ما هي استراتيجية خاتمي في المرحلة المقبلة انطلاقا مما سبق؟الرجل يدرك عناصر القوة التي بين يديه وعناصر القوة التي يفتقدها, والتي يشكل عدم تمكنه منها عناصر ضعف , وكما كان شأنه خلال السنة الماضية, اعتقد بأن خاتمي سينتهج خيار التعاون والتنسيق مع المرشد الاعلى على امل بلوغ نقطة التحالف معه, لأن اي صدام او اختلاف بين الرجلين يصل بالامور الى طريق مسدود ولا سيما ان المرشد يملك صلاحيات واسعة ولا يزال الرجل الاقوى افقيا ولن يختلف هذا الامر كثيرا في المرحلة المقبلة بحكم الواقع والصلاحيات الدستورية وموقعه الديني (كولي للفقيه) . كما ان خاتمي الذي بات رمزا للمشروع الاصلاحي في الجمهورية الاسلامية سيعمل بصورة هادئة على الانخراط العميق والمؤثر والنافذ في نسيج الدولة والادارة ومؤسسات النظام, لأنه يدرك جيدا ان يستحيل عليه ان ينفذ مشروعه من دون كوادر ومواقع قوة. وفي غضون ذلك استبعد ان يختار خاتمي نهج المواجهة العلنية الشخصية والمباشرة مع معارضيه او خصومه السياسيين حتى اذا اشتد عليه التحدي, بشرط الا يخوض منافسوه صراعا بأدوات غير مدنية وغير سياسية. ولا اريد ان اخوض كثيرا في هذه المسألة, ولكن يمكن القول ان المعركة الآن هي معركة سياسية مدنية, واذا لاحظ خاتمي كزعيم وكرمز للمشروع الاصلاحي وليس فقط كرئيس للجمهورية, ان الخيار الامني بات في مرحلة ما سبيل الاطراف الاخرى في النظام والحكم, فانه سيلجأ الى الشعب. واستبعد ان يكرر تجربته السابقة عندما اثر الاستقالة والتنحي عن وزارة الثقافة والارشاد الاسلامي عام ,1992 لأن هناك فرقا بين خاتمي الوزير العضو في حكومة كان وجها نشازا فيها, وخاتمي رئيس الدولة والمسؤول عن تنفيذ الدستور, والذي رفعه الشعب الى موقع الرئاسة. ومن الواضح ان عامل الزمن هو في صالح خاتمي على رغم كل التحديات التي يواجهها فالمشروع الاصلاحي يحتاج الى هدوء واستقرار ولذلك يحرص خاتمي على ان تستوعب كل المشكلات والتجاذبات والصراعات السياسية ضمن مؤسسات المجتمع المدني وليس على هامشها او من خارجها. وفي هذا الاطار نقول ان رفع شعار ازالة التوترات في علاقات ايران الخارجية لأنه يحتاج الى هدوء, هذا الشعار في رأيي يخدم بدرجة اساسية مشروعه في الداخل. كما ان هدف خاتمي الرئيسي ليس ان يبقى رئيسا للجمهورية من دون ان يواجه التحديات, او ان ينجح في تذليل الصعوبات وتعطيل الالغام التي توضع في طريقه فهذا الهدف هو جزئي في سياسته, وظرفي في مسيرته, ان هدفه الحقيقي والبعيد المدى هو ترسيخ ثقافة التسامح, وتجذير قيم الشورى والديمقراطية والتدافع الاهلي في الفضاء العام لقيم الثورة ومبادىء نظام الحكم. ولذلك فاننا نلاحظ انه تجنب خلال المرحلة الماضية من عهده الرئاسي اعلان معارضته الشخصية لبعض سياسات معارضيه في النظام ومواقفهم اقتناعا منه بأن الطبقة السياسية الايرانية, بل الشعب الايراني بكامله يحتاج الى تمرين على ثقافة التسامح وتقبل الرأي والرأي المخالف, ويمكن القول ان نهجه العام يقوم على الصبر الجميل, وليس على دفع الاذى بالقوة. ومن هنا نفهم رفض خاتمي المطلق انخراط المؤسسة