ايران ... إلى أين؟بقلم-غسان بن جدو

إن من حق المحافظين أن ينتهجوا سياسة استرجاع السلطة, ففي إيران تجربة أو ممارسة ديمقراطية وحياة سياسية راقية, وطبيعي أن يشحذ كل طرف ما لديه من أسلحة مدنية وسياسية لتأكيد نفوذه وترسيخ حضوره وتثبيت موقعه في القرار السياسي , واليمين المحافظ تعاطى بمهارة سياسية فائقة خلال السنة الأولى من عهد خاتمي, واستخدم مواقع نفوذه بذكاء, فهو تيار متنفذ في البرلمان والسلطة القضائية والادارة والمؤسسة الدينية والمؤسسة الأمنية, ولن يستكين في المرحلة المقبلة, ومن المرجح أن يزيد في ضغوطه على خاتمي وحكومته, طبعا المحافظون في إيران, ينفون أنهم يتبعون استراتيجية الضغط على خاتمي بهدف إسقاطه أو إعاقة حكومته عن تحقيق مشروعها وبرنامجها, ولكن من الواضح ان سياساتهم ومواقفهم تعكس استراتيجية مناقضة, فهم لا يعتقدون ان المشروع الاصلاحي لخاتمي سيكون في صالح نظام الجمهورية الاسلامية, ويبدو انهم يتبعون استراتيجية استنزاف خاتمي في معارك سياسية هامشية لكنها متلاحقة ومتراكمة, كما ان خاتمي سيواجه في المستقبل تحدي الوضع الاقتصادي المتردي, ومن سوء حظ خاتمي انه تولى الرئاسة وسعر برميل النفط 18 دولارا, وانهار بعد أشهر قليلة إلى تسع دولارات, وخاتمي لم يخف سوء الأوضاع الاقتصادية, وصارح الرأي العام بها, بأنها أكثر من سوء ظرفي للاقتصاد عندما شدد على انه ورث (اقتصادا عليلاً) وان البلاد في حاجة إلى إصلاح (هيكلي) للاقتصاد, ومن هنا نفهم لماذا لن يلتزم خاتمي بالاستراتيجية الاقتصادية التي وضعتها حكومة الرئيس السابق أكبر هاشمي رفسنجاني قبل رحيلها, والتي تكبل أي حكومة تالية بخطط اقتصادية مبرمجة وموجهة ومحددة سلفا الى عام 2021. أما التحدي الرابع أمام خاتمي, بعد التوفيق بين متناقضات أنصاره ومواجهة ضغط المحافظين وتحسين الوضع الاقتصادي, فهو تحقيق اصلاحات سياسية حقيقية يلمسها الرأي العام بوضوح خلال ما تبقى من ولايته, ويقول أنصار خاتمي ان هدف المحافظين هو الضغط على خاتمي لإجباره على التنحي أو الإعداد للانتخابات الرئاسية المقبلة على أمل أن يخفق خاتمي في تحقيق وعوده للشعب. وهذا طبيعي, فاذا اخفق الرئيس خاتمي واحبط مشروعه الاصلاحي, فان المنطق يقول انه سيجد صعوبة في اقناع الرأي العام بالتجديد له لدورة رئاسية ثانية واخيرة واقول هذا الكلام لان من يرصد التطورات السياسية في ايران يخلص الى نتيجة لافتة لكنها معبرة, وهي ان الشعب الايراني يتمتع بوعي سياسي راق, وانا لا اعتقد ان الايرانيين انتخبوا خاتمي العام الماضي رفضا لمنافسه الرئيس ــ الشيخ ناطق نوري, اي لم تكن الانتخابات مجرد عملية تصويت احتجاجي. لم تكن كذلك على الاقل لم تكن كذلك باطلاق, والدراسات التي اجريت لتقويم نتائج الانتخابات الرئاسية افادت بان 14 بالمائة فقط انتخبوا خاتمي تصويتا بالضد على ناطق نوري واليمين المحافظ, واشارت الارقام الى ان 17 بالمئة انتخبوه دعما للتيارات التي ايدته و69 بالمائة انتخبوا شخص خاتمي ومشروعه وافكاره. وهذا يعني ان الايرانيين استوعبوا ما كان يطرحه خاتمي واعلنوا تأييدهم الواضح لما يتوقع ان يدافع عنه خلال المرحلة المقبلة وانهم لم يختاروا خاتمي لانه يضع عمامة سوداء