لارهاب أعداء الله. انهم ليسوا بمنتحرين, ليسوا بارهابيين, فهم يقاومون مقاومة مشروعة, من احتل ارضهم وشردهم وشرد أهلهم, واغتصب حقهم وصادر مستقبلهم, ولا يزال يمارس عدوانه عليهم. إذا تبين هذا, فستدرك فداحة ما يردده بعض (مثقفينا) للتفسير الاسرائيلي للارهاب وستدرك كذلك خطورة آثار الترويج لذلك التفسير حيث يعد تبرئة للقاتل, واضفاء الشرعية على الكيان الغاصب والتفريط في الأرض والمقدسات, فضلاً عن حقوق الانسان من أبرز تلك الآثار غير ان ذلك غير ممكن وفقاً لمقتضيات العقل والمنطق, وغير واقع بطبيعة الحال. ولعل السؤال الذي يلح في هذا الظرف وعلى من وقع تحت الاحتلال واكتوى بناره, هو متى يطفح به الكيل ويحدث الانفجار, لا هل سيحدث ذلك الانفجار أم لا. وهو الامر الذي يجب ان تتوقعه اسرائيل, ما دامت اسباب المقاومة باقية وملحة ايضاً.