في الحلقة الأخيرة من الدراسة المهمة التي تناقش الاحتمالات المستقبلية لعملية التسوية السياسية بين العرب واسرائيل حتى عام 2000تنتهي الدراسة الى ستة احتمالات بعضها صعب التحقق والآخر قريب من ذلك وبعضها ضعيف التحقق والاحتمالات هي : الأول: نجاح الطرف العربي في تجميع أوراق الضغط اللازمة على الاصعدة الدولية والاقليمية والعربية والاسرائيلية لفرض التسوية طبقا لمرجعية مدريد وقاعدة الارض مقابل السلام على المسارين السوري واللبناني والمسار الفلسطيني. الثاني: نجاح حكومة الليكود في حمل الطرف العربي على قبول تسوية تقوم على مفهوم الحكم الذاتي على 40% من أراضي الضفة الغربية للشعب الفلسطيني وعلى انسحاب جزئي داخل هضبة الجولان على المسار السوري. الثالث: احتمال تحقيق تسوية تقوم على القاسم المشترك بين طرح الليكود وطرح العمل ويتمثل في نقطة وسط بين طرح الليكود حول مساحة الارض التي يتم منها الانسحاب في الضفة (40%) وبين طرح العمل حول المساحة (80%) وتكون نقطة الوسط مساحة بين 50% أو 60% من أراضي الضفة مع الموافقة على كيان فلسطيني منزوع السلاح ومرتبط بكونفيدرالية مع الاردن مع بقاء قضية القدس معلقة. هذا على المسار الفلسطيني, أما على المسار السوري, فيتمثل القاسم المشترك في انسحاب أوسع من الجولان مع بقاء المساحة التي يتم الجلاء عنها منزوعة السلاح مقابل معاهدة سلام وهو احتمال مرهون بحالة قيام حكومة وحدة وطنية بين الحزبين. الرابع: احتمال التباطؤ المرضي للأطراف على المسار الفلسطيني من خلال مواصلة عمليات الاستيطان مع استمرار عملية التفاوض والتنفيذ الجزئي المتباطىء للاتفاقيات المتعلقة باعادة الانتشار والاتفاقيات الفرعية مثل افتتاح مطار غزة وانشاء الممر الآمن بين مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني مع الالحاح الاسرائيلي على تصفية البنية الأساسية للمقاومة الفلسطينية كشرط أساسي للتقدم نحو المفاوضات النهائية, ومواصلة تبادل الرسائل عبر الوسطاء الدوليين على المسار السوري اللبناني. الخامس: تجميد عملية التسوية تجميدا تاما بوقف المفاوضات والاجراءات الجزئية على المسار الفلسطيني ووقف عملية تبادل الرسائل عبر الوسطاء الدوليين على المسار اللبناني وذلك بهدف اصابة الطرف العربي باليأس التام وتكييفه على القبول بحد أدنى من المطالب في نهاية المطاف. السادس: احتمال نسف العملية السلمية وعملية التسوية على المسار الفلسطيني بالعودة الى احتلال مناطق الحكم الذاتي وطرد ممثلي السلطة الفلسطينية مع الضغط العسكري على المسار السوري اللبناني من خلال عمليات عسكرية واسعة النطاق ضد القوات السورية وقوات المقاومة اللبنانية مع استدراج مصر لتوريطها على غرار ما حدث عام 1967 بدوافع التزاماتها القومية. وبناء على الاحتمالات الستة السابقة خرجت الدراسة بثلاث نتائج لاحتمالات عملية التسوية السلمية. الاحتمالات المستبعدة أظهرت المؤشرات على الاصعدة الدولية والاقليمية والعربية والاسرائيلية استبعاد الاحتمال الأول الممثل في نجاح الطرف العربي في فرض تسوية طبقا لمفهوم