حينما أقضي اجازتي في باريس وأتجول في ربوع أوروبا ــ كعادتي منذ زمن بعيد ــ أغتنم فرصة معايشة هذه المجتمعات الغربية المسيحية لأتعرف على ملامح الصورة التي يحتفظ بها رجل الشارع الأوروبي عن العربي المسلم في ذهنه وفي سلوكه وفي ورقة الاقتراع التي يضعها في الصندوق لانتخاب المسؤولين عن حظوظه , ولاحظت هذا الصيف ان تلك الصورة تهذبت وتطورت وأصبحت أقل اثارة للعنف وردة الفعل السلبية, ذلك ان هناك مجهودات أكاديمية مشكورة تضافرت لاعادة الاعتبار شيئا ما للعربي المسلم وساعدت على ذلك السياسة المتهورة والمكشوفة للحكومة الاسرائيلية الرافضة للسلام. فمثلا خصص عالم الاجتماع الكبير ذي الأصل اليهودي جي سورمان فصلا كاملا في آخر كتاب صادر له بعنوان (العالم قبيلتين) عن مؤسسة (فايار) للحديث عن شهادته الحية في فلسطين المحتلة وقد أنصف هذا المثقف الحر قضية فلسطين, وندد بالعقيدة العسكرية الاسرائيلية, كما ان وزير خارجية فرنسا الأسبق ميشال جوبير يساهم بقسط مشرف في انارة الرأي العام الأوروبي بمقالاته الاسبوعية, وتبدو نتائج هذه التغيرات حتى في مواقف الحكومة الفرنسية التي تباعدت عن النظرية الأمريكية المنحازة لاسرائيل, من ذلك ان هوبر فدرين وزير خارجية فرنسا كان شديد الانتقاد لما أسماه (ضياع السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط) في حديث صريح لجريدة (لوفيجارو) يوم الخميس 27 أغسطس ,1998 ولكن يجب ان نعيد تقييم تجربة سوء التفاهم بين العرب والغرب على ضوء الماضي القريب وأحداثه ثم نتقدم بجملة من المقترحات لتجاوز هذا الوضع وتطوير الحوار السلمي المتكافىء والمتوازن بين الجانبين. ولعل أبرز قاعدة حضارية لنشأة التباعد والتنافر وضعت في أعقاب استقلال الدول العربية والاسلامية ثم تفاقم الوضع مع نكبة فلسطين في مايو 1948 الى ان جاء الخطاب القومي بأدبياته الناصرية, ثم الخطاب الاسلامي بتوجهاته الاستقلالية, مما جعل الرأي العام الغربي وحكومات الغرب تستنفر وترد الفعل بازكاء النزعات اليمينية المتطرفة والترويج لصورة الارهابي والعنيف والدموي من خلال الاعلام بخاصة.. آخر مثال لذلك التعليق على تفجير القنبلة النووية الباكستانية ونعتها بالاسلامية! كل هذه التراكمات لا تمنع من تأسيس منظور معرفي عربي اسلامي للعلاقة الحضارية مع الغرب بدءا بتصحيح صورة العرب والمسلمين في مرآة الغرب المتحرفة, واضعين نصب أعيننا ان عملا كهذا ليس سهلا وليس شأنا من شؤون حكومة عربية واحدة ولا منظمة عربية أو اسلامية واحدة, انه عمل من أجل السلام العالمي واقرار مبادىء الحوار والتعاون في كنف الاحترام المتبادل. اننا مدعوون لتنسيق الجهود بين عناصر الخارج وعناصر الداخل لتحقيق عمل من هذا النوع, وأقصد بذلك اعتماد دولنا على الجامعات ومراكز البحوث ثم ربط الصلات الدائمة والعميقة مع الجاليات العربية والمسلمة المقيمة في المجتمعات الغربية, فإن هذه الجاليات تطورت نوعا ومستوى عما كانت عليه قبل عشرين أو ثلاثين عاما.. فقد نشأت في جالياتنا اليوم نخب جامعية وبحثية رفيعة أصبح لها تأثير لا يستهان به في المجتمعات الغربية في أوروبا وأمريكا, بل واندمجت هذه الجاليات في كل مراحل النمو والتقدم في تلك المجتمعات وأصبح لها صوت مسموع, وأحسب والله أعلم ان أغلب الجسور مقطوعة بين دولنا وبين هذه الجاليات, ما عدا بعض المظاهر السياسية لتأكيد الانتماء وتوظيف تلك الجاليات لخدمة هذا النظام أو ذاك, دون التخطيط لمشاريع حضارية من هذا الصنف المطلوب وبالطبع دون أي تنسيق يذكر لا في جامعة الدول العربية ولا في منظمة المؤتمر الاسلامي. هذا من جهة, ومن جهة ثانية يمكن التفكير في توجيه بعض قنواتنا الفضائية لمخاطبة الغرب بلسانه ودخول اللعبة الاعلامية العالمية المفتوحة والمتاحة باغتنام قواعدها حتى لا نبقى نخاطب أنفسنا ونتلقى من الغرب ولا نبلغه من قبلنا أية رسالة حضارية, مع العلم ان أغلب شرائح المجتمعات الغربية شرائح محايدة ويمكن التوجه اليها بخطاب الحضارة والعقل والسماحة والعلم والحوار المتكافىء عوضا عن هذا الضجيج الايديولوجي الذي يضر ولا ينفع والذي يوسع الهوة أكثر فأكثر, بل لعله لا يختلف عن ضجيج العنصريين الغربيين. ويمكن كذلك تسخير شبكة الانترنت لبث رسائل عربية واسلامية تعتمد خطابا عصريا يا حبذا لو اتفقنا جميعا على مضمونه ومصطلحاته حتى يعي الرأي العام الغربي مصداقية ثقافتنا وعدالة قضايانا وحسن نوايانا. وبالموازاة لذلك يمكن بذل المزيد من الجهود لخدمة اللغة العربية والحضارة الاسلامية في جامعات الغرب بتزويد أقسامها وطلابها بما لدينا من امكانات. ولعل أكثر الاقتراحات واقعية واستعجالية هو ما أتقدم به للرأي العام المسلم وأصحاب القرار آملا ان يحظى بالدرس والتفكر والتدبر.. إني اقترح انشاء مركز عربي جامعي موحد يوحّد مجهوداتنا جميعا في مجال تصحيح صورة الاسلام لدى الغرب, ويشرف على الدراسات العلمية والندوات الفكرية والأعمال طويلة النفس المتعلقة بهذا المشروع الهام والحضاري والأساسي. وأقترح ان تكون احدى جامعاتنا الخليجية أو مراكزنا العلمية مقرا لنواة التفكير لبعث هذا المشروع الهام, وفي حالة تجسيد هذه الفكرة يمكن ان نبدأ بعقد ندوة فكرية لتحقيق هذا الطموح الاسلامي الغربي المشترك, وذلك بالتعاون مع أعرق الجامعات الاوروبية التي لها صلات وثيقة وقديمة مع العالم الاسلامي والثقافة العربية, مثل جامعة السربون التي أنشأت أول كرسي للحضارة الاسلامية عام ,1539 أو جامعة اكسفورد التي أنشأت ثاني كرسي للثقافة العربية عام 1638.. وبذلك نعيد وصل ما انقطع ونخدم أمتنا ونفتح أبواب الوفاق الحضاري المنشود عوضا عن سوء التفاهم المُحبِط.. والله من وراء القصد نحمده ونستعين به.