للتاريخ ذاكرة لا تخطىء ولا تخيب وان نسيت لبعض الوقت, أو تركت الحقيقة خافية خلف الضجيج, إلا انها تظل الحقيقة التي لا يرى النور غيرها, ورغم اعتقاد البعض انهم قادرون على كتابة التاريخ على هواهم ولو باستخدام الحديد والنار , تظل الحقيقة باقية رغم محاولات البعض تزييف الواقع, الزيف يبقى لبعض الوقت, يبقى الى ان تزول المصالح التي تدفع الى التزييف, اما الحقيقة فإنها باقية كل الوقت, لانها غير مرتبطة بالمصالح الوقتية. قبل ربع قرن من الآن كان الحدث والملعب الرئىسي للعاصمة التشيلية (استاد سانتياجو) كان مسرحا لمشاهد دموية لن ينساها التاريخ, وان حاول الجنرالات اخفاء الحقيقة تحت بريق النياشين وضجيج المارشات العسكرية, ومحاولات التزييف التي ظلت تنشرها الدعايات الامريكية حول الانتماء الشيوعي للرئىس الديمقراطي المنتخب السلفادور الليندي, وتبرر جرائم الدكتاتورية في مواجهة الديمقراطية. ولان المصالح الوقتية لمن ساهموا في التزييف انتهت, وقامت مصالح اخرى, أو أن المصالح القديمة بلغت مداها, عادت الحقيقة لتحتل مكانها, قبل ان ينتبه أحد الى انه في مثل هذا اليوم قبل ربع قرن بالتمام والكمال كان الاستاد الرئيسي للعاصمة التشيلية مسرح اعتقال لضحايا أبشع وأعنف انقلاب عسكري مبرمج ضد شعب اختار رئيسه, عاد الضحايا للاحتفال بانتصارهم على الجنرال في المكان نفسه, وليذكروا القتلة بأن الحقيقة باقية. في الذكرى الخامسة والعشرين للانقلاب الدموي انطلقت الاغاني تجلجل في ارجاء الملعب, وتعيد الى الذاكرة اغنيات المطرب والشاعر التشيلي (فيكتور خارا) , الذي وقف بين قتلى انقلاب المخابرات الامريكية الشهير يغني اسم بلاده, ولم يصمت الا بعد ان اسكتته طلقات الفاشية, انطلقت الاغاني هذه المرة من جديد لتؤكد ان سنوات الرعب والخطف والتعذيب والموت لم تنزع من الذاكرة تلك المشاهد, بل كانت تلك السنوات دافعا لبقاء تلك المشاهد محفورة في الذاكرة. في مثل هذا اليوم الحادي عشر من سبتمبر عام 1937 كان السلفادور الليندي أول رئيس منتخب ديمقراطيا في تاريخ التشيلي ــ يرتدي خوذته العسكرية رغم انه لم يكن عسكريا ــ ويحمل بين يديه مدفعا رشاشا قصير المدى, ليواجه الانقلاب الدموي الذي خططت له ونفذته المخابرات الامريكية, باستخدام عميلها الجنرال اوغوستو بينوتشيه, كان الرئىس الديمقراطي الليندي لا يدافع عن نفسه, بل يدافع عن فكره, لانه كان يعرف ان مصيره محتوم, لان القتلة لم يواجهوه وجها لوجه, بل وجهوا اليه قنابل طائراتهم لتدمر القصر الرئاسي, الذي يعتبر رمز الارادة الشعبية التي حملته اليه, لكنه لم يكن يعرف ان الجنرال الذي اختاره قبل اسابيع قليلة من هذا الانقلاب كان العميل الذي اختارته المخابرات الامريكية ليقود تلك القوات التي تدمر المؤسسات الدستورية التي اقسم أمام الله والرئىس والوطن ان يموت دفاعا عنها. الحدث هذه المرة في ملعب سانتياجو كان صحيحا, لان التاريخ هذه المرة كان يستعيد الحقيقة, أو يعود للتأكيد عليها, لان سطوة الجنرالات التي استمرت لخمسة وعشرين عاما لم تتمكن من نزع الذكرى من ذاكرة الشعب الذي يعرف ان رئيسه المنتخب مات غيلة, وأن الجنرالات الذين انقلبوا عليه كانوا ادوات للعمالة لمخابرات دولة اجنبية, وتلقوا الثمن من الشركات الاجنبية التي دفعت من اموال الشعب التشيلي, لان تلك الاموال خرجت من ثمن نحاس البلاد, من تلك المناجم التي اممها الرئيس القتيل لانها كانت ملكا للشعب. حاول الجنرال بينوتشيه طوال تلك السنوات التي تلت انقلاب سبتمبر 1973 ان يلغي الذاكرة من خلال بوليسه السري, وبدعم من الذين دفعوه الى الخطف والتعذيب والقتل, فكان يحتفل بهذا اليوم باعتباره يوم البلاد الوطني, دون ان يأبه الى أن الدماء كانت ولا تزال تلطخ يديه, وان استعراضاته العسكرية لم تكن سوى تذكير سنوي بمذابح الابرياء, وحث على عدم النسيان في انتظار اللحظة الفاصلة, لان التاريخ لا