نعود مجددا الى ما يطرحه الرئىس رفيق الحريري من تغيير في العهد المقبل, لاسيما على صعيد تحقيق فصل فعلي للسلطات, حيث سلطة تنفيذية منسجمة ــ وموحدة ــ تحكم وسلطة اشتراعية تراقب . ينطلق الرئيس الحريري في ذلك من اعتبار انه اذا كانت فكرة اتفاق الطائف ــ والدستور ــ هي التوازن الطائفي, فان هذا التوازن ــ العددي ــ مؤمن داخل المؤسسات الدستورية, وان هذا (التوازن) محفوظ وليس شرطا حفظه ان يرضى عن هذا المسؤول او ذاك مرجع معين في طائفة معينة. وينطلق الرئيس الحريري كذلك من ملاحظة الدستور. باسم التوازن الطائفي جرى الانتقال من صيغة نظام شبه رئاسي الى (الترويكا) بكل ما تعنيه من تدخل السلطات وتشابكها. وتعطيلها هذا هو الواقع الذي يرى الرئىس الحريري تغييره, وفي قناعته ان تطبيقا آخر للتوازن الطائفي ممكن. فالى اي مدى بات هذا التغيير ممكنا فعلا؟ التوازن الطائفي.. وفصل السلطات في قراءته الدستور, يرى الرئيس الحريري ان التوازن المذكور قضى بالانتقال من الصيغة شبه الرئاسية الى اعتبار ان السلطة التنفيذيه الاجرائىة هي في مجلس الوزراء, ورئيس الجمهورية هو رأس السلطة التنفيذية طالما ان في استطاعته ان يترأس مجلس الوزراء متى شاء ولديه صلاحيات اعتراضيه واسعة.. فيما رئيس الحكومة هو رئيس السلطة التنفيذية لانه دستوريا رئىس مجلس الوزراء. من هنا فان الرئيس الحريري عندما يطرح الانسجام في السلطة التنفيذية, انما يدعو الى تفاهم وانسجام وتجانس بين رئىس الجمهورية ورئىس مجلس الوزراء باعتبارهما ينتميان دستوريا الى السلطة التنفيذية الاجرائية.. وبهذا المعنى ليس رئيس الجمهورية مجرد حكم بين السلطات, انه حكم بمعنى وشريك في السلطة التنفيذية بمعنى آخر. غير ان الرئيس الحريري لا يتوقف عند هذه النقطة فقط, هو يذهب الى معالجة مسألة الانسجام ضمن الحكومة نفسها. حكومة وفاق وطني, نعم.. لكن بمعنى حكومة تؤمن التوازن الطائفي, ولكن هل باسم الوفاق الوطني يفترض بالحكومة ان تمثل قوى سياسية بذاتها تمارس اللعبة المعروفة المعارضة من ضمن الحكومة؟ واي معنى يبقى للنظام الديمقراطي البرلماني في هذه الحالة؟. لذلك فمن الطبيعي بعد ان تتم تسمية رئىس مجلس الوزراء بموجب استشارات نيابية ملزمة كما ينص الدستور, ان يشكل رئيس الوزراء المكلف بالتفاهم مع رئيس الجمهورية كما ينص الدستور ايضا, حكومة منسجمة يمنحها المجلس النيابي الثقة ــ او يحجبها ــ على اساس برنامجها وقدرتها على الانسجام في تنفيذ البرنامج.. والا اصبح البرنامج ـ البيان الوزاري بلا معنى, وكل وزير يفعل ما يريد. ان ما يطرحه رفيق الحريري لا يقع خارج منطق الدستور ونصوصه لكن للمسألة جانبا سياسيا يتجاوز الدستور فحتى يصبح مجلس الوزراء سلطة تنفيذية (كاملة) لا بد من تأمين انسجامه السياسي, لان التوازن الطائفي ــ العددي ــ مؤمن فيه حتما, وعندما لا يكون ممكنا الاتيان بوزراء من مختلف الطوائف الا من خلال هذه المرجعية السياسية او تلك لهذه الطائفة او تلك, فمجلس الوزراء لن يكون منسجما لانه لن يكون فريق عمل ينفذ برنامجا ينال الثقة على اساسه ويحاسب بناء عليه التوازن الطائفي اذا شيء.. والمحاصصة داخل السلطة الاجرائية شيء آخر.. التوازن الطائفي شيء.. والمعارضة من داخل الحكومة (!) شيء آخر, التوازن الطائفي لا يفترض ان يعطل النظام الديمقراطي البرلماني لانه يمكن ان يتبع آلياته, فيما المحاصصة (اعتداء) على فصل السلطات وعلى آليات النظام الديمقراطي البرلماني. تفعيل الحياة الدستورية..