كرمز لانحداره من آل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم ورفضوا ناطق نوري لانه يضع عمامة بيضاء باعتباره شيخا من عامة الناس. لقد كان الصراع بين رؤيتين ومشروعين للحكم والشعب اختار عن وعي احداهما بل اكثر من هذا اورد مثلا على ما اقرره من وعي سياسي عال للشعب الايراني وهو ما اشارت اليه دراسة اجريت واستطلعت تفاعلات الرأي العام من الواقع الجديد في ايران, فكشفت هذه الدراسة ان عدد الفتيات اللاتي اصبحن يرتدين (الحجاب الكامل) في الجامعات ارتفع وعندما سئلن عن السبب, اجبن بغالبيتهن (نحن نحب الرئيس خاتمي ونريده ان ينجح في اصلاحاته ومشروعه ولا نريد ان نوفر لخصومه السياسيين فرصة ان يقولوا ان من يدعم الرئيس خاتمي هم الليبراليون والمائعون والرافضون للهوية الدينية) اي ان ارتداء اولئك الطالبات بكثافة الحجاب الديني كان على خلفية سياسية وليس بالضرورة على قاعدة دينية وهذا ما يؤكد وجود وعي سياسي راق. وما يحصل في الساحة الايرانية الآن يؤكد ان هناك حياة سياسية حقيقية وعليه توجد ازمات سياسية لكن بالتأكيد لا توجد ازمة سياسية في ايران, على غرار (ازمة السياسة) في معظم البلدان العربية واستبعد ان تشهد ايران ازمة نظام في المرحلة المقبلة اذا تواصلت الامور علي ما هي عليه الان اي صراع سياسي يحتضنه المجتمع وتستوعبه المؤسسات ويؤطره الفضاء العام للثورة والنظام. وفي هذا الاطار تساءل: الى اين تتجه ايران في ضوء ما تقدم؟ والجواب, اننا نعتقد بان ايران تعيش المخاض في هذه المرحلة ونتيجة هذا المخاض اما الانفجار واما التوازن. والانفجار سيناريو محتمل, وهو يعني, بحسب فهمي, ان يتم احباط خاتمي وافشال مشروعه واذا تنحى خاتمي بشكل من الاشكال ومهما كانت السبل التي سيتوسلها الطرف المقابل للسيطرة على الوضع سواء بطرق مدنية او غير مدنية فأرى ان الشعب الايراني لن يصمت وسيعبر عن موقفه في الشارع بطرق لا تخضع لمنطق الضبط والتوجيه والتأطير ولن يعبر عن رأيه في صناديق الاقتراع حينئذ. اما النتيجة الثانية لهذا المخاض فهي التوازن الداخلي, وما اقصده بالتوازن هو ان طرفي المعادلة الرئيسية في نظام الحكم يدركان ان لا سبيل في المستقبل سوى ان تحكم البلاد بالتوافق ويدرك اليمين المحافظ على وجه الخصوص وهو الذي فرض سيطرته خلال السنوات الماضية ان ثمة تيارا أو مشروعا او رؤية اخرى تحظى بدعم شعبي ليست امرا على هامش الحكم والنظام وليست حقيقة عابرة وظرفية وبالتالي يحتكم جميع اطراف المعادلة في الحكم, سواء الجهات الدينية او السياسية او الاقتصادية او الثقافية الى منطق تقبل الطرف المخالف والانصياع الى قواعد اللعبة. وما اعتقده شخصيا ان الامور في ايران تتجه نحو التوازن وليس نحو الانفجار لعدة اعتبارات. اولا: لاننا لا نزال نعيش الحقبة التاريخية التي يقود فيها النظام الجيل الذي انتصر في الثورة واسس الجمهورية الاسلامية, وبالتالي فايران بعد عشرين سنة من انتصار ثورة شعبها ليست الاتحاد السوفييتي في عهد جورباتشوف الذي قاد البلاد بعد سبعين سنة على انتصار الثورة البلشفية, فالمرشد خامنئي والرئيس خاتمي وسلفه رفسنجاني وبعض رموز الطبقة السياسية ــ الدينية في اليسار واليمين هم بناة النظام واستبعد