ينسى, بل ينتظر. مرت السنوات وظلت الذكرى, ولم يجرؤ الجنرال على التقاعد مثل كل الجنرالات, ظل حتى بلغ اقصى ما يمكن لجنرال ان يظل مرتديا لباسه العسكري, وعندما حان وقت قبول الامر الواقع والتقاعد عنوة, رفض الجنرال ان يعود الى بيته, رفض ان يعترف بقوة ذكرى الابرياء الذين اغتالهم, بحث عن مخرج ينقذه من ورطته, خاصة ان رياحا جديدة هبت على العالم, ولم يعد ممكنا للولايات المتحدة ان تظل على دعمها لدموية الجنرال التي كانت تدعمها تحت شعار (محاربة الشيوعية) لان الشيوعية لم يعد لها مكان بعد سقوط رمزها على ارض الواقع. قبل الجنرال اوغوستو بينوتشيه الرحيل, لكن الرحيل كان يعني امكانية تعرضه لدفع ثمن كل الجرائم التي ارتكبها, ولو في شكل محاكمات رمزية, لان تلك المحاكمات في النهاية ليست سوى رؤية يديه ملطخة من جديد بدماء الرئيس الديمقراطي السلفادور الليندي. قام الجنرال بدعم من الولايات المتحدة بفرض الامر الواقع على السلطات المدنية من خلال تفصيل دستور خاص لم تعرف مثله اي ديمقراطية لا قديمة ولا حديثة, دستور يضمن للدكتاتور ان يحتفظ بمقعد ابدي في مجلس الشيوخ (الديمقراطي) , الجنرال الدكتاتور يقبل ان يحتفظ بلقب عضو في مجلس (ديمقراطي) مدى الحياة, انها السخرية من العقل والذكاء, ومحاولة جديدة لتزييف التاريخ رغم فشل المحاولة الاولى. الجنرال يقبل ان يكون (جثة) تجلس على مقعد ابدي في مجلس يمقته وعلى استعداد للعودة الى السلاح لتدميره, طالب الدكتاتور بمقعد في هذا المجلس ليس ايمانا بالديمقراطية, ولكن لان هذا المقعد يضمن له ان يذهب الى القبر دون ان يشهد محاكمته عن جرائمه بعينه, وهذا في حد ذاته اقصى ما يمكن ان يحلم به الدكتاتور بعد ان بدأ يشهد بعينيه, ان ربع قرن من الدكتاتورية لم تتمكن من فرض النسيان على ذاكرة الشعب. ارتدى الجنرال لباسا مدنيا وجلس بين ديمقراطيين يعرف صور اكثرهم من خلال عمليات الاعتقال التي كان يوقعها, بل يعرف انه وقع على احكام باعدام بعضهم بلا محاكمة, الا ان كل هذا لم يكن يؤلم الجنرال أو يحرك فيه مشاعر الغضب, لانه كان ينتشي برؤية الاستعراضات العسكرية السنوية التي كانت تذكره بجبروته. الاحتفالات هذا العام كانت على غير هوى الجنرال, او الجنرال السابق, لان الجنرال الجديد قائد الجيش الذي ورث العبء عن الجنرال السابق فهم انه مفروض عليه قبول الواقع, وان هذا الواقع مفروض عليه لا محالة, والسباحة ضد التيار في هذا الزمان لها ثمنها الباهظ, او انه رأى ان ربع قرن لم تكن كافية لمحو الحقيقة, فقرر ان يقبل بأن تكون احتفالات الجيش بسنوات الدكتاتورية في المعسكرات, اي ان تكون الاحتفالات في الظل, وللشعب ان يحتفل في هذا اليوم باستعادة ذكرى رئىسه القتيل. ولان الشعب استعاد ذاكرته رغم ظلال الجنرال الجالس في مجلس الشيوخ, فقد عادت الاحتفالات الى الاستاد الرئيسي للعاصمة التشيلية, وعادت صور الرئىس القتيل السلفادور الليندي الى مكانها في الشوارع, وعادت أغاني فيكتور خارا يتردد صداها في ارجاء الوطن, وتصم اذني الجنرال بأغاني الحرية والمجد للوطن الحر. اما الجنرال اوغوستو بينوتشيه فقد حاول الهروب من دماء الرئىس الليندي التي تلطخ يديه رغم مرور ربع قرن على قتله, ويحتفل لاول مرة بهزيمته امام الرئيس الليندي سرا, لانها لم تعد تلك الذكرى التي كان يتباهى بها امام العالم مستعرضا نياشينه, منذ الآن فان الاحتفال بهذه المناسبة يذكره بعقم سنوات دكتاتوريته, وبدماء الذين سحقهم في طريقه. بعد ربع قرن من الدكتاتورية عاد الجنرال يرى دماء ضحاياه في طبق غذائه اليومي, ويرى الدماء تلطخ يديه كلما حاول ان يفتح صنبور الماء. بعد ربع قرن تحول انتصار الجنرال الى هزيمة, وعاد للرئيس القتيل منتصرا, الشعب يرفع صوره في وجه الجنرال, فيما الجنرال يبكي سنوات عمره الضائعه, ويعيد نياشينه الى صناديقها لانها لم تعد تصلح لهذه المناسبة. كاتب مصري مقيم في اسبانيا*