مقايضة الارض مقابل السلام كما أظهرت النتائج بنفس الدرجة استبعاد الاحتمال الثاني الممثل في قبول العرب بمفهوم ليكود للتسوية بالعودة وكذلك استبعاد الاحتمال السادس على المسار الفلسطيني والممثل في نسف عملية التسوية السلمية بالعودة الى احتلال مناطق السلطة الفلسطينية. وخلاصة المؤشرات الواردة التي خلصت اليها الدراسة بالنسبة للاحتمال الأول الممثل في نجاح الطرف العربي في فرض التسوية طبقا لمفهوم الأرض مقابل السلام يعود الى الوضع العربي المتأزم والمنقسم والمشحون بالتناقضات وافتقار القدرة على تجميع أوراق الضغط اللازمة لفرض تسوية بمفهوم مقايضة الأرض مقابل السلام فضلا عن ضعف آليات العمل العربي الموحد الممثلة في الجامعة العربية كنظام اقليمي. وغياب الارادة الأمريكية والقدرة الأوروبية والروسية والآسيوية في الضغط على اسرائيل لتقديم التسوية السلمية بالمفهوم العربي الكامل على طبق من فضة في ظل الوضع العربي الراهن. ويدعم ذلك توافق المصالح الاقليمية لتركيا مع المصالح الاقليمية الاسرائيلية وغلبة النزعة البراجماتية التي تعلي من شأن المصالح الوطنية على النزعة الايديولوجية المعادية لاسرائيل في السياسة الايرانية. التفاف غالبية الرأي العام الاسرائيلي حول مفهوم الأمن مقابل السلام الذي تطرحه حكومة اليمين كذريعة لرفض مبدأ الارض مقابل السلام رغم وجود تيار معارض لتطرف نتانياهو بين فئات الرأي العام الاسرائيلي. وعجز المعارضة الاسرائيلية الرسمية الممثلة في حزب العمل والمعارضة الشعبية الممثلة في حركات السلام عن اسقاط نتانياهو أو اسقاطه كرئيس وزراء منتخب مباشرة بالوسائل البرلمانية. واستمرار اسرائيل في جني الثمار الاقتصادية على المستوى الدولي والعربي والتي تساقطت عليها في أعقاب اتفاقية أوسلو وعدم تعرض هذه الثمار نتيجة لسياسات حكومة اليمين لآثار سلبية خاصة في علاقاتها بدول شرق آسيا وبعض الدول العربية على المستوى الثنائي. اما خلاصة المؤشرات التي تستبعد الاحتمال الثاني والذي يفيد قبول العرب بالتسوية طبقا لمفهوم الليكود (40%) من أراضي الضفة لاقامة حكم ذاتي فلسطيني والانسحاب الجزئي داخل الجولان فهي كالتالي: على المسار الفلسطيني تتعرض السلطة الفلسطينية لفقدان المصداقية الشعبية واندلاع ثورة شعبية ضدها مصحوبة بنشاط عارم للمقاومة في حالة قبول السلطة لهذا الاحتمال. وعلى المسار السوري اللبناني, تتعرض السلطة السورية لفقدان المصداقية والاهتزاز الداخلي في حالة قبولها بطرح ليكود. وعلى الصعيد العربي العام, يتعرض النظام العربي الاقليمي لهزة شديدة في حالة تصديقه على الاحتمال. الى جانب غياب الاستعداد لدى النظام الاقليمي العربي بما في ذلك السلطة الفلسطينية والقيادة السورية للقبول أصلا بمفهوم الليكود للتسوية. اما بالنسبة لاستبعاد الاحتمال السادس والممثل في نسف عملية التسوية فيرجع ذلك الى ان: على الصعيد الدولي لن تسمح الولايات المتحدة ومعها أوروبا بهذا الاحتمال الذي يهدر مصالحهما الاستراتيجية والاقتصادية في المنطقة بما يثيره من ردود فعل عربية وعلى الصعيد