وقع قرصان في قبضة الاسكندر الاكبر... فسأله: كيف تجرؤ على ازعاج البحر.. وازعاج العالم بأسره؟.. اجاب القرصان: لانني افعل ذلك بسفينة صغيرة اصبح لصا.. ولانك تفعل ذلك بأسطول كبير تصبح امبراطورا . جواب القرصان البارع الساخر يستخدمه المفكر الامريكي المعاصر نعوم تشومسكي في تفسير العلاقة الراهنة بين الولايات المتحدة ومختلف اللاعبين الصغار على مسرح الارهاب الدولي.. وهو تفسير جرىء لشاهد من اهلها عرضه في كتاب بعنوان (قراصنة واباطرة) كنت اقرأه في الساحل الشمالي خلال متابعتي للارهاب المتبادل بين السودان وافغانستان من جهة.. والولايات المتحدة من جهة اخرى.. واتبعته برواية واقعية كتبتها امرأة هندية هي سوشميتا بنيرجي عن حياتها في افغانستان تحت قهر وقسوة طالبان.. عنوانها (زوجة بنغالية في كابول) . وعلى ارض الواقع.. هناك في مارينا على بعد 275 كيلومترا من القاهرة كان الناس يتابعون عمليات ارهابية من نوع آخر.. مباشر... بدت اكثر اثارة لهم من تفجير سفارتي واشنطن في نيروبي ودار السلام.. والاغارة اللامريكية على الخرطوم وكابول. منها عملية قتل طالب الهندسة بلنش احد رجال الاعمال وهو عضو في مجلس الشعب وعملية ضرب واهانة حارس بقبضة وكيل نيابة واحد رجال القانون.. وقد تناولتهما الصحف فيما بعد.. ومنها عملية تربية اسد في حديقة فيللا على البحيرة يمتلكها رجل اعمال من اسرة معروفة خرج منها واحد من ابرز رموز الارهاب على المستوى العربي والعالمي.. وهو مالم تنشره الصحف في انتظار ان يلتهم الاسد عابر سبيل.. واتصور ان تفسير نعوم تشومسكي يصلح لتفسير هذه الحوادث والوقائع ايضا. لقد كان الساحل الشمالي سلة قمح الامبراطورية العريضة التي كونها الاسكندر الاكبر بالسيف وبالصلاة في معبد آمون.. وكان الساحل الشمالي عند (العجمي) نقطة غزو اسطول نابليون لمصر.. وعند (العلمين) بالقرب من مارينا دارت المعارك الطاحنة بين قوات المحور وقوات الحلفاء في الحرب العالمية الثانية.. وولد على هذه الارض الساخنة اثنان من اشهر قواد الحرب هما مونتجمرى البريطاني وروميل الالماني انها منطقة لها تاريخ عريق.. لكنها اصبحت الآن غابات كثيفة من الاسمنت والصخب والغرور والتباهي واستعراض القوة والمال والنفوذ... وقد كنت من اوائل الذين حذروا مبكرا مما يجرى في مارينا.. لكن قوبل ما كتبته ــ وما كتبه غيرى ــ قبل سنوات بالتهمة التقليدية المعتادة.. (الحقد) و(الغيظ) من الاثرياء الجدد. ان كل واحد في مارينا يشعر باهميته وخطورته.. فهو اما صاحب سلطان.. او منتفخ بالثروة.. وقد تحالف الجميع معا في لقاءات وسهرات تناولوا فيها النميمة.. وتبادلوا القوة.. وهو ما جعل التكالب على مارينا مسألة معروفة.. وهو كذلك ما رفع الاسعار الى حد الجنون.. فسعر متر المباني هناك اعلى من سعر متر المباني في ارقى احياء القاهرة.. فالناس لاتشترى الرمال والحجارة وانما تشترى الجيرة والعلاقات والمصالح. وعادة لاتتدخل الادارة.. وتنجو بنفسها من الصدام بالديناصورات.. وتتركها تتصارع مع بعضها البعض.. ومن ثم هناك فالقانون القوة.. قانون من له ظهر لايضرب على بطنه.. قانون الثروة المغطاة بالسلطة.. حيث يؤمن البعض بأن كل شيء قابل للشراء.. وكل انسان له ثمن.. ومن ثم.. فالناس لاترى.. ولا تسمع.. ولا تتكلم.. وهذا هو سر الصمت الجماعي الذي غطى على حادث طالب الهندسة الذي قتل علنا.. في وضح النهار.. امام مئات من البشر كانوا يجلسون على الرمال او يستحمون في الماء.. ويعرفون الابطال