من الآن تقريبا أو ربما منذ بعض الوقت بدأت وكالات الانباء العالمية ومعها بعض وسائل الاعلام بنشر التقارير والتحليلات المختلفة عن اتفاق اوسلو . والمناسبة هي ان هذا الاتفاق سوف يدخل عامه السادس في الثالث عشر من هذا الشهر, وهي مناسبة ملائمة لا شك لتقليب الصفحات والقاء بعض الضوء على المصير الذي آل إليه الاتفاق ونتائجه على الأرض الفلسطينية. غير ان تلك الوكالات أخذت ترصد فقط الجوانب السيئة أو السلبية من هذا لاتفاق, غير عابئة بالظروف التي أدت إليه والمكاسب النسبية التي حققها. والحق ان دور وسائل الاعلام هو ألا تتحدث فقط عن الايجابيات, وإنما لابد لها من أن تأتي على السلبيات أيضا. واتفاق أوسلو ولاحقا تطبيقاته على الأرض الفلسطينية لا يخلو من سلبيات ان لم نقل انه يزخر بالسلبيات. بدءا من بقاء الجزء الأكبر من الأرض تحت الاحتلال إلى معاناة السكان الفلسطينيين إلى مشاكل السلطة وأجهزتها المختلفة. لكن ليس من الانصاف أيضا ان نكون ممن يهيلون التراب فقط, فلا توجد فضيلة لمن يتحينون الفرص للانقضاض على من يختلفون معهم عند أول اشارة ضعف أو اعياء. فلابد لنا كذلك من الحديث بقليل من الانصاف عن الاتفاق وموقعيه. أو على الأقل لنحاول ايجاد نوع من المقاربة الموضوعية للحدث, ولنتساءل في هذا الصدد ماذا لو ان هذا الاتفاق قد طبق بحذافيره, ولم تحصل كل هذه المماطلات والتسويفات! ألن نكون حينها بازاء تقييمات مختلفة وكذلك قضايا أخرى غير تلك التي تطرح اليوم وتناقش! والحقيقة ان اتفاق أوسلو حين وقع في عام 1993, كان نوعا من المغامرة الجريئة التي أقدمت عليها قيادة منظمة التحرير. وكان التقدير هو ان هذا الاتفاق الثنائي والذي تم بعيدا عن الأنظار وكذلك بعيدا عن مرجعية مؤتمر مدريد سوف يصمد ويطبق, بفضل ما كان يسميه الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات سلام الشجعان. لكن أهم امتحان قاس واجه اتفاق أوسلو, ومن ثم أثبت خطل المراهنة على الأشخاص والظروف السياسية, وهو اغتيال رابين. لم يكن رابين مجرد زعيم اسرائيلي في نظر الفلسطينيين, وإنما شريك في اتفاق سياسي يتوقف عليه الكثير بالنسبة لمصير أوسلو. لاحقا بدأ لي انه لم يكن من الحكمة والحصافة أبدا ترك جملة من القضايا المهمة دون تعيين أو تحديد واضح مثل قضايا اللاجئين والحدود والمياه وحجم الأراضي... إلخ. فقد سمح هذا على سبيل المثال لرئيس الوزراء الاسرائيلي الحالي بانتزاع المزيد من التنازلات والمساومة وأخيرا تجميد الوضع برمته. لكن من الجانب الآخر فإن علينا ان نتذكر ان عرفات وقيادة منظمة التحرير حين ذهبوا لأوسلو كانوا يعيشون في تونس وليس في غزة, فيما كانت الأراضي الفلسطينية تخضع كلها للاحتلال. كما ان قيادة المنظمة كانت تعامل كما يعامل زعماء الأحزاب, أما الآن فإنها تعامل كما تعامل الدول ورؤساء الحكومات. وهناك اليوم اعتراف اسرائيلي ودولي بالشعب الفلسطيني وحقوقه الثابتة. أي ان هناك جملة حقائق جديدة تبلورت على الأرض الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو وفي ضوئه. هل هذه الحقائق كافية بحد ذاتها أم لا, وهل أنه لم يكن بالامكان تحقيق ما هو أفضل منها أم لا! هذا سؤال آخر. فالزمن ليس له مسار واحد , وكل ابتداءة زمنية يمكن ان تخلق مسارا جديدا أفضل أو أسوأ مما سبقه. لكن المهم دائما هو التمسك بشيء من التقييم الموضوعي والكلي للأحداث , دون تفريط أو افراط. ولا يختلف اتفاق أوسلو في ذلك عن أي شيء آخر, خاصة إذا ما نظر إليه بوصفه جزءًا من عملية تاريخية طويلة, وليس نهاية لهذه العملية. ومع هذا نقول انه وأيا كانت الاعتبارات سيكون من الخطأ الجسيم التغطية على العيوب والسلبيات. فهذا يضر بأصحاب القضية أنفسهم وربما قبل أي أحد آخر. بيد اننا لن نستطيع ان نكون مفيدين لأحد, وحتى لأنفسنا طالما أننا نمسك الأمور من طرف واحد فحسب. كاتب صحافي بحريني*