أحد أهم أسباب فشل ديمقراطيات العالم الثلاث ان فرقاء اللعبة السياسية يحاولون استغلال مناخ الديمقراطية وميكانيزماتها , إلى الحد الأقصى, من غير مراعاة لقوانين اللعبة وتقاليدها في التسامح, والتساوم, والأريحية, والقبول بأنصاف الحلول, أو بالحد الأدنى المتاح, وغير ذلك من التقاليد التي يجب أن تراعى حتى تؤتي الممارسات الديمقراطية ثمارها. أما حين يسعى كل فريق إلى تحجيم الآخر, وهز جذوره, ورفض تقديم أي تنازل من أجل التفاهم, أو الوصول إلى حل مقبول معه. فإن ذلك هو أول نذير بتصدع أي نظام ديمقراطي, مهما كانت وثائقه الأولى سليمة. والملاحقة العتيدة التي خضع لها الرئيس الأمريكي كلينتون منذ ان جاء إلى الحكم تنذر بحدوث شيء من ذلك في أمريكا. كان من حظ كلينتون الذي هو من نتاج جيل الستينات الشديد الليبرالية والمتحرر من كثير من التقاليد والمسلمات الاجتماعية و(الدينية) ان يصعد نجمه السياسي في ذات الوقت الذي تشهد فيه بلاده صعود التيارات المحافظة المرتدة على (تحلل) جيل الستينات وما بعده, وهي تيارات تحظى بشعبية ضاربة وتستند إلى رؤى دينية أصولية مستخلصة من (سفر الرؤيا) وغيرها من الأسفار الدينية, المنذرة بحدوث الفساد, والمبشرة بحدوث تحول جذري جديد باتجاه الايمان مع مطلع القرن المقبل. ولا تخفى تلك التيارات انغماسها في العمل السياسي المباشر, بل ان زعيمها الأكبر (بات روبرتسن) رشح نفسه لانتخابات الرئاسة الأمريكية, ثم انسحب ليواصل عمله عن طريق مركز ضغط ضارب, وعن طريق الاحاطة بالكونجرس عن طريق أغلبيته الجمهورية. يملك (بات روبرتسن) شبكة C.B.N. التلفزيونية وهي رابع أكبر الشبكات التلفزيونية الأمريكية, وقد لعبت تلك الشبكة دورا كبيرا في الأيام الأولى في الكشف عن فضيحة مونيكا, وتطويرها, وتضخيمها, وتهويلها, واعطائها بعدا سياسيا وقضائيا يستهدف تدمير وضعية الرئيس الأمريكي, الذي مثل تيارا ليبراليا جديدا, استطاع أن يحبط كثيرا من مساعي اليمين الديني الأمريكي, كما تحدى بعض مسلماته باستصدار قوانين تبيح الاجهاض, والشذوذ الجنسي, وتحمي أصحابه ضد التمييز. ورغم ان بعض القادة الكبار لذلك التيار الديني (سواجارت, وجيم بيكر كمثالين) لم يسلموا من آثار فضائح جنسية مدوية, الا ان مدخل الأصوليين الوحيد لتحطيم كلينتون, أصبح هو مدخل الفضائح الجنسية. بعد أن فشلت جميع محاولاتهم لتجريم الرئيس وزوجته وبعض شركائه في قضية فساد مالي قديم يرجع تاريخها إلى عشرين عاما خلت, كما أصبحت انجازات كلينتون الاقتصادية والاجتماعية تمثل حماية له من كثير من الانتقادات. لذا لزم البحث عن مدخل آخر هو مدخل حياته الخاصة التي أبدى فيها هو تساهلا شديدا, اندفع به لمغامرات وعلاقات مشبوهة مع نساء كثر. لذا أنشأ التيار الديني المحافظ منذ عدة سنوات مركزي أبحاث (Think Tanks) تخصصا في البحث عن حياة كلينتون الخاصة, وقد سمى أحد هذين المركزين بـ (مركز البحث في تاريخ كلينتون الجنسي) , وتمكن ذلك المركز من استخلاص كافة المعلومات عن أبرز القضايا الجنسية ضد