العربي لايبدو ان هناك امكانية للتهاون الرسمي أو الشعبي في مواجهة مثل هذا الاحتمال. وعلى الصعيد الاسرائيلي يفضل الاسرائيليون جني ثمار التسوية التي تمت حتى الآن في مجال العلاقات الاقتصادية مع دول شرق آسيا والبلدان العربية التي انفتحت أمامهم بعد اتفاقية أوسلو فضلا عن مواصلة عمليات الاستيطان وجني ثمارها في قضم الأرض وهضم مواردها المائية وعوائدها الاقتصادية دونما حاجة لاستخدام القوة. الاحتمال الضعيف وقد أظهرت المؤشرات على الاصعدة الدولية والعربية والاسرائيلية ان الاحتمال الثالث الممثل في تحقيق تسوية تستند الى القاسم المشترك بين الليكود والعمل هو احتمال وارد بدرجة ضعيفة وقد توصلت الى: ان اضرار نتانياهو لتشكيل حكومة وحدة وطنية مع حزب العمل أمر وارد على نحو ضعيف وذلك في حالة تفاقم الصراعات داخل الحكومة الائتلافية وخروجها عن حالة السيطرة بسبب الخلاف حول قضايا الميزانية وتوجهات الخصخصة وآثارها الاجتماعية من ناحية وحول قضية احكام سيطرة اليهود الارثوذكس على التشريع في مواجهة الاصلاحيين من ناحية ثانية, وحول طابع ادارة حزب الليكود والمنافسات الداخلية من ناحية ثالثة, وهي جميعها قضايا داخلية قابلة للمساومات والتسوية والسيطرة. وعلى فرض قيام حكومة وحدة وطنية مع حزب العمل فإن وضع نتانياهو كرئيس وزراء منتخب مباشرة يمكنه من جذب سياسات حزب العمل في اتجاه نظرية الأمن مقابل السلام واستخدام حزب العمل كمجرد واجهة مرنة لسياسات حكومته حتى عام 2000. ان تركيز نتانياهو في حالة قيام وحدة وطنية سيكون منصبا على اثبات صحة موقفه لبناء صورته كزعيم قومي قادر على قيادة المعسكرين الرئيسيين في الدولة وفقا لمفهومه. وهو التركيز الذي يستهدف اضعاف صورة باراك زعيم حزب العمل والاقلال من فرصه في الفوز بمنصب رئيس الوزراء في انتخابات عام 2000. كما ان الخيار المفضل لدى نتانياهو كرئيس وزراء منتخب مباشرة هو تجنب قيام حكومة وحدة وطنية ما لم تفرض عليه الضغوط الداخلية والخارجية عكس ذلك, حيث ان هذا التجنب يمكنه من الحفاظ على رصيده الانتخابي لدى الاحزاب المؤتلفة معه ليضمن استمرار تأييدها له في انتخابات عام 2000 على منصب رئيس الوزراء من ناحية وتجنب المعارضة العنيفة من جانب اليمين الديني المتطرف من ناحية ثانية. والتوافق الايديولوجي والسياسي بين رئيس الوزراء وحزب الليكود من ناحية وبين الاحزاب الدينية المؤتلفة من ناحية أخرى خاصة (المفدال) في قضايا التسوية يبدو الوضع الأمثل والأقل ازعاجا بالنسبة لحكومة الليكود وايديولوجيتها. كما ان غياب الضغوط العربية والدولية على نحو مؤثر على حكومة الليكود يعفيها من اللجوء الى خيار حكومة وحدة وطنية لابداء مرونة أكبر في قضايا التسوية لتفريغ الضغوط المفترضة. الاحتمالان المرجحان أظهرت المؤشرات على الاصعدة الدولية والعربية الاسرائيلية في حالة استمرار الأوضاع الراهنة على ما يبدو عليه, فإن الاحتمالين الرابع والخامس سيشكلان معا مستقبل عملية التسوية حتى عام 2000 سواء في حالة تبادل أو حالة تقاطع في نفس التوقيت على المسار الفلسطيني. ويتمثل