والوقائع.. بل كانوا يتناولونها في سهرات النميمة الليلية بالاسماء قبل اسابيع من وصولها الى الصحافة. وهذه ليست المرة الاولى.. ولن تكون الاخيرة.. ففي الصيف الماضي قتلت ابنة رجل اعمال اسكندري شهير بسيارتها شابا عابرا.. ورغم ان الحادث وقع في اشد مناطق مارينا ازدحاما.. وهي منطقة السوق والكافيتريات فإن السائق الذي لم يكن في السيارة لبس الجريمة.. وبفضل نفوذ الاب ونفوذه تطوع البعض للشهادة الزور.. وتغيرت المحاضر.. وامام حملات اعلانية مكثفة سكتت معظم الصحف.. وهو مالم يحدث تماما في جريمة قتل طالب الهندسة.. وان جاء ذلك متأخرا. ولعلي لا اتجاوز الحقيقة اذا ما قلت ان كل البلاغة والشجاعة الصحفية التي كشفت تستر رجل الاعمال ــ في حادث طالب الهندسة ــ على ما جرى.. وواجهت محاولات تضليل العدالة.. وانفلات وغطرسة الاثرياء الجدد لن تغيرهم.. ولن تعلمهم وتعلم اولادهم اللباقة واللياقة وتفرض عليهم الانحناء للقانون. ان كل كتب البلاغة العربية وكل فنون اللغة وكل علوم الكلام لاتقدر على ذلك.. فهم يؤمنون ببلاغة اخرى غير بلاغتنا.. بلاغة الثروة والسطوة والقدرة على اختراق القانون واستغلال ثغراته واللعب به.. وتحقيق مايريدون في النهاية.. ان الكلام ليس له وجود في حد ذاته وانما يكتسب وجوده من قوة المتكلم لامن ضخامة الصوت وقدرته على التجويد.. ومادامت بلاغة الاثرياء الجدد في مارينا هي ترسانة الاموال التي حصلوا عليها والتي اشتروا بها الكثير مما لايباع ولا يشترى فان كل كلام معهم هو كلام ضائع.. انهم بما يملكون وبما يفعلون اصبحوا بلغاء هذا العصر الحقيقيين. ونحن نتصور اننا بالبلاغة والشجاعة الصحفية نهددهم بالخجل والفضيحة وننسى ان عددا لا بأس منهم قاموا على الفضيحة.. الفضيحة المالية.. الفضيحة البنكية.. والفضيحة الصاروخية من طراز (البودرة) البيضاء.. السامة.. ان اغلبهم يردد مقولة اليهودي الشهير المليونير روتشيلد: لا تسألني عن المليون الاولى.. والحقيقة انه مع فارق الزمن وفارق الاسعار يجب ان يقولوا: لا تسألني عن المئة مليون الاولى.. او المليار الاولى. كذلك فاننا اعطيناهم ثقلا لايحتملونه.. فهم في الغالب لم يتركوا سنة اولى بيزنس الى ما بعدها.. في حين اننا نعاملهم وكأنهم قد اكتملوا فهما وخبرة.. ان معظمهم لم يبرح بعد مرحلة الصناعات البسيطة والسمسرة والمقاولات وتقسيم الاراضي والمضاربة في البورصة والتوكيلات التجارية الاجنبية.. وعندما طالبوا بما هو اكبر ــ مثل خدمة التليفون المحمول ــ اتضح ان مستوى الاداء الحكومي بكل ما كان يوجه اليه من انتقادات افضل والجميع يشهد بذلك. ان المواقف الرومانسية لن تفيدنا شيئا.. لن نربح ثقتهم ومشاريعهم الثقيلة واموالهم التي تعرف طريقها الى الخارج مهما سكتنا ورضينا وتواضعنا وتسامحنا.. فالمشكلة ليست في مارينا فقط.. بل لعل مارينا مكانا مكشوفا مزدحما يسهل كشف مايحدث فيه.. المشكلة في تصرفات هذه (الطبقة الجديدة) على حد وصف المستشار محمد حامد الجمل رئيس مجلس الدولة السابق الذي راح يرصد بعين ثاقبة وضمير حي جرائم هذه الطبقة بعيدا عن مارينا. ففي ديسكوتيك شهير بالعجمي جرت مشاجرة بين مئات من الشبان بسبب فتاة.. استخدمت فيها زجاجات البيرة المكسورة.. وازدادت اشتعالا بسبب دخان البانجو.. واسفرت عن قتيل.. والمثير للدهشة ان الفتاة شقيقة شاب لقى مصرعة في العام الماضي بعيدا عن القاهرة, وهو يقود سيارة مرسيدس قوية مع اصحابه.. وقد سمعت ام احد هؤلاء الاصحاب وهي توبخة بعد نجاته