بعد حرب الخليج الثانية التي اعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي, ونهاية الحرب الباردة وسقوط سور برلين , وبروز امريكا كقطب اوحد يحاول ان ينفرد بتسيير امور العالم طبقاً لمصالحه الذاتية, ظهرت بعض الكتابات التي راحت تمجد في الظاهرة الامريكية بما تحتوي عليه من انظمة اقتصادية, واجتماعية وسياسية, وتزعم انه ليس في الامكان ابدع مما كان, فقد وصل التاريخ الى نهايته بهذه المعجزة الكبرى, وبالتالي فعلى العالم كله ان يتمثل هذه المعجزة, ويقتدي بها بارادته واختياره والا فسوف تفرض عليه قهراً ورغم انفه ومن هنا بدأت تلمع بعض المصطلحات الغائمة التي كانت قد اطلقت منذ زمن ليس بعيد او لم يلتفت اليها احد في حينها. نعم بدأ الاعلام الصهيوني يردد مصطلحات مثل: النظام العالمي الجديد, والعلومة, ثم راحت هذه المصطلحات تتداول على ألسنة المثقفين العرب مع اختلاف في تحديد مدلولها حيث فسرها بعضهم بالكوكبية وبعضهم بالكونية مع تضارب شديد في معنى هذه المصطلحات. واذا حللنا الكلمة من الناحية اللغوية البحتة, فسوف نجد انها نسبة الى العالم او الكون او الكوكب الارضي, فكأن العولمة هي النظام الذي يصهر الكوكب الارضي كله في بوتقة واحدة, ويصبغ العالم كله بلون واحد في مختلف مجالات الحياة سياسية كانت او اقتصادية او اجتماعية او ثقافية وربما عقدية ايضاً. ولكن ما هي هوية هذا النظام؟ هل هو النظام الامريكي فتكون العولمة مساوية للأمركة؟ هل هو النظام الغربي الذي صاغته اتفاقيات الدول السبع فتكون مساوية للتغريب؟ هل هو نظام مشترك من مختلف الثقافات والانظمة التي ترتضيها دول العالم بارادتها واختيارها ــ وهذا ما ينبغي ان يكون ــ فتكون العولمة مساوية للانسانية؟ هل هو النظام الصهيوني الذي يحكم أمريكا من الداخل فتكون العولمة هي صهينة العالم واخضاعه لحكمها وسيطرتها طبقا لنبوءات التوراة التي تزعم ان الرب قد قطع على نفسه عهداً ان يقيس الارض شبراً شبراً ويسلمها لبني اسرائيل؟ هنا تختلف الرؤى بين المثقفين العرب على الخصوص وكل واحد منهم يحاول ان يحدد المصطلح من وجهة نظره الخاصة وطبقاً لانتماءاته الايديولوجية فهناك مؤيدون للعولمة ومعظمهم من انصار الفكر الليبرالي والتغريبي ومن المعجبين بالنظام الامريكي والمروجين له في منطقتنا العربية, وهؤلاء يرون ان العولمة هي القدر المحتوم الذي لا مفر منه, وهي في نظرهم الحرية والديمقراطية والتقدم والتكنولوجيا وثورة المعلومات والمساواة بين الجميع وحقوق الانسان وسد الفجوات الثقافية والعمل على تعايش الشعوب المختلفة على ارض واحدة وهذا ما يردده عدد كبير من المتأمركين العرب وعلى رأسهم مراد وهبة, صلاح قنصوة, السيد ياسين, فالعولمة عندهم أمر لا مفر منه فهي آتية سواء أردنا ام لم نرد و هي العصا السحرية التي ستحل كل مشاكل العالم وربما يتضح ذلك مما يقوله السيد ياسين: ان جوهر العولمة يتمثل في سهولة حركة الناس والمعلومات والسلع بين الدول على النظام الكوني, وان لها تجليات متعددة اقتصادية وثقافية وسياسية. ــ أما التجليات الاقتصادية