الاحتمال الرابع في التباطؤ المرضي للأطراف, بينما يتمثل الاحتمال الخامس في تجميد عملية التسوية. وان ترجيح هذين الاحتمالين في أي من الوجهين, أي التبادل أو التقاطع حتى عام 2000 يستند الى المؤشرات التالية: على المستوى الاسرائىلي, اكد تجميد تنفيذ الاتفاقيات الموقعة حينا وفتحها للتفاوض من جديد حينا آخر وتقديم وجبات محدودة من عملية التسوية حينا ثالثا انه اسلوب اثبت جدواه بالنسبة لاهداف حكومة اليمين الاسرائىلي في كسب الوقت اللازم لتغيير الاوضاع على الارض المحتلة وخلق وقائع جديدة في مجال الاستيطان وقضم الارض وهضم مواردها سواء بتوسيع المستوطنات القائمة أو انشاء مستوطنات جديدة بما يتفق مع ايديولوجياتها ومع المصالح الحيوية التي يحققها الاستيطان الاسرائىلي في مجال خلق فرص العمل والرفاهية وفي الاستيلاء على مصادر المياه الفلسطينية. ان استخدام الاسلوبين يتم في اطار نظرية سلام الردع اطمئنانا الى عجز الطرف الفلسطيني ومن خلفه الطرف العربي عن تغيير موازين القوى وتبديل الامر الواقع بالقوة في معناها الشامل من ناحية وفي اطار سياسة تجنب الصدام مع المصالح الاستراتيجية الامريكية في المنطقة في حالة استخدام اسلوب التجميد كأسلوب وحيد. ان التبادل بين اسلوب التجميد واسلوب الحركة المتباطئة سواء في مجال التفاوض او في مجال تنفيذ الاتفاقيات هو النهج الذي يحقق لحكومة اسرائىل اهدافها في قتل الوقت دون ان تجابه نتائج سلبية ضاغطة على المستوى الدولي تقلب موازين التفاوض ضدها فهي بهذا ترتدي ثوب الساعي الى تحقيق السلام وان بدا سعيه متباطئا. ان هذا التبادل يمكنها في الوقت نفسه من فتح ثغرات في الصف العربي من خلال المطالبة بالمقابل لخطواتها الجزئية المتباطئة على غرار التفاوض حول فتح مطار غزة مقابل عقد مؤتمرات الشرق الاوسط في حين ان الطرف العربي لا يفرض سقفا زمنيا لانهاء متابعة اتفاق الخليل واتفاقيات اعادة الانتشار والبدء في مفاوضات الوضع النهائي بعد التنفيذ الكامل للاتفاقيات المرحلية. ويؤدي التبادل او التقاطع بين الاسلوبين الى وضع الطرف الفلسطيني تحت ضغوط هائلة تدفعة الى قبول التباطؤ في عملية التفاوض وتنفيذ الاتفاقيات عبر اسلوب الوجبات الخفيفة من عملية التسوية اهون الشرين بالنسبة للطرف الفلسطيني, كما ان الادارة الامريكية تبدو متوافقة مع نهج الحكومة الاسرائىلية في استخدام الاسلوبين والمراوحة بينهما حسب مقتضيات المصالح الاستراتيجية الامريكية الأوسع في المنطقة وحسب وزن الضغوط العربية المضادة. هذا فيما يتعلق بالمسار الفلسطيني ومستقبل التسوية المرتبطة به اما على المسار السوري اللبناني فان المؤشرات تبين ان استمرار التفاوض عبر الوسطاء الدوليين لا ينفي احتمال توجيه ضربة عسكرية الى القوات السورية في لبنان ردا على نشاط المقاومة اللبنانية المتواصل ووصولا الى تجسيد مبدأ سلام الردع او في محاولة لتجسيدة على هذا المسار وان ارتبط بدفع القوات السورية في البقاع لتجاوز الخط الاحمر من خلال الاستفزاز. وكالة الاهرام- تنشر بترتيب مع وكالة الاهرام للصحافة*