قائلة: الم اقل لك الف مرة ان لاتقود السيارة وانتم (شاربين) ولم اصدق ما سمعته.. واندهشت من التساهل مع الابناء وترك سيارات فارهة غالية للعبث بها.. وكان من بين الضحايا ابن سكرتير خاص لرجل اعمال شهير.. وابن ضابط بوليس كبير. وفي مدينة نصر قامت زوجة المليونير الثري المعروف بتعذيب خادمتها الصبية الصغيرة بالحرق بالسكاكين والملاعق الملتهبة الى درجة الاحمرار.. حتى الموت.. ثم قامت السيدة بوضع الجثة في حقيبة ملابس والقت بها في مقلب زبالة.. لاخفاء الجريمة التي كشفت بالصدفة واعترف بها زوجها فيما بعد وقد ادهشني ان تجرى عملية نقل الجثة الى مقلب الزبالة في سيارة مرسيدس طراز شبح.. هي آخر ما انتجته عبقرية التكنولوجيا.. انه اسوأ استعمال لمظاهر الحضارة. ان هجوم غير المتحضرين على اشياء الحضارة يحطم ويوجع القلب.. انها اشياء تحتاج الى بشر في مستواها.. حضارة.. وثقافة.. وتذوقا.. وتحسسا.. فقبل ان يستعملها الانسان يحب ان يتحرر مثلها من جاهليته.. وبدائيته.. وغوغائية.. واذا كان الانسان غير مستعد لان يكون جميلا وراقيا مثلها فعليه ان يتركها ويركب اول قطار (بضاعة) يصادفه.. ولا ادرى لماذا يخطر ببالي ان يكون ثمة قانون يمنع استخدام الاميين والسطحيين لمنجزات العصر وادواته. واسوأ ما في حادث مدينة نصر ان المقاول الثري زوج السيدة القاتلة قد دفع دية الى اهل الفتاة القتيلة التي القوا بها مثل الكلاب في القمامة.. وبسبب الفقر قبل الاهل الدية وتنازلوا عن القضية.. تنازلوا عن حقهم.. لكن هل يعني هذا التنازل ضياع حق المجتمع المسؤولة عنه النيابة العامة؟ لقد تكررت لعبة شراء اهل الضحية في حادث ابنة رجل الاعمال التي قتلت عابر سبيل في مارينا العام الماضي.. وظهرت بوادر اللعبة في حادث قتل طالب الهندسة.. فقد عرض رجل الاعمال علاجه قبل ان يعرف بوفاته.. مقابل السكوت.. وعدم تحريك القضية جنائيا.. واتصور ان انفجار القضية اعلاميا سيجعل القانون يأخذ مجراه.. وقد صرحت اسرة الطالب القتيل بأنها تصر على القصاص.. ومن جانب آخر كنت اتصور ان رجل الاعمال ــ الذي يعرف قيمة البنوة التي حصل عليها بعد طول انتظار ــ سيكون اكثر احساسا بهذه الاسرة التي فقدت ضناها الشاب المتفوق الذي كان على عتبة الحياة العملية.. وان لايتصور ان اصعب المشاكل الانسانية يمكن حلها بالفلوس.. كما انني توقفت طويلا عند تواريه وابتعاده وهو عضو في مجلس الشعب ومفروض انه شجاع وجريء وقادر على حماية مصالح هذا الوطن في اعلى سلطة تشريعية ورقابية في البلاد. وفي واقعة اخرى جرت في احدى المدارس الخاصة اطلق الزوج الرصاص من مسدس والده على زوجته مدرسة اللغة الفرنسية امام صديقه وزوجته.. وقد حكم عليه بالحبس سنة مع ايقاف التنفيذ بعد احتساب الجريمة نوعا من القتل الخطأ.. ولو كان الامر كذلك فاننا امام حالة استهتار واضحة.. يداعب فيها الزوج بالتنشين على رأسها واطلاق النار في مزاح ثقيل لم تعرفه العلاقات الشخصية من قبل. ليست مارينا وحدها التي تعاني من تصرفات هذه الطبقة وان كانت هذه التصرفات تبدو واضحة ومركزة هناك لوجود اكبر تجمع من ابناء هذه الطبقة.. مع انتاج وافر من سوء السلوك السيىء والخشونة والعجرفة.. فلا قواعد.. ولا اصول.. ولا تقاليد.. ولا تواضع.. ولا خجل.. ولا احساس بالقانون.. القانون الجنائي.. والقانون الاخلاقي.. فأنت لاتستطيع ان توجه اللوم لشاب او فتاة في عمر ابنائك والا وجدت وابلا من الاهانة.. اتصور اننا جميعا في غنى عنها.. ولعل ما جرى للدكتور صبري