العسكرية بجناحيها الرئيسيين, الجيش وحرس الثورة الاسلامية في الصراع السياسي الداخلي. يحسن هنا ان نشير باختصار الى الخريطة السياسية في ايران التي يتنازعها تياران رئيسيان, فعلى رغم ان الاخوة في ايران لا يحبذون ان نقسم الحياة او التركيبة السياسية الى تيارات, ربما لأن البعض في قيادة النظام يعتبر ان هدف مؤامرات الاعداء في الغرب هو تأجيج الصراعات الداخلية وتمزيق النسيج الاجتماعي وزعزعة الاستقرار, ولذلك ترى اركان الحكم في طهران ينفون في تصريحاتهم العلنية وجود تيارات او تكتلات في النظام رغم ان الصراع السياسي هو دليل حيوية وليس بالضرورة مدخلا للتصدع قلنا رغم ذلك الا اننا نستطيع التوضيح ان ثمة تيارين اساسيين في ايران: اليمين المحافظ الذي يعبر عن تحالف المؤسسة الدينية التي يصفها البعض بالتقليدية والرأسمالية التجارية المعروفة في ايران باسم قوى (البازار) .. وفي غياب الأحزاب السياسية بالمفهوم المتعارف عليه, فإن التيارات في إيران هي عبارة عن تجمع لكتل دينية وسياسية وثقافية واقتصادية, تربط بينها قواسم فكرية أو سياسية أو مصالح مشتركة, لكنها لا تجتمع بالضرورة على قواعد ثابتة وواحدة, ولذلك نجد في اليمين المحافظ من يتبنى أفكارا سياسية ليبرالية ورؤى ثقافية منفتحة وتصورات دينية كلها تسامح إلى جانب من يعدون متشددين سياسيا ومتزمتين دينيا ومنغلقين سياسيا. كما نجد في اليمين المحافظ من يناصر التعددية الحزبية بقوة, والمشاركة الشعبية في صناعة القرار, نجد, وربما أكثر حضورا ونفوذا وتأثيرا, من لا يؤمن بمبدأ أو قاعدة جامعة اسمها الشرعية الجماهيرية ويرفض حتى الطابع الجمهوري لنظام الحكم في إيران اليوم, وقد برزت أفكار تعبر عن هذا التصور بوضوح أثناء المنافسة الرئاسية العام الماضي, ونقلت صحف طهران عن أحد كبار رجال الدين البارزين في هذا التيار ومن المنظرين المرموقين عدم موافقته على أن يكون الشعب هو صاحب الحق في تقرير مصيره, ولم يجد حرجا في التشكيك في الشرعية الدينية لهذا المبدأ, وأشار هذا الرمز الديني - السياسي البارز إلى عملية اختيار الصحابي أبي بكر الصديق خليفة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم بعد وفاته في (السقيفة) مشددا على ما يعتبره المسلمون الشيعة أحقية شرعية ودينية للخليفة الرابع علي بن أبي طالب بخلافة الرسول انطلاقا من قناعتهم بأن الله تعالى أوصى بالخلافة لعلي وآل بيته, ويقول هؤلاء ان صاحب الحق الديني والشرعي في الحكم هو علي بن أبي طالب لكن الناس اختاروا أو بالتعبير الحديث (انتخبوا) غيره, ولذلك لا تعني الانتخابات بالضرورة في نظر هؤلاء أنها السبيل الأسلامي لتحقيق الشرعية الدينية, وانطلق بعض المتنفذين في الحكم من هذه المقاربة ليعلنوا بوضوح أن تعطيل انتخاب خاتمي للرئاسة لازمة مصيرية بما يحول دون تهديد هوية النظام, وثمة من المحافظين من دعا الى تغيير اسم (الجمهورية الإسلامية الايرانية) إلى (دولة العدل الإسلامي) في ايران, وهذا طبعا ليس تغييرا شكليا, بل انه مدخل لتحول جذري في النظام السياسي الايراني, يستجيب لدعوات دينية وسياسية بإلغاء الانتخابات الرئاسية وإيكال الأمر إلى (ولي الفقيه) ليعين هو من يراه (الأصلح) لمنصب (رئيس الدولة) . هنا ثمة من يتساءل, هل أن (أنصار حزب الله) الذين برز دورهم في السنوات الأخيرة هم جزء من اليمين المحافظ, ولاسيما أنهم لا ينسجمون مع إصلاحات خاتمي؟ والجواب هو أن (الانصار) لا يشكلون قوة سياسية تنظيمية كبيرة, لكن أهميتهم تكمن في أنهم باتوا تعبيرا لجهات عليا متنفذة في الدولة والنظام, وتحركاتهم تعبر, في كثير من الأحيان, عن مواقف جهات قوية تعارض خاتمي, وتوجه له رسائل محددة في أوقات معينة عن طريق (أنصار حزب الله) . أما التيار الثاني فهو ما بات يطلق عليه التيار الإصلاحي, يلتف حول الرئيس خاتمي ويعتبره رمزه, وهو أكثر تعقيدا من اليمين المحافظ, إذ أنه يضم (اليسار الإسلامي الراديكالي) وتكنوقراط الدولة الذين شكلوا حزب (كوادر بناء إيران) وجماعة (المثقفين الدينيين) التي برزت في السنوات الأخيرة, وتتمتع بتأثير في الجامعات وبين أوساط النخبة, وتعتبر المعارضة الوطنية الليبرالية, وفي مقدمها (حركة الحرية) نفسها جزءا من هذا التيار الإصلاحي على رغم انها ليست جزءا من قراره ولا تشارك من قريب أو بعيد في حركته السياسية اليومية المباشرة, واليسار الرايكالي يضم تجمعات دينية وسياسية وثقافية تعتبر نفسها (الوفية) لمبادىء الإمام الخميني ونهجه, وبالمناسبة فخاتمي كان عضوا في القيادة المركزية لـ (تجمع علماء الدين المجاهدين) (مجمع روحانيون مبارز) الذي يعد المحور الديني لليسار الإسلامي. والراديكاليون معروفون بأنهم متشددون في السياسة الخارجية خصوصا من حيث الموقف من الولايات المتحدة الأمريكية, ويتحفظون على اقتصاد السوق, ويعتبرون منفتحين ثقافيا ودينيا, بينما يؤمن حلفاؤهم الحاليون في حكومة خاتمي (كوادر البناء) باقتصاد السوق وهم معتدلون جدا في السياسة الخارجية, ولا يرى بعض رموزهم أي عقدة في تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة, كما انهم منفتحون ثقافيا ودينيا, وفي ظل هذه التركيبة المعقدة لـ (الإصلاحيين) أو من باتوا يسمون (أنصار خاتمي) حرص - وسيحرص - خاتمي على التوفيق بين تناقضات أنصاره .. مع تشديده على أولوية الاعتدال والتسامح والانفتاح في الداخل وعلى الخارج. وعلى هذا الأساس فإن اليمين المحافظ ليس هو التيار المتشدد في كل القضايا والملفات والتيار الإصلاحي ليس هو التيار المعتدل والمنفتح في كل التوجهات. ولذلك يمكن القول ان التوفيق بين متطلبات المرحلة والتركيبة المعقدة للتيار الاصلاحي, ستكون تحديا مستمرا أمام الرئيس خاتمي, لكن يمكن الجزم بأن ائتلاف أنصار خاتمي سيستمر في المرحلة المقبلة على الأقل على قاعدة التعارض مع المحافظين. على ان خاتمي سيواجه ايضا تحدي اليمين المحافظ, هذا التيار القوي والمتنفذ في مؤسسات الدولة والادارة والنظام, لم يبد تراجعا بعد هزيمته القاسية في الانتخابات الرئاسية الأخيرة, ويبدو ان استراتيجيته ستشهد مزيدا من الفعالية في السنوات المقبلة من ولاية خاتمي (التي تنتهي عام 2001). باحث وصحافي مقيم في إيران ومراسل هيئة الإذاعة البريطانية*