كلينتون ــ قبل فضيحة مونيكا ــ وهي قضية بولا جونز التي كانت قد نسيت قضيتها, وتزوجت, وعاشت حياة هادئة بعيدا عن الأضواء, ولكن المركز تمكن من اقناعها باحياء القضية وتصعيدها. لم يكن مركز البحث في تاريخ كلينتون الجنسي, سوى مركز غير ربحي, أي مركز أبحاث مستقل, ولكنه انخرط في حملة جمع تبرعات لتغطية كل نفقات قضية بولا جونز, وتولى بات روبرتسن, وشريكه في قيادة التيار الأصولي جيري فولويل مهمة تغطية الموضوع اعلاميا من أجل ترسيخ قناعة عامة في الرأي العام, وفي الجهاز القضائي ــ أخيرا ــ بخطأ الرئيس. ولما بدا ان القضية لا مستقبل لها ــ وقد شطبت بعد ذلك بالفعل ــ جرى التركيز على شأن آخر هو شأن مونيكا لوينسكي. ومونيكا هي حطام أسرة يهودية مترفة من لوس انجلوس مزقها الطلاق, وعرفت من قبل بتسيبها الجنسي حيث مارست علاقات جسدية مع عديدين من ضمنهم أحد أساتذتها بالمدرسة الثانوية. جاءت مونيكا إلى البيت الأبيض ضمن عدد من المتدربين على الإدارة الحكومية من الناشئة وهو تقليد يعمل به البيت الأبيض والكونجرس وعدة أجهزة حكومية. ويعتقد البعض ان مونيكا إنما دست خلال تلك المجموعة المتدربة لتؤدي غرضا آخر في البيت الأبيض غير التدريب, وهو الغرض الذي أدته فيما بعد باقتدار كامل. لم يكن أمرا عفويا أن تحتفظ مونيكا بآثار السائل المنوي للرئيس على ثوبها لمدة أربع سنوات, فذلك أمر غريب جدا, إذ ان الذوق العادي يتطلب أن تغسل الملابس بعد تلوثها حتى وان لم تكن ثمة نية لارتدائها من جديد. وذلك أحد مفاصل القصة التي تدعم نظرية المؤامرة.. وفي القصة كثير من المفاصل يمكن عند تركيبها معا أن تعطي هيكلا عاما لنظرية تفسيرية لما جرى لكلينتون, ولا يهم بعد ذلك ما إذا كانت نظرية مؤامرة أم لا.. ان نظرية المؤامرة هي نظرية غير مستحبة لمعظم المحللين السياسيين, لان البعض يسرف في استخدامها.. ولكن مجرد اسراف البعض في استخدامها, لا يعني انها نظرية بلا جدوى, وان دنيا السياسة تخلو خلوا تاما من المؤامرات! التاريخ الجنسي للرؤساء الأمريكيين في أمريكا يمكن للمرء أن يعتقل ويحاكم إذا ضبط متلبسا بجريمة التفل (أو البصق) على الممشى المتصل بعتبة داره, هكذا يقول القانون, ولكن من العادة أن تتغاضى سلطات الأمن عن تنفيذ ذلك القانون. اللهم الا إذا أراد رجل شرطة معين أن يوقع بشخص ما, لسبب آخر لا يتصل بالجريمة المعنية, عند ذلك يمكن أن يقتاده في عربته مكتوف اليدين, ويلقي به في السجن إلى أن تتم محاكمته أو يطلق سراحه بالضمان المالي.. وفي سجون أمريكا الآن قرابة المليون ونصف المليون من السجناء, معظمهم يدعون بأنهم لم يقترفوا سوى الجرائم التي يقترفها سائر المواطنين, حظهم العاثر هو الذي ألقى بهم في السجن. وهكذا يمكن أن يقول كلينتون: ان خمسة عشرة رئيسا أمريكيا اتهموا من قبل بتهمة الخيانة الزوجية, كان في طليعتهم جورج واشنطن, وهو أحد الآباء التأسيسيين للدولة الأمريكية, أعقبه توماس جيفرسون وهو يدانيه في العظمة والمجد, وهو أيضا أحد الآباء التأسيسيين, وهو الذي صاغ الدستور الأمريكي الحالي, وقد زاد على تهمة الخيانة الزوجية بأن أنجب منها طفلا لم ينكره, وتلاه الرئيس ابراهام لنكولن, بطل الحرب الأهلية, الذي لم تشله تلك الفضيحة عن مواصلة جهوده في توحيد الأمة. وأعقبه كليفلاند, وقد أنجب أيضا طفلا من تلك العلاقة غير المشروعة, واعترف بطفله, ونسبه إليه, ولم ينكره! وفي العقد الحديث أثيرت تلك التهمة وثبتت أحيانا باعترافات أو بقرائن على كل من الرؤساء ولسون, وهاردنج, وايزنهاور, وكيندي, وجونسون. وقد اشتهر جونسون بتلك الفضائح منذ أن كان في الكونجرس. ولم تمنعه تلك الشهرة السيئة من أن ينتخب رئيسا, وكان الأمريكيون يتحدثون عنه في شيء من الاعجاب والمبالغة والسخرية قائلين انه كان جميعا, بمعنى انه قد أحاط بمغامراته كل النساء!! حدث كل ذلك في الزمان الخالي, يوم كانت أمريكا أكثر محافظة في مجال الأخلاق وعلاقات الجنسين, وقد تناسى الشعب, كما تناست مراكز القوة السياسية, شأن كل تلك الفضائح, أو مرت عليها مرور الكرام, أما عندما ارتكب كلينتون فضيحته فقد أقيمت له محاكم تفتيش على كل صعيد, وجيء له بمحقق عنيد, هو كينيث ستار, ليجرحوه إلى أن يضطره إلى أضيق الطرق, وهو طريق الاعتراف. وقد كان ستار قادرا على أن يثبت الفضيحة بالقرائن (زيارات مونيكا الـ37 للبيت الأبيض, بعد انتهاء فترتها التدريبية) أو بشهادات حرسه الخاص, أو بالأدلة القاطعة متمثلة في وجود آثار سائله المنوي على ملابس مونيكا.. ولكن ستار اختار أن يستنطق الرئيس ويستخرج منه سيد الأدلة, وهو الاعتراف. من الخاسر حقيقة ؟! وهكذا فقد كان المقصود هو احراج الرئيس, وتقويض كرامته, وموضعه الأدبي, وبالتالي اضعاف سلطاته, وقوته بشكل عام. وهذه هي أولى الخسائر في قضية مونيكا, حيث تخسر أمريكا جزءا كبيرا من تراثها السياسي الذي وثقه الدستور, الذي يحدد سلطات الرئيس ويوازنها بالسلطات الأخرى. ولكن في مواجهة شخص كلينتون, وفي محاولة ضرب انجازاته, لم يجد اليمين الجمهوري الا أن يهز مؤسسة الرئاسة بكاملها, وبأسباب وتعليلات لا يقبلها الشعب. صحيح ان كلينتون قد كذب, وحنث بيمينه, ولكن جرجرة (ستار) له هي التي اضطرته إلى ذلك المسلك الوعر, وهذه ناحية يقدرها الشعب الأمريكي حق تقدير, وربما لذلك السبب, فإن الشعب الأمريكي ما برح يؤيد كلينتون بشكل كبير. ستخسر أمريكا تدريجيا روح الوفاق والمساومة lipartisanship التي ظلت تحكم الأداء السياسي للحزبين منذ الأربعينات. فحينما تكاثرت المشاكل أمام أمريكا, بعد أن خرجت من عزلتها, وزجت بنفسها في اطار السياسة العالمية, لم تجد أفضل من روح الوفاق والتراضي السياسي على أنصاف الحلول, وسيلة لتيسير وتسليك الأداء السياسي, لا سيما على صعيد الكونجرس. ولكن أخذ اليمين الجمهوري منذ سنوات يطوح بتلك السياسة, مستعجلا انهاء فترة حكم الديمقراطيين, التي يرجو ألا تمتد إلى أكثر من ثماني سنوات. وبناء على انكماش ظل تلك السياسة, سيخسر الشعب الأمريكي معارك سياسية ضارية, خاضتها بعض الأوساط ضد شركات التبغ العملاقة, كما سيخسر