الشبراوي ــ الذي كاد ان يدفع حياته ثمنا لمشادة مع بعض ابناء الاثرياء الجدد في مارينا ــ دليلا على ذلك. وقد قدر لي ان اترك الساحل الشمالي عدة ايام الى المنتزة على الطرف الآخر للاسكندرية.. حيث شواطىء الاغنياء القدامى وضباط ثورة يوليو الذين اسقطوا الملكية.. وعاش بعضهم ملوكا.. وحيث تتجسد احلام الكثيرين من الاثرياء الجدد في ان يصبحوا ملوكا.. بل وان تعود الملكية ليصبحوا بهوات وباشوات.. واصحاب مقام رفيع.. وهي القاب منحوها لانفسهم دون قواعد او قيود.. انهم يحلمون بالماضي ويتمنون العودة اليه.. مع انه لولا الحاضر لما كانوا بهذا الثراء.. ولو كان الماضي قد استمر لظلوا فقراء.. ولما اقتربوا من الامراء. وسبب هذا الجنون بالماضي انهم اثرياء بلا اصول.. وهم مستعدون لشراء الاصول باعلى سعر.. كما ان ساعات الزمن في ايديهم واقفة او مكسورة.. والوقت عندهم لايمر.. او هم لايريدونه ان يمر.. وهم يروجون ان الامس افضل من اليوم.. فلماذا لايعودون اليه؟.. لماذا لايجلسون في محطة الماضي في انتظار وجه الملك (السعيد) صاحب الرأي الرشيد.. الذي سيعيد اليهم الزمن الجميل؟.. انهم يتصورون انه سيحمل الذهب الى البيوت.. ويغير الماء في نهر النيل بعسل وحليب.. سيضع على صدورهم الاوسمة والرتب والنياشين.. سيحولهم في ثوان من اثرياء الى امراء.. وسينسى الناس تاريخهم تحت الثياب الموشاة.. وقواعد البروتوكول التي سيتعلمونها على كبر. وقد استثمر هذا الوهم وهذا الحنين رجل اعمال بارع.. استأجر مبنى في قصر المنتزة وحوله الى فندق يمتلىء بصور الاسرة المالكة.. وجاء الاغنياء الجدد اليه ليشعروا بانهم ملوك هذا العصر.. والمذهل انهم فقدوا غطرستهم التي يمارسونها في مارينا بمجرد ان وجدوا انفسهم وجها لوجه امام مجرد صور وديكورات وجدران ملكية.. عادوا الى حجمهم الطبيعي.. والى ادبهم وخجلهم وتواضعهم.. فالكلام همس والمشي على اطراف الاصابع.. والعيون مكسورة.. واموالهم الطائلة لاتنقذهم ولا تسعفهم.. فهم ملوك في مارينا.. اقزام في المنتزة. ان الوهم هو فخر الصناعة المصرية.. والامل الكاذب ايضا.. والعودة الى الماضي اشهر خصالنا الشخصية.. والبكاء على الاطلال والآثار كذلك.. وفي علم النفس تسمى هذه الحالة بالمنوستالجيا.. اي الحنين الى مافات.. وعكسها المنوسفيرا.. اي التطلع الى الامام.. والمنوستالجيا مرض يدل على خلل عقلي.. والمنوسفيرا مذهب يدعو الى تحرير العقل وتنظيفه من شوائب الماضي ودفعه الى المستقبل. ونحن نعيش حالة الماضي نفسيا.. وحزبيا.. ومن ثم فالاصولية حالة عامة وليست حالة دينية فقط.. وقد ادهشني ان بعض الناس غضب من كشفي بعض الاسرار الخاصة في حياة الملك فاروق والملكة ناريمان.. وكان هؤلاء الناس ممن يعيشون بالكاد على دخولهم الثابتة.. ومع انني لم اقصد الاساءة الى ناريمان صادق واشعر انها مواطنة مصرية تستحق الاحترام.. فإن كل ما كتبته مستمد من شهادات مسجلة ومطبوعة من شهود عيان.. منهم مصطفى صادق.. عمها.. وسكرتيرها امين فهيم.. وهي قصة اخرى. ان المسافة من مارينا الى المنتزة لاتزيد كثيرا على 100 كيلومتر لكن الفرق الزمني والاخلاقي والحضاري يزيد على 50 سنة.. ولست ادعو الى العودة الى عصر المنتزة ولكن ادعو الى النظر في عصر مارينا.. وهو امر صعب لايتحقق بزرع نقطة بوليس في كل شارع امام كل سيارة هناك وانما بمراجعة علاقة رجال المال والاعمال بالمجتمع.. وبدون هذه المراجعة ستعود مارينا الى عاداتها القديمة.. في الصيف المقبل.. وفي كل صيف.