و الحياة السياسية اللبنانية وهنا ندخل البحث في العمق. ان ما يطرحه رفيق الحريري من تطبيق آخر للدستور, او لنقل تطبيق الدستور نصوصيا, يحتاج الى توافر عدد من الشروط السياسية. لكنه في الوقت نفسه (محفز) لتوفير تلك الشروط. ان مجلسا منسجما للوزراء يعني اول ما يعني اعادة تحريك وتفعيل الحياة الدستورية اولا والحياة السياسية اللبنانية بشكل عام ثانيا. تفعيل الحياة الدستورية ليس فقط بان يتجاوز مجلس الوزراء الشلل من داخله, ولكن اشتغال المجلس النيابي ايضا: مراقبة الحكومة ومناقشتها ومحاسبتها. وتفعيل الحياة البرلمانية سياسيا ايضا بالمعنى الآتي: تصبح الحكومة ممثلة لاكثرية نيابية من مختلف الطوائف والمناطق, وتصبح المعارضة اكثر جدية و(منفصلة) عن الحكومة. غير ان الاهم في اعتقادنا في هذا السياق, هو ان الكتل السياسية يفترض الا تعود كتلا طائفية او ممثلة لطوائف, بكلام آخر, لا يعود هم هذا الفريق النزاع على حصة الطائفة, هو في الواقع نزاع على حصته من التمثيل, بل يصبح همه ــ او هكذا يفترض ــ امتلاك قوة سياسية ــ شعبية من مختلف الطوائف ــ والمناطق ــ بكل ما يعنيه ذلك من تغيير في الاداء السياسي ليدخل التمثيل السياسي من بوابة الحضور الشعبي العام. والحال ان الواقع اليوم, يفيد بأنه ليس في البلاد ــ والبرلمان خصوصا ــ اقطاب سياسيون يتجاوزون طوائفهم او بعض طوائفهم وهذه هي المشكلة السياسية الرئيسية لا بل العطب الجوهري في حياتنا السياسية ــ الدستورية ــ البرلمانية, ان مجلسا منسجما للوزراء بما يؤدي اليه من تحريك لفاعلية المجلس النيابي, يجب ان يدفع القيادات والكتل السياسية الى الاشتغال على (شعبيتها) من جميع الطوائف والمناطق لتبرز قيادات لبنانية بالمعنى الفعلي للكلمة. ان ما يطرحه رفيق الحريري يبدو محدودا في الظاهر. لكنه في العمق يحرك الوضع في جميع الاتجاهات التي سبقت الاشارة اليها.. فهو اذا يتوق الى وقف ترجمة التوازن الطائفي بــ (الترويكا) والمحاصصة, يطلق حركة سياسية نشطة, والاهم انه يؤدي الى اعادة الاعتبار لما نسميه باستمرار (الداخل) اللبناني, وبدلا من ان يكون الحكم (خارجيا) يصبح الحكم هو الوضع اللبناني والشعب نفسه, ومن اقتراح صغير شكلا الى دينامية سياسية كبيرة فعلا! قلنا ان ما يقترحه الحريري, يحتاج الى توافر عدة شروط اكثرية مختلطة, معارضة مختلطة, حكومة اكثرية تحكم, مجلساً نيابياً يراقب ويحاسب, لكن اقتراح الحريري حافز الى ذلك في نفس الوقت. ماذا يعني ذلك؟ انه يعني ان تحقيق ما ينادي به رئىس الحكومة سيكون متدرجا ــ منطقيا ــ فكلما تقدمت الحياة السياسية في البلد حصل تقدم في وضع المؤسسات الدستورية وعلى صعيد فصل السلطات. لذلك قلنا ــ ونقول ــ ان رفيق الحريري باسم تطبيق مختلف للطائف او تطبيق لنصوص الدستور, انما يقترح الانتقال من مرحلة انتقالية استمرت نحو تسعة اعوام الى مرحلة انتقالية جديدة.. ومع الفارق الآتي: ان المرحلة السابقة كانت (سلبية) فيما يمكن للثانية ان تكون (ايجابية) وقد شرحنا ايجابيتها من مختلف المداخل) . ويمكن اذا اخذ بما يطرحه الحريري, ان نشهد حراكا سياسيا ايجابيا لا بل منافسة ديمقراطية حقيقية. الانتخابات النيابية المقبلة: فرصة ثمينة على اننا نسارع الى استكمال هذا التحليل ببعض التوجهات التي نرى انها ضرورية تماما. ان ما يقترحه الرئىس الحريري ــ من وجهة نظره ــ لا يشكل تجاوزا للدستور وعليه. لكن السير فيه بالدينامية السياسية اللبنانية التي يطلقها يفتح آفاق تطوير (التسوية) في محطة متقدمة. (التسوية) قوى وتوازن قوى ـ مرة اخرى ـ والتسوية المتقدمة على الطائف والتي تنتج نظاما سياسيا متقدما على النظام السياسي الحالي, رهن بتطور دينامية الاختلاط اللبناني, وان كنا نظن ان ما يتقدم به الحريري يتيح قدرا من الاصلاح على صعيد الدولة ومؤسساتها. لذلك نرى ان هناك فرصة ثمينة لتحفيز مثل هذا التقدم المنشود, هي فرصة الانتخابات النيابية المقبلة عام 2000. ومن هنا فان العمل على قانون ديمقراطي فعلي للانتخابات منذ الان, امر في غاية الاهمية, ان القانون يجب ان يتوخى اخضاع القوى السياسية قديمها وجديدها لاختبار شعبي ــ سياسي جديد فعلا, ويجب ان يتوخى الحؤول دون (التحالفات الكبرى) التي تتفكك بعد الانتخابات لتعود كل جهة الى واقعها الطائفي, فليس كل (كبير) لاطائفيا وليس كل (صغير) طائفيا في النهاية.. والمطلوب قانون يطلق حيوية فتتشكل تحالفات على قاعدة مصالح سياسية متداخلة. المطلوب قانون (يخربط) عملية التحكم بالنتائج لمصلحة انتخابات ديمقراطية. لا نأخذ سلفا موقفا من هذا الاقتراح او ذاك, لكننا ندعو الى اعتبار الانتخابات القادمة محطة في اتجاه تغيير سياسي مؤات, والديمقراطية ليست ترسيمة) محددة.. انما مبادىء عامة, حتى لنكاد نقول ان الديمقراطية شيء قد لايمكن الوصول اليه بالنهاية, لانه ليست هناك صيغة (نهائية) للديمقراطية. ولا نوافق في هذا السياق على بعض الاقتراحات التي يجري تداولها بين الحين والآخر ردا ــ على ما يبدو ـ على ما يطرحه الرئىس الحريري. انتخاب الرئيس من الشعب في رأينا مرتبط بنمو الاختلاط اللبناني اما انتخاب الرئىس من الشعب على ان يكون مارونيا فخطير.. فلماذا لا ينتخب الرئىس عندها من الموارنة انفسهم؟! وينتخب كل مسؤول من طائفته!؟. ان في ذلك ما يعزز الدعوات الى جعل الطائفة كيانا في ذاته والى جعل الكيان اللبناني فدرالية طوائف بشكل (رسمي) وصراع المحاصصة قد يصل اصلا الى ذلك بكل ما يعنيه من تدمير لمقومات الكيان ــ الوطن, المطلوب لنا رئيس ماروني للجمهورية ذو شعبية لبنانية ورئىس شيعي للمجلس النيابي ذو شعبية لبنانية ورئىس سني للحكومة ذو شعبية لبنانية الخ.. المدخل: انتخابات نيابية ديمقراطية تسبقها دينامية اختلاط وتتبعها ايضا. ليس العيب في النظام الديمقراطي البرلماني بل بــ (القوى) التي تطبقه, من هنا اهمية انطلاق الحياة السياسية الداخلية, وصراع الافكار والبرامج نحو تخفيف حدة الصراع المذهبي.. وصولا الى تسوية متقدمة في مرحلة متقدمة. التعددية السياسية بين كتل مختلطة ببرامج متنافسة! لذلك, فان كل الاقتراحات التي تصب في هذه الوجهة, هي اقتراحات ضرورية: المجلس الاقتصادي ـ الاجتماعي ضرورة ليس ليشكل اطاراً للتسوية الاجتماعية فقط بل ليشكل منبرا يتمثل فيه المجتمع المدني المختلط.. واللامركزية الادارية تساعد على تخفيف التجاذبات المذهبية ايضا.. وكلها في الطائف! ان ما يطرحه الرئىس رفيق الحريري يكتسب اهميته, ليس لانه يعني الرغبة في ممارسة سياسية مختلفة في العهد المقبل, بل لانه دافع في اتجاه تطوير ايجابي للوضع اللبناني... هكذا نراه نحن على الاقل ومن هذه الزاوية بالتحديد.. وحتى يمكن التغيير وحتى يصبح راسخا.. لابد له من حماية سياسية ــ شعبية والحماية هي تلك الدينامية التي بات ظرفها موجودا! كاتب لبناني*