الشعب معركة مؤسسة الضمان الاجتماعي التي يبشر الجمهوريون بأنها ستنهار قريبا وستتخلص الدولة منها بشكل تلقائي. لكن اليمين الجمهوري ــ وخاصة في جناحه الديني ــ سيخسر هو الآخر كثيرا من ثقة الشعب, وقد بدا ذلك واضحا في ميل الشعب لتعضيد كلينتون في محنته, حيث لا يزال الاعجاب بأدائه السياسي في حدود 60% وهي نسبة لم ينلها ريجان, في خلال نفس الفترة من ولايته الثانية. وقد بدا واضحا للشعب ان اليمين الجمهوري يتاجر بالدين والقيم ليس غير. فاليمين الديني لم ينتهز فرصة سقوط كلينتون في وحل الفضائح, ليبث دعوة عميقة لارساء القيم الأخلاقية مجددا في العمل السياسي, وانشغل عوضا عن ذلك بالجانب القانوني في الموضوع, وبملاحقة كلينتون من أجل توريطه ومحاسبته قانونيا, فبدأ الأمر وكأنه مشروع تصفية حسابات سياسية, لا مجرد محاربة للفساد الأخلاقي, أو دعوة حارة لتجديد قيم الفضيلة في المجتمع. لقد نجح اليمين في هز الجانب المسلكي من شخصية كلينتون, ولكن ذلك لا يسري على غيره من قيادات الحزب الديمقراطي, فنائب الرئيس آل جور مثلا شخص معروف ــ حتى الآن ــ باستقامته الشخصية, وهو أقوى شخصية من كلينتون ولا يقل ذكاء عنه, وقد وصف بأنه أقوى نائب رئيس في التاريخ الأمريكي. وقد عمل جهده على أن يتأتى بنفسه عن ظلال فضيحة كلينتون, حتى انه افتعل اجازة ليهرب من وجه الصحافة إلى مكان غير معروف, حيث شبهت تحركاته من مكان إلى مكان, بتحركات صدام حسين, من بيت إلى بيت, أيام حرب الخليج! وإذا ما قام الكونجرس بعزل كلينتون ــ وهو احتمال لا يمكن نفيه تماما ــ فإن الفرصة السانحة تكون قد تهيأت لآل جور ليبرز نفسه بشكل كامل يقنع الناخبين باختياره في انتخابات 2000م, وحينها يكون الخاسر الأكبر هو اليمين الجمهوري, بما جنت يداه! ليس لليمين الجمهوري شخصية تماثل آل جور يمكن أن تنازله بجدارة في تلك الانتخابات. فأبرز وجوه اليمين, وهو نيوت جنجرتش, لا تتعدى شعبيته حدود 25%, وذلك قبل أن تهزه هو الآخر فضيحة تهربه من الضرائب, وهي عند الأمريكان أثقل من أي فضيحة جنسية من نوع فضائح كلينتون. وبقية وجوه الجمهوريين هي من شاكلة بات يوكانين, ودان كويل, وجراهام فيل, وهي كلها شخصيات مثيرة للجدل, ومتدنية الشعبية.. الجمهوري الوحيد ذو الشعبية العالية, هو كولن باول, وقد أعلن عن عدم عزمه على خوض انتخابات عام 2000م. في انتخابات نوفمبر المقبل ربما واصل الجمهوريون سيطرتهم على الكونجرس, ولكن هذا يعني انهم سيخسرون الانتخابات الرئاسية. لان الأمة الأمريكية ــ حتى في لاوعيها ــ لا تقبل باعطاء ثقتها كلها لحزب واحد. فإذا سيطر حزب على الكونجرس, فإن الأمة تميل إلى المرشح الرئاسي للحزب الآخر, ولذلك فإن حظوظ آل جور تبدو أكبر للفوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة. وإذا ما واصل اليمين الأصولي سيطرته على برامج الحزب الجمهوري, فأغلب الظن ان (ميكانيزمات) الديمقراطية الأمريكية ستعاني كثيرا من غوغائية الأصوليين, وممارساتهم الشرسة ضد الرئيس الديمقراطي القادم.