فتظهر أساساً في نمو وتعميق الاعتماد المتبادل بين الدول في اطار نزعت عنه القواعد والاجراءات الحمائية. ــ وأما التجليات السياسية للعولمة فأبرزها سقوط الشمولية والسلطوية والتروع الى الديمقراطية والتعددية السياسية واحترام حقوق الانسان. ــ وأما التجليات الثقافية فتبدو في التراكم المعرفي والثقافي الذي يؤدي الى تشكيل ثقافة عالمية. ومن المؤيدين للعولمة ايضاً الكاتب اللاقومي حازم صاغية الذي يدعو الى وداع العروبة ونهاية القومية العربية لحساب العولمة التي ستسقط سلطة الدولة القطرية والفكرة القومية وتحقق حقوق الانسان العالمية. وهناك غير هؤلاء كثيرون من الذين يحاولون تصوير العولمة على أنها الحتمية التاريخية والقانون الطبيعي الذي لا مفر من الخضوع له عن اضطرار او اختيار, وأن شكل العولمة الساري هو الشكل الوحيد الممكن لها, وان تصور أي مسيرة مختلفة لها لا يعدو ان يكون تصوراً خيالياً. وربما يذكرنا كلام هؤلاء الكتاب عن العولمة بما كان يقوله ماركس سابقاً عن المادية التاريخية حيث زعم أنها هي القانون العلمي الذي حكم وسيحكم تاريخ الانسان وأن الشيوعية هي القدر المحتوم الذي ينتظر العالم وأنها سوف تقضي على الرأسمالية وتحقق الجنة الموعودة على الأرض التي ستنتهي فيها سلطة الدولة ويعم الرخاء والأمن والعدالة. والغريب ان (انجلز) قد صور لنا المجتمع الجديد بنفس الصورة الوردية التي يصورها دعاة العولمة اليوم يقول (انجلز) :(انه مجتمع بلا جنود ولا حرس ولا شرطة ولا نبلاء, ولا ملوك ولا أوصياء, ولا محافظين ولا قضاة, ولا سجون ولا محاكم ولا محاكمات, ويجري كل شيء فيه على وتيرة ونظام) . هذا هو الحلم الشيوعي الذي لم يتحقق. لقد تناسى الجميع ــ العولميون والماركسيون ــ أن التاريخ لا تحكمه قوانين الاقتصاد ولا وحدانية السوق وانما تحكمه ارادة الله وارادة الانسان واختياره ورد فعله تجاه ما يواجهه من تحديات فقد سقطت الماركسية العلمية لأنها لا علمية ولا إنسانية وسوف تسقط العولمة لنفس السبب فهي متوحشة ولا إنسانية لأنها سوف تخلق مجتمعاً غليظ القلب أنانياً لا يعرف سوى قوانين السوق. نعم سوف تسقط العولمة امام ارادة الانسان العربي المسلم ومشاركته في تغيير واقعه الى ما هو افضل فالعولمة ليست نهاية التاريخ وانما هي بداية الوعي العربي بحقيقة الاخطار التي تحدق به. بل ربما تكون بداية للصراعات بين دول الشمال والجنوب أو أن تكون بداية لتفكيك الحضارة الغربية الى تكوينات قومية أو اقليمية متنازعة, حيث ترفض فرنسا اليوم الهيمنة الأمريكية وكثير من دول أوروبا الغربية يسوءها ان تنفرد امريكا بقيادة العالم, وروسيا لا تزال حية بحقيبتها النووية, وليس من السهل ان تفرط في دورها العالمي والهند قامت بتفجيراتها النووية غير آبهة بأمريكا ولا باعتراض العالم كله على هذه التفجيرات. والصين تترقب الموقف. وهكذا لا يستطيع احد ان يتنبأ بما سوف يحدث ولكن علينا الا ننخدع بكلام المروجين للعولمة وحتميتها التاريخية. أستاذ العقيدة والفكر المعاصر بجامعة الامارات ــ وعضو اتحاد الكتاب المصري*