ان يضع هؤلاء مصالحهم او رؤاهم الذاتية على حساب استقرار النظام واستمراره ولعل الاشارة الى ما جرى في الانتخابات الرئاسية الاخيرة يؤكد هذه الفرضية اذ ليس خافيا ان هناك من نظر انذاك لتزوير الانتخابات على خلفية ان مصلحة الاسلام والثورة والنظام تقتضي ان يتولى (الاصلح) رئاسة الجمهورية وبدت الامور عند البعض وقتذاك جدية الى حد ان رموزا في الحكم حذروا من مغبة اللجوء الى هذه الممارسة ــ التهلكة, وخصوصا منهم الرئيس رفسنجاني الذي تحدث بوضوح عن خطورة هذا الامر في خطبة الجمعة التي سبقت عملية الاقتراع مباشرة. وتناولت الصحف (خطورة) التلاعب بالاصوات واعتبرها البعض سابقة خطيرة في نظام الجمهورية الاسلامية, اذ ثمة اجماع لدى الموالاة والمعارضة على ان الاستحقاقات الانتخابية المختلفة بعد الثورة لم تشهد تزويرا في الانتخابات المهم وقتذاك هو ان المرشد الاعلى خامنئي تدخل بوضوح في المسألة وتعهد امام الشعب بانه سيشرف على الانتخابات بصورة شخصية ولن يسمح بأي تزوير وبمعنى اخر فان المرشد فضل مصلحة النظام على مصلحة التيار او الشخص على رغم ان ما هو معلوم ان خامنئي كان يؤثر فوز ناطق نوري وبالتالي فان استمرار وجود هذه الرموز في قيادة الحكم سيكون عاملا مهما للحؤول دون حصول فوضى في البلاد. ثانيا: اذا حصلت فوضى فلن تكون لحساب تيار على حساب تيار اخر بل ستكون على حساب الجميع وبما على حساب النظام بكامله ويبدو ان اركان الحكم مدركون لهذا الامر ومن هنا يمكن فهم او تفهم استراتيجية الرئيس خاتمي في عدم رغبته بالمواجهة المباشرة والعلنية مع معارضيه فهو ابن المؤسسة كما اسلفنا ولذلك من المستبعد ان نشهد النموذج الجزائري في ايران. طبعا, ليس بعيدا ان نشهد النموذج التركي اي ان تسقط المؤسسة الامنية ــ العسكرية خاتمي بغطاء ديني ودستوري لكنني استبعد هذا السيناريو لان المؤسسة العسكرية وخصوصا مؤسسة الحرس الثوري تخضع لاشراف المرشد الاعلى كما ان سيطرتها على الوضع بصورة ما ستؤدي بالتأكيد الى الانفجار وليس الى الاستقرار والهدوء. ثالثا: ارى ان المرحلة المقبلة ستشهد مزيدا من التعاون العلني بين المرشد خامنئي والرئيس خاتمي, فخامنئي هو الاقوى افقيا اي في مؤسسات النظام العليا, وخاتمي هو الاقوى عموديا اي بين الحكم والشعب وسيكون التعاون بين قويين ولا ارى ان هدف الرئيس خاتمي هو اضعاف المرشد بدليل انه وقف الى جانبه عندما فجر آية الله حسين علي منتظري في خريف العام الماضي ازمة سياسية, ووجه انتقادات لاذعة للمرشد, وشدد خاتمي وقتذاك على أن الاساءة الى ولاية الفقيه تعد اساءة للدستور بما ان ولاية الفقيه لم تعد نظرية فقهية قابلة للجدل والأخذ والعطاء خارج المؤسسات الدينية الحاضنة لمثل هذا الجدل, واصبحت مبدأ ثابتا في الدستور. كما ان المرشد خامنئى, سيحاول في المرحلة المقبلة الا يكون طرفا مباشرا بصورة علنية في اي صراع سياسي داخلي, لكنه سيحرص على الا تشهد معادلة الحكم اختلالا كبيرا في التوازن بين السلطات والتيارات في داخل هذه السلطات, وان كان يبدو ان مصالح المرشد ستتقاطع مع مصالح المحافظين في بعض المحطات. باحث وصحافي مقيم في إيران ومراسل هيئة الإذاعة البريطانية*

طباعة Email
تعليقات

تعليقات